محتوي المقال

ثالثا. القاديانية: نشأتها ومعتقداتها: 


القاديانية فرقة مارقة، يحدثنا عنها الأستاذ محمد فريد وجدي فيقول: "القاديانية من النحل الهندية، تقول بنبوة رجل من مدينة "قاديان" اسمه غلام أحمد، ادعى أن الله يوحي إليه بكل الطرق التي كان يوحي بها إلى أنبيائه، وأنه مسيح الأمة الإسلامية، كما كان عيسى مسيح الأمة الموسوية، وأن رسالته عامة للناس كافة. 


ولد غلام أحمد سنة 1252هـ فتعلم العربية، وتلقى النحو والمنطق والفلسفة، وقرأ القرآن، واطلع على العلوم الدينية. ثم تقلد وظيفة في إدارة نائب الملك في بلاده مدة أربع سنين، ثم استقال.. وفي سنة 1876م زعم غلام أحمد أنه ينزل عليه الوحي، فأنكر عليه علماء بلده هذه الدعوة، وشددوا عليه النكير، فرحل إلى لودهيانة وأذاع بيانا ادعى فيه أنه المسيح المنتظر، فأثار سخط العلماء، وأخذوا يتعقبون مزاعمه بالرد، ثم رحل إلى لاهور ودهلي ناشرا مذهبه. ولما عاد إلى بلدته بني بها مسجدا خاصا بشيعته، ومدرسة لتعليم أبنائهم، ومدرسة أخرى لتخريج الدعاة إلى مذهبه، وأسس جريدة سماها "الأديان" لنشر دعوته، كان يكتب بعض فصولها بقلمه، ولما كان بلاهور في سنة 1326هـ أدركته الوفاة بها، فانتخب أتباعه لخلافته "حكيم نور الدين" ولما توفي سنة 1914م، اختير للرئاسة "بشير الدين محمود" ابن غلام أحمد نفسه. 


وقد تبين لبعض رجالهم أن القاديانية ما دامت تصر على القول بنبوة غلام أحمد فلا تجد لها مساغا إلى عقول الناس، وينتهي أمرها بالتلاشي لا محالة، فرأوا أن يحذفوا من تعاليمهم، أمر هذه النبوة، وأن يقتصروا على القول بأن غلام أحمد كان مصلحا لا نبيا. فانقسمت القاديانية إلى طائفتين: 
•     فطائفة (قاديانية) بقوا على ما كانوا عليه من إثبات النبوة لغلام أحمد. 
•  وطائفة (لاهور) رفضوا التسليم بهذه النبوة، فكان عملهم هذا دليلا محسوسا على فساد مذهبهم؛ فإن القاديانية إذا رفع منها القول بنبوة غلام أحمد، لم يبق هناك معنى؛ لأن ينتسب إليها منتسب، وهو يرفض القول بالأصل الأول فيها. ففي ذلك تكذيب ضمني لمؤسسها، فإنه دعا إلى الإيمان برسالته في كل كتاب نشره، وماذا يكون جواب المدافع عن هذه الطائفة إذا قال لهم قائل: أي ضرب من المؤمنين أنتم؟! يقول صاحبكم إنه نبي ورسالته عامة، فتقولون أنتم: لا إنه كان مصلحا فحسب ولم يك نبيا؟


وإذا كانت هذه الطائفة تتظاهر بالقول بأن زعيمها كان مصلحا فحسب هربا من مصادمة العقول، وإعوازا من الدليل المقنع، وكانت مع هذا تبطن العقيدة بنبوته، فلا شك أن ذلك يعتبر من أقوى الأدلة على وهن أساسها، وهو اعتراف ضمني بأن القاديانية على ما دعا إليه مؤسسها، لا تصلح أن يصارح بها الناس، إلا بعد هدم أساسها، وإيتائهم بها في صورة غير صورتها"  [7].


وحول مجمل معتقدات القاديانية يحدثنا د. صابر طعيمة قائلا: "من الخطأ البين أن تعتبر الحركة القاديانية واحدة من الفرق الإسلامية التي تأولت فأخطأت أو ضلت، ولكن القاديانية على ضوء النشأة والمعتقد، حركة ردة أعد لها وخطط لأطوارها الاستعمار الإنجليزي الذي استغل حالة اليأس التي كانت قد اجتاحت العالم الإسلامي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وخلاصة معتقدات القاديانية يمكن عرضها في إيجاز علي الوجه التالي: 
•  الزعم أن عيسى - عليه السلام - هاجر بعد موته الظاهري إلى كشمير في الهند، لينشر تعاليم الإنجيل في البلاد، وأنه توفي بعد أن بلغ من العمر 120 عاما، وأن قبره لم يزل موجودا هناك. 
•  ادعاء الغلام بأنه المهدي الذي حل فيه عيسى - عليه السلام - ومحمد - صلى الله عليه وسلم - على السواء، ومن ثم اعتقد القاديانيون بأن الغلام هو المهدي والنبي معا. وقد جاء في كتاب (حقيقة النبوة) الذي ألفه الميرزا بشير أحمد، الخليفة الثاني: أن غلام أحمد أفضل من بعض أولى العزم من الرسل، وجاء أيضا في صحيفة (الفضل) القاديانية أن الغلام هو محمد صلى الله عليه وسلم "برأه الله وطهره مما يقولون". 


هذا ومن جملة معتقدات القاديانية هذه المزاعم الآتية: 
1.  اعتقاد أن الجهاد ليس هو اللجوء إلى القوة، واستعمال أدوات الحرب ضد غير المؤمنين، وإنما هو وسيلة سلمية للإقناع. 


2.  اعتقاد عدم جواز الصلاة على المسلم الميت، ما لم يكن قاديانيا، ومن ثم يحرمون دفن المسلمين في مقابر القاديانيين. 


3.  لا يجيزون نكاح المسلم من القاديانية، بدعوى أن غير القادياني كافر؛ لأنه فيما زعموا، لم يؤمن بالغلام أحمد، وقد جاء في كتاب (بركات الخلافة) لمحمود أحمد القادياني أنه لا يجوز لأي قادياني أن ينكح ابنته من غير القادياني؛ لأن هذا أمر مؤكد، وجاء فيه أيضا أن من ينكح ابنته من غير القادياني، فهو خارج من جماعتنا، وقد جاء في هذا الكتاب (بركات الخلافة) أنه يجوز أخذ بنات المسلمين والهندوس، والسيخ للقاديانيين، ولا يجوز إعطاؤهم، ومن أعطى من القاديانيين ابنته لواحد من المسلمين يطرد من الجماعة ويكفر. 


4.  لا تصح الصلاة عند القاديانيين خلف غير القادياني، بل لا يجوزون الصلاة في غير مساجد القاديانيين، وإذا وقعت صلاة خلف غير قادياني، أو في غير مساجد القاديانيين وجبت إعادتها، وفي هذا يروى ابن الغلام محمود أحمد واقعة حدثت له في رحلة للحج عام 1912، فيقول: أدركتنا الصلاة، أنا وجدي لأمي، فسدت الطريق من الازدحام، وبدأت الصلاة، فأمرني جدي بأن ندخل الصلاة، فدخلنا وصلينا، وحينما رجعنا إلى البيت، قال جدي: هيا نصلي الصلاة لله التي لا تصلي خلف غير القادياني. 


ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن القاديانيين على تفاهة وخرافة ما هم عليه من معتقدات يحرصون عليها غاية الحرص؛ فهم لا يشاركون المسلمين في حفلات الزواج، أو تقديم العزاء في الموت، وقد بلغ من تشددهم في ممارسة معتقداتهم أنه عندما مات القائد محمد على جناح وحان ميعاد الصلاة عليه، رفض ظفر الله خان - الذي كان وزيرا للخارجية الباكستانية آنذاك - أن يصلى عليه، والسبب أن ظفر الله خان كان قاديانيا. 


والقاديانيون من الناحية الحركية عندهم جانب تنظيمي لا بأس به، فهم يستطيعون دفع عناصر قيادية إلى قمة المراكز والمواقع المهمة، وذلك بفعل وتأثير المساندة القاديانية للقاديانيين، وهم بحكم ارتباطهم بالاستعمار الإنجليزي وحلفائه، يتاح لهم إمكان الاتصال والنفاذ إلى مستويات عليا في مختلف أوجه النشاط البشري. 
وهذا هو السر وراء التركيز الإعلامي حول بعض الشخصيات العلمية، أو الأدبية التي تكون قاديانية أو لها علاقة بالقاديانيين [8]. 


هذه إذن مسيرة هذه العقيدة الفاسدة وطبيعتها، التي زعمها القاديانيون دينا، أوجبوا على المسلمين الاعتراف به، ومن ثم نقض عقيدة ختم النبوة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالاعتراف بنبوة القادياني بعده رسولا للناس كافة، موحى إليه من السماء!


نزاع القاديانية في ختم النبوة: 


في زعمه النبوة والوحي اصطدم "غلام أحمد" بالنصوص القرآنية والأحاديث الصريحة الدالة على كون محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء، فأولها في هذا تأويلات فاسدة، وأورد مماحكات فجة [9] يرويها محمد فريد وجدي بقوله: "لقد تجشم [10] غلام أحمد جهدا جهيدا لكي يثبت أنه نبي، فاصطدم بالنص القرآني الدال على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، وأتى في هذا الباب بما لا يعقل من ضروب التحريف والتأويل. فزعم أن ما جاء في القرآن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه خاتم المرسلين ليس معناه أنه آخرهم، ولكن معناه أنه حليتهم، فعنده أن كلمة "خاتم" ليست واردة في القرآن بمعنى آخر القوم، ولكن بمعنى حلية الإصبع المعروفة. 


فيكون في الكلام مجاز، يقول هذا ويغفل عن أن هذا التعبير ساقط يتنزه القرآن عن مثله، ولو قال قائل لأحد الناس يمدحه: أنت خاتم قومك، مكان أنت حليتهم، لعد كلامه ساقطا، بل غير مفهوم على الإطلاق، والكلام الإلهي يتنزه عن مثل هذا السقط. 


إن غلام أحمد حصر كل جهوده في إثبات رسالته وإحاطة نفسه بالنعوت [11] والألقاب الفخمة، معتقدا أن هذا كاف لإدراكه الغرض الذي رمي إليه في بيئة كبيئته، فإن الجاذب الوحيد للدهماء [12] التي تسارع إلى قبول أية دعوة هي هذه الألقاب الفخمة والنعوت المبالغ فيها التي ينتحلها [13] الداعي لنفسه. فكلما دخل في روع الأتباع أن صاحبهم متناه في السمو، وأنه مكين [14] في الملأ الأعلى، بالغ أتباعه في التحمس له، وزادوه سموا، ومكانة حتى يبلغوا به درجة الألوهية، غير فاحصين عما جاء به: أهو غث أم ثمين. 
هذا شأن الدهماء قديما وحديثا، وأمامنا فرق ومذاهب لا تعد ولا تحصى، لو نقدتها لوجدت أكثرها يعتزي [15] إلى أصل غير أصيل، أو قائما على أوهام اكتسبت بطول الزمن سلطانا على الجماهير، فالقاديانية تبقي ما بقيت عقلية الآخذين بها في الحد الذي هي فيه، فإن تجاوزته إلى الاهتداء بالمنطق، تركت هذا المذهب وراءها كحلم من أحلام طفولتها، وألقت به إلى عالم الأساطير"  [16].


الخلاصة: 


•   ختم الأنبياء بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والشرائع بالإسلام، عقيدة ثابتة راسخة عند المسلمين لا مماراة [17] فيها، وقد قامت عليها الأدلة والبراهين من القرآن والسنة، وأجمعت عليها الأمة عبر تاريخها. وكل مدع للنبوة بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - سرعان ما ينفضح أمره ويزول أثره وينهدم زعمه. 
•   إن ثمة حكما جليلة تقف وراء ختم النبوة؛ وذلك أن كل نبي كان يبعث لقومه خاصة، يعالج شأنا معينا من شئون مجتمعهم، مؤيدا في ذلك بمعجزات حسية تخص من شاهدها وعاينها. أما رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فعالمية عامة، لم تغفل شأنا من الشئون، وقد أيده الله بالإضافة للمعجزات الحسية، بالمعجزة الخالدة التي تعم، ولا تخص زمنا بعينه ولا مكانا بذاته ولا فئة دون غيرها، وهو القرآن الكريم. 
•   القاديانية عقيدة فاسدة باطلة، نشأت في ظل المستعمر الإنجليزي في شبه القارة الهندية، واستغلها هو في ضرب عقيدة المسلمين، والتشويش عليها، وقد نازعت في عقيدة ختم النبوة، وأولت الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الشأن تأويلا فاسدا لا يثبت لنقل أو عقل. 

المراجع

  1.  [7]. من معالم الإسلام، د. محمد فريد وجدي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1414هـ/ 1994م، ص329، 330. 
  2.  [8]. العقائد الباطنية وحكم الإسلام فيها، د. صابر طعيمة، المكتبة الثقافية، بيروت، ط2، 1991م، ص394: 396. 
  3.  [9]. المماحكات الفجة: المنازعات القبيحة. 
  4.  [10]. تجشم الأمر: تكلفه على مشقة. 
  5.  [11]. النعوت: الصفات.
  6.  [12]. الدهماء: عامة الناس وجماعتهم.
  7.  [13]. ينتحل الشيء: يدعيه لنفسه وهو لغيره. 
  8.  [14]. المكين: المستقر في المكانة العظيمة. 
  9.  [15]. يعتزي: ينتسب إلى شيء صدقا أو كذبا. 
  10.  [16]. من معالم الإسلام، د. محمد فريد وجدي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1414هـ/ 1994م، ص332، 333. 
  11.  [17]. المماراة: المجادلة.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية