محتوي المقال
ثالثا. البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم:
البشارة بمجيئه - صلى الله عليه وسلم - ووجوب اتباعه - لا تبعيته هو وأمته لغيره كما يزعمون - أمر ثابت ووارد عن إخوانه من أنبياء الله السابقين في كتبهم مصداقا
لقوله سبحانه وتعالى:
(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل)
(الأعراف: 157).
في شأن هذه البشارة يقول سليمان مفسر: "يحتوي الكتاب المقدس على نبوءة قوية بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، وهي نبوءة محددة وجلية [21]، حتى إن كثيرا من الخلص من اليهود والنصارى آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حين بعث، ولكن عبر قرون من الجدل اللاهوتي الذي سبق وواكب طبع وإعادة تدوين أجزاء من الكتاب المقدس، وتحويل الآراء بها إلى عقائد، عبر تلك القرون طمس وصف محمد صلى الله عليه وسلم، وحين يرفع ركام [22] عمره قرون من العقائد والتأويلات المتعصبة، سيجد الدارس الجاد معالم تتمثل في كثير من النصوص المشهورة التي لم تنل نصيبا من الفهم السليم" [23].
ويقول أيضا: "والواقع أنه لم يكن هناك سوى رجل واحد، رجل بعينه هو الذي اجتمعت فيه كل هذه الصفات، وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والتبشير به في التوراة والإنجيل واضح ولا يمكن إنكاره بالرغم من الأخطاء والمعتقدات الباطلة التي أدخلها طغمة [24] من الكتبة في النصوص المقدسة" [25].
رابعا. الحاجة الماسة إلى الرسالة الخاتمة:
مما سبق عرضه يبدو للعاقل أن الحاجة كانت ملحة - بعد ما أصاب الأديان السابقة من تحريف - لمجئ الرسالة الخاتمة (الإسلام)، وليس لاتباع المسلمين أو غيرهم لهذه الأديان السابقة كما يزعم الزاعمون.
حول هذه الضرورة الملحة لمجيء النبي الخاتم برسالته الجامعة يقول محمد فريد وجدي: "ما هو الدين الذي اتحد جميع الرسل على نشره، وتخليصه من شوائب ما وضعه الواضعون فيه وما شرحه الشارحون له، عند كل الأمم وفي جميع الأجيال؟ هو الإسلام.
هنا يجمل بنا أن نأتي على ترجمة ما كتبناه باللغة الفرنسية لمؤتمر الأديان الذي قيل إنه انعقد فيها سنة 1906م، في موضوع الإسلام، فإنه أبين لما نقصده من الكلام على الإسلام من كل ما كتبناه عنه، وإليك تلك المقالة:
لم أجعل غرضي من مقالي هذا إلا أمرا واحدا، إذا فهم حق الفهم كان أشد في جذب الناس إلى هذا الدين من كل البراهين المفحمة، والحجج الملزمة، ذلك الأمر هو أن الإسلام ليس بدين جديد لأمة معينة، وإنما هو الدين الذي أوحاه الله إلى جميع رسله، فحرفه أتباعهم، ثم أنزل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - أخيرا لإحداث إصلاح ديني عام لسائر الملل شرقيها وغربيها، بعث الله به رسوله حين تعارف الأمم واتصالها ليكون دينها العام الذي عليه يتم اتحادها، ويصفو لديه تعارفها، ولذلك جعل قاعدته الإيمان بسائر رسل الله، من نعرف أسماءهم ومن لا نعرف أسماءهم، وبجميع كتب الله بأي لغة كانت، فهم هذا الأمر الخطير يفيد المسلم وغير المسلم، فيفيد المسلم؛ لأنه يريه أنه تابع لا لدين من ضمن الأديان المتحاقدة المتعادية، ولكن للدين الأصلي الجامع لسائر الأديان، فهو بهذا الاعتبار يجد في نفسه قيمة لم يحس بها من قبل؛ لأنه يرى نفسه رجلا عاما لا خاصا، متبعا دينا هو في نفسه دين الكل، وجامع أرواح الكل في أكمل شكل وأجمل حال.
فمن كان كذلك فلا يتحامل على الأديان؛ لأنه أمر بأن يؤمن بها كلها، وأن يكون منها بالمركز الوسط، وشعر أنه في مجتمع ميول الأمم وفي نقطة تلاقي مراميها، واتحاد أفئدتها في يوم من الأيام، فلا يهون على نفسه أن يميل عنه إلى نقطة متطرفة ولو سيق إليها بقوة قاهرة.
أما فائدة غير المسلم من هذا الأمر الجلل [26]، فهو لأنه يسهل عليه المخرج من ورطته والخلاص من شكوكه وشبهه، فإنه ما من عاقل من عقلاء الملل الأخرى، إلا وشعر بأن أيدي الخرافات قد امتدت إلى أصول عقائده، فيجد نفسه مضطرا للتأفف [27] منها، راجيا إصلاحها على أي حال كان، فلو علم أن الإسلام إنما جاء بالإصلاح العام لسائر الأديان البشرية؛ لأنه ليس دينا منفرا مثل سائرها، لكان التفاته إليه يشبه الأمر الاضطراري؛ لأنه كلما آلمه أمر مما يكرهه في دينه وظنه محرفا عن أصله، نزع إلى ذلك الدين الإصلاحي مضطرا لا مختارا، ولا يزال يدفع ويندفع حتى يقع في دائرته. لهذا جعلنا غرضنا من هذه الرسالة هذا الأمر الخطير في أظهر أشكاله، تاركين الدلالة على فضائل الإسلام لغيرنا خوفا من ألا يلتفت لهذه النقطة أحد منهم.
هذه النقطة التي حاولت تجليتها في هذه الرسالة، هي أظهر ما في القرآن من خصائص الإسلام، وهي السبب الأكبر في تهالك الأمم على هذا الدين في كل جيل؛ لأن الأمم وإن لم تدرك هذا السر علميا، إلا أنها تحس به وتلمسه في الإسلام، فترى فيه صورة عقائدها الصحيحة منقحة خالصة، مما يثير الشكوك والشبه فتميل إليها بأرواحها، وتنقلب أشد تعصبا لها من أهلها، ولا توجد هذه الخصيصة في أية ديانة من الديانات؛ لأن هذا المركز الوسط ليس لواحد منها، ولم يشرع واحد منها لأن يكون دينا عاما أصلا، فتراها كلها بما طرأ عليها من التحريف على أطراف متناقضة، لا محل للتوفيق بينها بوجه من الوجوه، مثال ذلك البوذي لا يهون عليه أن يكون نصرانيا - ولا حكم للنادر - لأنه لا محل للصلح بين البوذية والنصرانية بوجه ما.
فالنصراني يقول: إن عيسى كلمة الله، وهو الأقنوم الثاني بعد الآب، تجسد وعاش بين الناس وصلب ليفتدي العالم كله من خطيئة ارتكبها آدم في أول الخليقة، ويعتقد البوذي أن الإله فيشنو - وهو أحد أركان التثليث الهندي - قد تجسد مرارا لتخليص العالم من الشرور، وقد تجسد أخيرا في بوذا للمرة التاسعة، فكيف يمكن التوفيق بين صاحبي هاتين العقيدتين، وبأي مرجح يقبل أحدهما عقيدة الآخر، ويترك عقيدته التي جمد عليها طوال عمره؟
ثم لا يمكن أن يكون البوذي يهوديا؛ لأن التوراة موجهة الخطاب إلى بني إسرائيل، ورافعة إياهم على سائر الأمم، وليس في نصوصها ما يسمح بوضع بوذا الذي يجله مئات الملايين من الآسيويين منذ أكثر من ألفي سنة في موضع إجلال واحترام، فيعز على البوذي أن يركب في تسفيه رأي أسلافه كلهم هذا المركب، ثم لا يستطيع النصراني أن يكون بوذيا ولا يهوديا، لعدم وجود محل للصلح في واحد من هذين الدينين بالنسبة له.
ولكن جميعهم يستطيعون أن يسلموا بلا حرج؛ لأن قاعدة دين الإسلام هي الإيمان بسائر الأنبياء ومؤسس الأديان ممن نعلمهم وممن لا نعلمهم،
قال تعالى عن الأنبياء:
(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24))
(فاطر)،
وقال سبحانه وتعالى:
(ومنهم من لم نقصص عليك)
(غافر: 78)،
فيرى البوذي أن الإسلام لا ينكر عليه فضل بوذا باعتباره مؤسس ديانة كبيرة. وفي نصوصه ما يسمح بحسبانه من الرسل العظام، ويرى النصراني أن الإسلام يذكر عيسى - عليه السلام - بالتبجيل والاحترام، ويضعه في مصاف الرسل الكرام، وكذلك يرى اليهود فيما يختص بموسى - عليه السلام - فيسهل على الجميع الاجتماع حول هذا الدين بلا كبير حرج، لا سيما إن أدركوا أنه جمع العقائد كلها بعد تنقيحها. وجعلها كلها دينا واحدا؛ لأنها كذلك كانت في مبدئها:
(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم)
(الشورى: 14).
لهذا السبب تهالكت الأمم على الإسلام لرؤيتها فيه صورة عقائدها منقحة مصححة، من هنا رأينا أن تجليتنا هذه النقطة الخطيرة علميا، ونظريا يفيد المسلمين والباحثين في الإسلام أكثر مما لو كتبنا في فضائله سفرا كبيرا.. إن هناك أمرا خطيرا يضع الدين الإسلامي في مستوى يعلو به عن سائر الأديان، ويلفت إليه النظر لفتا خاصا، ويجعله دينا عاما، تميل إليه النفوس لا بقوة البرهان، ومضاء الحجة، وسلامة أصوله من الخلل فقط، ولكن بقوة النواميس الاجتماعية القائدة للإنسانية إلى كمالها، وبتأثير الحركة الفكرية العامة التي تسوقها إلى باحات النور والمدنية.
هذا الأمر الخطير الذي يلفت الأنظار، وينبه الغافلين إلى هذا الدين، هو أن الإسلام كما نص عليه القرآن، ليس بدين جديد، ولكنه الدين الأول الذي أوحاه الله إلى المرسلين الأولين رحمة للعالمين،
قال سبحانه وتعالى:
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15))
(الشورى).
بناء على ما تقدم، فقاعدة الديانة الإسلامية هي
قوله سبحانه وتعالى:
(وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (139))
(البقرة).
هذه هي القاعدة التي بني عليها دين الإسلام، وهي أن الإسلام ليس بدين جديد، ولكنه الدين الذي أرسل الله به كل رسول، ثم حرفه المحرفون من بعدهم، وأن الديانة الحقة هي أن يؤمن الإنسان بجميع رسل الله من أولهم إلى آخرهم، لا فرق بين من أرسل لأمته ومن أرسل لغيرها، وأن يؤمن بسائر كتب الله إجمالا، مما أوحاه الله إلى رسله بأي لغة كانت، وفي أي زمان أوحيت.
هذه الديانة العامة فضلا عن أنها لا تثير في أية أمة من الأمم حب الذات ولا الحقد، ستكون في يوم من الأيام الديانة العامة اضطرارا لا اختيارا؛ لأنه لماذا يكون الإنسان يهوديا، ولا يكون بوذيا؟ أو لماذا يكون مسيحيا ولا يكون برهميا؟ وبأي مرجح يعتقد الإنسان أن موسى كان رسولا من الله إلى بني إسرائيل، وقد جاء بكتاب مبين ونور عميم [28] إلى أمته، ولا يعتقد مثل هذه العقيدة في بوذا وزرادشت وبراهما ومحمد، وكل المرسلين الذين تقدموا هؤلاء، وجاءوا إلى أممهم، بكتب هادية إلى الخيرات. ونهجوا لهم سبلا موصولة إلى الكمالات؟
هل يعقل أن الله يرسل موسى إماما ورحمة إلى بضعة آلاف نفس من بني إسرائيل. ويترك مئات الملايين من الصينيين واليابانيين وسائر الآسيويين والإفريقيين والأستراليين وغيرهم بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ يهيمون في الظلمات ويعمهون في الضلالات بلا مرشد ولا رسول كريم؟ هل يتصور أن الله وهو الخالق العادل المنزه عن المحاباة والمصانعة يوحي حقائق الدين إلى بضعة آلاف من الناس، ويترك ملايين الملايين في الظلام البهيم [29] والفساد العميم؟ لا،
بل قال سبحانه وتعالى:
(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24))
(فاطر)،
وقال سبحانه وتعالى:
(منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)
(غافر: 78).
من هنا يتضح أن الله أرسل لكل أمة رسولا وكتابا، وجمعهم على دينه قرونا وأحقابا. وها نحن في زمان أخذت فيه الأمم تتعارف لتتبادل الأفكار والعلوم والمرافق الحيوية، وأخذت نواميس الحياة تسوقها سوقا إلى وحدة العقائد، كما وحدتها في المدركات العلمية والعملية، وهنا شعور عام بضرورة وجود دين عام، وكيف يمكن للإنسانية دين عام.
وجميع الأديان التي أمامنا تكلف تلك الأمم بالانخلاع من شخصيتها التي اكتسبتها في عشرات القرون، والتقمص [30] بشخصية جديدة تكفر بسائر أنبيائها وتعدهم كذابين مزورين، وتحتقر جميع مقدسيها وأقدميها، لا جرم أن أمثال هذه الأديان المحرفة لا يستطيع أحدها أن يكون دينا عاما مطلقا، ما دام لم ينظر لمجموع الإنسانية كلها بنظر أحوالها المراعي الحكمة في تكليفها.
على أن في محاولة هذه الأديان خلع من يتمسك بها من كل ما كان يعتقده قليلا، ودفعه للكفر بجميع ما كان فيه يعد جورا وميلا عن الحق الظاهر؛ لأنه ما الذي يرجح للإنسان أن يعتقد بعيسى ويكفر ببوذا مع العلم بأن الاثنين أسسا دينا وجاءا بإصلاح كبير، واتبعهما خلق كثير، وكانا سواء في الصلاح والتقوى، وحب الإنسانية؟ وما الذي يرجح له أن يحترم الأناجيل والقديسين والنصارى، ويحتقر كل ما له علاقة بديانة بوذا مثلا؟
فالعدل كل العدل أن يعتقد الإنسان بكل رسول أرسله الله للأمم، مستدلا على رسالته بآثاره وأعماله وتاريخ حياته، فيؤمن بجميع رسل الله إجمالا، وبجميع كتبه جملة، تاركا التعصب الذميم والانتصار لأحد المرسلين دون الآخرين، جاعلا دينه
قوله سبحانه وتعالى:
(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136))
(البقرة).
هذا هو الدين الحق العادل العام الصالح لأن يجمع الشعوب والأمم كافة، ويؤاخي بينهم ويرضيهم جميعا، وينزع من قلوبهم العداوة والبغضاء، والسخائم [31] القديمة الموروثة بسبب كفر بعضهم بأنبياء بعض، واحتقار بعضهم لكتب بعض.
هنا تنجم مشكلة تعوز حلا مقبولا، وهي أن جميع الكتب الدينية التي بأيدي الأمم محرفة مبدلة. وقد تولاها رجال بالشروح، والتأويلات حتى خرجت به الأديان عن أصولها، وصارت كلها متناقضة تسمح للملحد بأن يقول: إذا كانت الأديان - كما تزعمون - وحيا من الله، فلماذا تجدها متناقضة متعاكسة، فإما أنكم حرفتموها عن أصولها، وإما أنكم كذبتم على الله بنسبتها إليه؛ لأنه لا يقال إن الله ينزل على قوم دينا يعلمهم فيه أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، منزه عن الجسم والجسمانيات، لا تحيط به الأفكار ولا الظنون، ثم يوحي إلى آخرين دينا يقرر لهم فيه أن له ثلاثة أقانيم، وأنه أرسل ولده ليفتدي العالم، ثم يوحي إلى أمة أخرى بأنه تجسد في جسد فلان وحل في جسم فلان... إلخ، مما لا يمكن التوفيق بينه بأي وجه من الوجوه.
هذه معضلة لا يحلها إلا أحد أمرين: إما الاعتقاد بأن هذه الأديان محرفة، أو بأنها ليست وحيا من الله، ولكنها من أفكار من وضعها من الأقدمين. أما القول بأنها من موضوعات الأقدمين فلا ينهض به دليل؛ لأن الرجال الفضلاء الكاملين الذين دلت حياتهم على فضل وتقوى وزهد وعبادة، الذين قالوا: نحن رسل الله جئنا بدين الله، يبعد أن يكونوا من الكاذبين؛ لأن التزوير لا يولد فضيلة، ولا ينتج كمالا ولا تقوى.. إذن لم يبق أمامنا إلا الغرض الثاني، وهو أن هذه الأديان حرفت عن أصولها وأن أصلها كلها واحد.
• إن وصلنا إلى هذا الحد قلنا: ها هو رسول كريم، أرسله الله رحمة للعالمين، دلنا بتاريخ حياته من أولها إلى آخرها في زهده وعبادته وتواضعه، وبعده عن زخارف الدنيا على أنه واحد من أولئك المرسلين،
جاءنا يقول عن الله سبحانه وتعالى:
(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175))
(النساء).
• جاء هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم -
يقول عن ربه سبحانه وتعالى:
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15))
(الشورى).
هذا الرسول الكريم أمرنا بالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وبكتب الله أجمعين، وجعل ذلك قاعدة ديننا وعمدة إيماننا، ثم أمرنا بالخير كله، ونهانا عن الشر كله، وعرفنا سبل الكمال، وأمات فينا نزعة الحقد والتعصب الممقوت [32]، وشرع لنا ناموس الأخلاق، ونهج لنا طريق الكمالات فأي ديانة غير هذه الديانة يمكن اتباعها والعمل بها في هذا العصر، الذي كثرت فيه الشكوك على الأديان، وأصبح فيه علم اللاهوت عدوا لتلك المقالات التي يوردها أصحاب الملل في الله، جهلا وتقليدا لأفكار السابقين" [33].
لا شك أنه الإسلام لا غيره - حقا لا تعصبا - هو الأولى والأجدر، والأحق بالاتباع من تلك الديانات السماوية المحرفة أو الوضعية الناقصة وأولى بالناس - إنصافا لأنفسهم وللحق - أن يتحولوا إليه لا عنه.
الخلاصة:
• طالب الإسلام أتباعه بالاعتراف بالأنبياء السابقين وكتبهم - في أصلها السماوي الصحيح - وأوضح أنه جاء متمما ومجملا لها ومهيمنا عليها، بينما تناكر الآخرون فيما بينهم، فالسابق منهم أنكر اللاحق، وكلهم أنكر رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
• الديانات السابقة أصابتها يد التحريف والتبديل والتضليل، خاصة في مسألة التوحيد التي هي جوهر الأديان السماوية، فكيف يطالب الناس باتباعها، واعتناق تعاليمها المحرفة المضللة، ففي المسيحية مثلا: هل يتبع الناس المسيحية الحقة التي نزلت على عيسى ودعا إليها، وقد اندثرت معالمها؟ أم يتبعون المسيحية السائدة الآن وهي التي أسسها بولس منحرفا بها عن الأصول الصحيحة؟!!
• بشرت الكتب السماوية السابقة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل تحريفها، وأوجبت اتباعه وتصديقه، والتحول إلى ديانته، والاعتقاد بعقيدته، لا البقاء على دياناتهم السابقة كما يزعم الزاعمون.
• كانت الحاجة لرسالة الإسلام العالمية الخاتمة ضرورية وماسة؛ لأجل إصلاح حال البشرية، وهدايتها إلى الطريق السوي بعد التحريف والتضليل، لأنها الديانة التي لم تمسها يد التحريف والتغيير، وهي ديانة الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وهي الوحيدة التي تصلح للبشرية جمعاء؛ لأنها تؤمن بجميع الرسل والرسالات قبلها.
• المفهوم من الآية الكريمة التي احتج بها الزاعمون، أن هذه الجماعات من اليهود والنصارى والصابئة على صواب؛ لأنها آمنت بالله وكتبه ورسله، وأولاهم بالتصديق به هو خاتمهم صاحب الرسالة العامة الخاتمة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن كان منهم على هذه الشاكلة من الإيمان والاعتقاد، فهو على صواب وله الأجر من الله، لا من هم على الإيمان المغلوط الفاسد بالتعاليم المحرفة والعقائد الباطلة.
المراجع
- [21]. الجلية: الواضحة.
- [22]. الركام: ما اجتمع من الأشياء بعضه فوق بعض.
- [23]. عيسى رسول الإسلام، سليمان شاهد مفسر، ترجمة: أبو إسلام أحمد عبد الله، بيت الحكمة، ط1، 1993م، ص24.
- [24]. الطغمة: الحمقى.
- [25]. عيسى رسول الإسلام، سليمان شاهد مفسر، ترجمة: أبو إسلام أحمد عبد الله، بيت الحكمة، ط1، 1993م، ص41.
- [26]. الجلل: العظيم.
- [27]. التأفف: التضجر.
- [28]. العميم: هو كل ما اجتمع وكثر.
- [29]. البهيم: الأسود.
- [30]. التقمص: التقليد والمحاكاة.
- [31]. السخائم: جمع السخيمة، وهي الحقد والضغينة.
- [32]. الممقوت: المكروه.
- [33]. مقدمة المصحف المفسر، د. محمد فريد وجدي، دار الشعب، القاهرة، ص106 وما بعدها.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد