محتوي المقال
رابعا. رحمة الله بالمشركين في عدم إجابة مطالبهم:
هذه المقالة كم قالها كثير من المكذبين لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، وملة الكفر واحدة تشابهت قلوبهم، ففرعون يقول عن موسى عليه السلام:
(فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب)
(الزخرف: 53)
وهؤلاء يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها)
(الفرقان: 8).
بل يعلق الكفار والمشركون إيمانهم على تحقيق الرسول لهم بعض الخوارق أو المعجزات فهم يقولون له:
(وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91)
(الإسراء).
فهذه المطالب التي أراد المشركون من الرسول تحقيقها ما أيسرها على الله عز وجل، ولو شاء لفعل ولأجابهم على جميع ما سألوا
قال سبحانه وتعالى:
(تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11)
(الفرقان)
فهو - عز وجل - علم أنهم لن يهتدوا،
كما قال سبحانه وتعالى:
(إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97)
(يونس)
وقال أيضا:
(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)
(الأنعام: 111).
وبين الله أيضا لهم أن سنة الأمم المرسل إليهم قبلهم هي التكذيب بالآيات، وقد جرت سنة الله فيهم أنه لا يؤخر عنهم العذاب إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال - عز وجل - عن عيسى - عليه السلام - والحواريين بشأن قصة المائدة:
(قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين)
(المائدة:115)
وأخبر الله أيضا عن ثمود حين سألوا صالحا - عليه السلام - آية؛ فأخرج لهم الناقة من صخرة عينوها، ثم ظلموا بها وكفروا بمن خلقها وعقروها فأهلكهم الله سبحانه وتعالى:
(وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا)
(الإسراء:59)
فشأن الأمم السابقة أنهم يطلبون الآيات ثم إذا أجيبوا لطلبهم كفروا بها فعذبهم الله؛ ولذا قال الله رادا عليهم:
(وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون)
(الإسراء: 59).
ولهذا لما طلبوا ما طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله له:
«إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة، قال: بل باب التوبة والرحمة»([2]).
ومن ردود القرآن عليهم أيضا قوله - عز وجل - على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:
(قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)
(الإسراء:93)
أي يتنزه ربي عن أن يعجز عن شيء من ذلك، وما أنا إلا بشر أتبع ما يوحى إلي من ربي ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات؟!
ثم إنه ليس لي أن أتخير على ربي ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يطلبونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتي بآية خلاف ما طلب غيري، وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس، وإنما التدبير إلى الله عز وجل، ولذا رد عليهم فقال: (إنما أنت نذير) (هود: 12)، فعليك أن تنذرهم لا أن تأتيهم بما يقترحون من الآيات.
خامسا. الحكمة في كون الرسول من البشر:
يقترح كفار مكة أيضا أن ينزل على الرسول ملك من السماء يكون معه نذيرا مؤيدا له أمامهم، إذ يرونه ويسمعون كلامه،
قال سبحانه وتعالى:
(لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)
(الفرقان:7)
كما اقترحوا أيضا نزول الملائكة عليهم بالرسالة من ربهم،
قال سبحانه وتعالى:
(وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا)
(الفرقان:21)
وبذلك جمعوا بين الاقتراحين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرهم بأنه ينزل عليه الملك، وكأنهم ظنوا أن مساواتهم له - صلى الله عليه وسلم - في البشرية تقتضي مساواته في الاستعداد لرؤية الملائكة وتلقي العلم عنهم، وهذه من أقوى شبه الكفار على الوحي، فإنهم لغرورهم بأنفسهم ينكرون كل ما لا يصلون إليه بأنفسهم.
وقد رد الله عليهم هذين الاقتراحين بما يلي:
1. أن الله لو أنزل ملكا كما اقترحوا لقضي الأمر بإهلاكهم ثم لا يمهلون ولا يؤخرون ليؤمنوا، بل يأخذهم العذاب عاجلا، كما مضت به سنة الله فيمن قبلهم ممن قامت عليهم الحجة، وذلك أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم يؤمنوا يعذبهم الله بالهلاك والاستئصال،
قال سبحانه وتعالى:
(ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين)
(الحجر:8)
وقال أيضا:
(يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين)
(الفرقان: 22)
لكن الله - عز وجل - لا يريد أن يستأصل هذه الأمة المحمدية التي بعث فيها خاتم الرسل نبي الرحمة، إذ الرحمة العامة تنافي هذا العذاب العام:
(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
(الأنبياء:107)
ولذا قال الله في الرد عليهم:
(وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون)
(الأنعام:8)
2. أنهم لو شاهدوا الملك بصورته الأصلية كما يطلبون لزهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون، قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا؛ إذ لا يطيقون رؤيته،
وقال أيضا:
(قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)
(الإسراء:95)
3. أن الله لو جعل الرسول ملكا لجعل الملك متمثلا في صورة بشر، حتى يتمكنوا من رؤيته وسماع كلامه الذي يبلغه عن الله عز وجل، ولو جعله ملكا في صورة بشر لاعتقدوا أنه بشر؛ لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التي تمثل بها.
وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرا، ولا ينفكون يقترحون جعله ملكا، وقد كانوا في غنى عن هذا، وإنما شأنهم فيه شأن أكثر الناس فيما يوقعون فيه أنفسهم من المشكلات بسوء اختيارهم، وما يخترعونه من الشبهات بسوء فهمهم، ثم يحارون في أمر المخرج منها؛
ولذا قال - سبحانه وتعالى - في الرد عليهم:
(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون)
(الأنعام:9)
4. أن من رحمته - عز وجل - بخلقه ولطفه بعباده، أن أرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلا منهم ليدعوا بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، قال سبحانه وتعالى:
(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم)
(آل عمران:164).
ولو كان جنس المكلفين في الأرض من الملائكة، لأنزل الله عليهم رسولا منهم كما قال تعالى:
(قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)
(الإسراء:95)
الخلاصة:
·حكى القرآن بعض المقترحات المتعنتة التي كان يقترحها المشركون على رسول الله، وأقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم مؤكدين إياها بأقصى ألوان التأكيد، معلنين أنهم لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التي اقترحوها على سيدنا محمد ليؤمنن بها أنها من عند الله، وأنك يا محمد صادق فيما تبلغه عن ربك، بيد أن الله لقن رسوله - صلى الله عليه وسلم - الرد المفحم لهم فقال: (قل إنما الآيات عند الله) (الأنعام: 109)، أي: قل لهم يا محمد - صلى الله عليه وسلم - إن هذه الآيات التي اقترحتموها تعنتا وعنادا مردها إلى الله، فهو وحده القادر عليها والمتصرف فيها حسب مشيئته وحكمته، إن شاء أنزلها، وإن شاء منعها، أما أنا فليس ذلك إلى.
·سبب منع نزول الآيات التي يطلبونها هو فساد آبائهم وعدم امتثالهم وتكذبيهم كفرا واستكبارا، فضلا عن أنهم إذا لم يؤمنوا بالآيات القرآنية فلن تنفعهم آيات حسية أخرى، كما أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الآيات فسوف يهلكهم الله كما أهلك المكذبين قبلهم حين لم يؤمنوا بتلك الآيات الحسية التي طلبوها واستجاب الله لهم فيها. ومن ثم فعدم استجابة مطالبهم هو رحمة بهم.
·طلب اليهود والمشركون من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل عليهم كتابا من السماء كان من باب التعنت والتعجيز لا من باب الاقتناع؛ حيث إن اليهود نزلت عليهم آيات من قبل أنبيائهم فقتلوهم، والمشركون جاءتهم الآيات من قبل؛ كمعجزة شق القمر، ولكنهم لم يؤمنوا.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد