محتوي المقال
خامسا. ساق القرآن بعض أدلة البعث في معرض الرد على واحد من مكذبي المعاد:
يحكي القرآن عن أحد هؤلاء المشركين المستبعدين البعث - وهو العاص بن وائل - حين جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء،
ويقول:
«يا محمد، أيبعث الله هذا بعد ما أرم؟! قال صلى الله عليه وسلم: "نعم يبعث الله هذا، يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم"، قال: فنزلت الآيات: )أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77)( (يس)» [10].
ونزلت في هذه القصة الآيات الأخيرة من سورة يس،
وفيها يقول الحق سبحانه وتعالى:
(أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78)
(يس)
فهذا المشرك ضرب لله مثلا ونسي أنه خلقه من نطفة، فلم يهتد إلى أن ذلك أعجب من إعادة عظمه
(أفعيينا بالخلق الأول)
(ق: ١٥)
ولذا قال - عز وجل - جوابا على سؤاله المتهافت:
(قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)
(يس:79)
أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها أين ذهبت وتفرقت وتمزقت، ثم ضرب الله له مثلا آخر وهو الشجر الأخضر الذي يوقد منه النار، فالله بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار، وكذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد، لا يعجزه شيء،
قال سبحانه وتعالى:
(الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون)
(يس:80)
ثم يقدم القرآن استدلالا آخر على إعادة الأجساد بخلق السماوات والأرض بما فيها من الكواكب السيارة، والجبال، والبحار، والرمال، وما بين ذلك،
قال سبحانه وتعالى:
(أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم)
(يس:81)
ففي هذه القصة نلاحظ أن الله - سبحانه وتعالى - ساق من الأدلة ما يكفي لإقناع هذا المشرك وغيره بحقيقة البعث والمعاد؛ إذ احتج بالإبداء على الإعادة، ثم بقدرته على تحويل الخلق من حال إلى ضده، ثم أكد ذلك بأن القادر على خلق الأعظم قادر من باب أولى على خلق الأيسر منه، فسبحان من يقول للشيء كن فيكون، فملكوت كل شيء بيده، وكل إليه راجع،
قال سبحانه وتعالى:
(وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83)
(يس)
سادسا. إحياء بعض الأموات في هذه الحياة دليل واقعي على قدرته - عز وجل - على البعث والنشور يوم القيامة:
لقد ذكر القرآن الكريم عددا من القصص التي أحيا الله فيها بعض الأموات في هذه الحياة الدنيا، وكذلك ما أيد الله به بعض رسله من إحياء الموتى على أيديهم، وفي كل ذلك أعظم دليل على قدرته تعالى على البعث والنشور، فحدثنا القرآن عن الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فتعجب من إحياء الله لها بعد موتها وقد كان مؤمنا لا شاكا، ولكن الله أعلمه ذلك يقينا؛ أي بالمعاينة،
قال سبحانه وتعالى:
(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير)
(البقرة:259)
وحدثنا عن إبراهيم - عليه السلام - الذي دعا ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فكان هذا المشهد الذي حدثنا القرآن عنه،
قال تعالى:
(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم)
(البقرة:260)
وحدثنا عن عيسى - عليه السلام - الذي كان يصنع من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وكان يحيي الموتى بإذن الله،
فقد قال لقومه:
(ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)
(آل عمران:49)
وحدثنا عن أصحاب الكهف الذين ضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم قاموا من رقدتهم بعد تلك الأزمان المتطاولة،
قال تعالى:
(ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا)
(الكهف:12)
وقال أيضا:
(ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا)
(الكهف:25)
وحدثنا عن قوم موسى عليه السلام، هؤلاء الذين
قالوا له:
(لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)
(البقرة: ٥٥)
فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، ثم بعثهم الله بعد موتهم هذا،
قال تعالى:
(فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56)
(البقرة).
وحدثنا عن قتل بني إسرائيل قتيلا واتهام كل قبيل القبيل الآخر بقتله، فأمرهم نبيهم أن يذبحوا بقرة، فذبحوها بعد أن تعنتوا في طلب صفاتها، ثم أمرهم بعد ذبحها أن يضربوا القتيل بجزء منها، فأحياه الله وهم ينظرون فأخبر عمن قتله،
قال تعالى:
(فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون)
(البقرة:73)
سابعا. ومن الأدلة التي ساقها القرآن الكريم على البعث أيضا - أنه لفت نظر الناس إلى ذلك حين ضرب المثل بإحياء الأرض بما ينبته فيها من النبات بعد نزول الماء، فكذلك تعاد الحياة إلى الجثث الهامدة والعظام البالية:
·قال سبحانه وتعالى:
(فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير)
(الروم:50).
·وقال:
(والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور)
(فاطر:9).
·وقال:
(ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير)
(فصلت:39)
·وقال:
(والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون)
(الزخرف:11)
والمعنى المراد من هذا كله هو: الاستبصار والاستدلال؛ أي: استدلوا بذلك على أن من قدر عليه قادر من باب أولى على إحياء الموتى، وهذا من قبيل الاستدلال بالشاهد على الغائب[11].
ثامنا. ومن أهم الأدلة الناصعة التي ذكرها القرآن على البعث أنه بين الحكمة منه:
إن الحكمة والعدل يقتضيان بعث العباد يوم القيامة للجزاء والحساب؛ إذ إن الخلق يصبح عبثا وباطلا إذا لم يكن هناك يوم آخر يبعث فيه الناس، ويحاسبون على أعمالهم التي عملوها في الحياة الدنيا؛ أي أن الحياة تصبح عبثا، وخلق السماوات والأرض يصبح باطلا لو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف،
قال سبحانه وتعالى:
(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)
(المؤمنون:115) [12].
وقال أيضا:
(إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)
(يونس:4)
فحكمة الله وعدله يقتضيان أن يبعث عباده ليجزيهم بما قدموا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فالله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الطريق الذي يعبدونه به، فمن العباد من استقام على طاعته وبذل نفسه وماله في سبيل ذلك، ومنهم من رفض الاستقامة على طاعة الله وطغى وبغى، أفيليق بعد ذلك أن يموت الصالح والطالح ولا يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟!
(أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38)
(القلم)[13].
فنحن نشاهد في حياتنا الدنيا ظالمين ظلوا على ظلمهم حتى لحظة الموت، ومظلومين ظلوا مظلومين إلى آخر حياتهم، أفيكون هذا عدلا وحكمة إن كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف؟! وأين هو العدل والظالم لم يقتص منه والمظلوم لم يقتص له؟! وأين هي الحكمة في خلق حياة تجري أحداثها على غير مقتضى العدل، ثم تنتهي على هذه الصورة؟!
أيكون من الحق أن الذين أجابوا داعي الله فآمنوا به واستقاموا على طريقه، يعيشون ويموتون في الهوان والذل كأنهم هم المغضوب عليهم، وأن الذين لم يستجيبوا لله ولم يؤمنوا به يعيشون ويموتون هانئين منعمين كأنهم هم الذين نالوا رضوان الله؟!
كلا بغير شك.
ولا يجوز ذلك في حق الله.
لا يجوز في حق عدالته وحكمته - سبحانه وتعالى - أن تكون الأمور على هذه الصورة، وإلا تكون الحياة عبثا لا معنى لها ولا حكمة فيها...
لذلك جاء هذا السؤال الإنكاري: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) (القلم:35).
حاشا لله أن يكون ذلك:
إنما ذلك ظن الذين كفروا، فهم الذين يظنون أن الأمر سواء، وأنه لا حساب ولا عقاب، فكأنهم يقولون إن الله خلق السماوات والأرض باطلا:
(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28)
(ص).
فقد نزلت هذه الآية في كفار قريش الذين كانوا ينكرون البعث، ولكن العجيب أن الجاهلية المعاصرة تنتج نماذج تنطبق عليها الآية الكريمة تماما، ومن هؤلاء: سارتر الوجودي[14] الملحد، الذي يقول: إن الوجود كله عبث وكله باطل، وإن حياة الإنسان لا معنى لها ولا حكمة فيها:
(ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار)
(ص:27)[15].
تاسعا. ومن الأدلة على البعث ما ذكره القرآن من اتفاق جميع الأنبياء على الإخبار بالمعاد: فالإيمان بالقيامة والجنة والنار من أصول الإيمان التي يشترك الأنبياء جميعا وأتباعهم الصادقون في معرفتها والإيمان بها:
فقد أخبر القرآن عن هؤلاء الأشقياء أهل النار الذين يقرون بأن رسلهم أنذرتهم باليوم الآخر،
قال تعالى:
(تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10)
(الملك)
وقال تعالى أيضا:
(فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين)
(الزمر:71)
فالكفار جميعا عندما يسألون عند ورودهم النار يقرون بأن رسلهم خوفتهم لقاء ذلك اليوم، ولكنهم كفروا وكذبوا.
وهذا الذي قررته الآيات السابقة بينه الله - عز وجل - في غير موضع من كتابه، فقد أخبر الحق - سبحانه وتعالى - أن مقتضى عدله وحكمته ألا يعذب أحدا لم تبلغه الرسالة ولم تقم عليه الحجة،
قال تعالى:
(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)
(الإسراء:15)
وقال أيضا:
(رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما)
(النساء:169)
من أجل ذلك عمت الرسالة كل البشر،
قال تعالى:
(إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)
(فاطر:24)
كما ذكر القرآن الكريم أنه ما من نبي من الأنبياء إلا أنذر قومه يوم القيامة وأخبرهم بالبعث والنشور من أجل الجزاء والحساب، وذلك حين قص قصص الأنبياء في القرآن الكريم[16].
عاشرا. يؤكد القرآن الكريم في أكثر من موضع أن المنكرين للبعث والمعاد لا يستندون إلى دليل ولا يقيمون على دعواهم تلك أي برهان:
فما عندهم من علم بالبعث والمعاد إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون،
قال سبحانه وتعالى:
(وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)
(الجاثية:24)
وقال سبحانه وتعالى:
(وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين)
(الجاثية:32)
وقال سبحانه وتعالى:
(بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون)
(النمل:66)
ويؤكد القرآن أيضا في أكثر من موضع أن هؤلاء المستبعدين المعاد والقيامة والبعث يعيشون في الوهم والضلال البعيد،
وقال سبحانه وتعالى:
(أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد)
(سبأ:8)
وقال أيضا:
(ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد)
(الشورى:18)
فهم في جهل وضلال بين؛ لأن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى.
الخلاصة:
·الموجد للشيء بعد العدم قادر على إعادة بعثه بعد فنائه؛ فالقادر على الخلق من عدم قادر على إعادة الخلق بعد إفنائه.
·المنكر للبعث والمعاد وإحياء الخلق يوم القيامة يعيش في الوهم والضلال، فالأمثلة على ذلك متعددة، والأدلة كثيرة، ومن ذلك إحياء الله - عز وجل - للأرض بعد موتها ببعض الأمطار يسقطها عليها.
·هناك بون كبير بين حقيقة البعث والمعاد وبين الأسطورة والسحر، ولقد شاهد بعض البشر - في فترات مختلفة من التاريخ - عودة الحياة إلى الجثث الهامدة، وجاء القرآن الكريم بقصص من ذلك، كقتيل بني إسرائيل، وكالذي مر على قرية، ومن ذلك أيضا قصة إبراهيم - عليه السلام - والأربعة من الطير، وإحياء عيسى - عليه السلام - للموتى بإذن الله عز وجل.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد