محتوي المقال

ثالثا. بالمقارنة بين النصوص الواردة في القرآن الكريم والكتاب المقدس، نجد صدق القرآن ونزاهته ودقته وإحكامه، وذلك لموافقته للمنطق ومطابقته للواقع: 


إن الأقرب إلى المنطق - وهو الذي يوافق الواقع - ما جاء في القرآن الكريم أن الله - عز وجل - رزق إبراهيم بإسماعيل على الرغم من تقدم سنه من زوجه هاجر، ورزقه من زوجه سارة - على الرغم من تقدمها في السن - بإسحاق، وقد عهدنا مثل هذه الخارقة في زكريا، حيث وهبه الله تعالى يحيى رغم تقدمه في السن وعقم زوجته، وتحققت المعجزة والبشري بواحد، فلم تكن هناك إلى حاجة أكثر من ذلك. 


وما ذكر في التوراة يفسر على أنه خلط من واضعها بين أبناء إبراهيم وأحفاده، فأحفاد الرجل يوصفون بأنهم أبناؤه على اعتبار أنهم ينسبون إليه،

قال سبحانه وتعالى:

(فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71))

(هود)،

على أن يعقوب هو ابن لإسحاق، ومثل هذه الآية

قوله سبحانه وتعالى:

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة)

(الأنبياء: 72). 


يذكر القرآن الكريم أن إبراهيم أودع وأسكن من ذريته عند البيت الحرام، إشارة على إسماعيل - عليه السلام - وهو معنى

قوله سبحانه وتعالى:

(من ذريتي)

فلم يسكن ذريته كلها، ولكن منها:

(عند بيتك المحرم)

إشارة إلى مكة. 


ولكن الإنجيل يتابع التوراة التي يعمد كتابها إلى تجريد العرب وجدهم إسماعيل من كل فضل، ونسبة كل منقبة  [6] إلى بني إسرائيل، كما زعموا أن الذبيح هو إسحاق مناقضين بذلك نصوص التوراة نفسها. 
على أن التوراة تحمل إشارة إلى ذهاب إبراهيم إلى مكة، حيث تذكر أن إبراهيم - عليه السلام - انتقل إلى أرض الجنوب [7]. 


•         أما عن تحديد المدة التي صامها زكريا، فإن القرآن أصدق من غيره في ذلك،

قال الله سبحانه وتعالى:

(قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)

(آل عمران: 41)،

وقال تعالى أيضا:

(قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10))

(مريم)،

ويجمع بين الآيتين أن الله تعالى طلب من زكريا - عليه السلام - في الآية الأولى ألا يكلم الناس ثلاثة أيام بلياليهن، وهي كافية في إقامة الآية على أن زوجه حامل، ولكن إمساكه عن الكلام لمدة تسعة أشهر، وهي فترة الحمل كلها يفوت مقاصد كثيرة، وهو الرسول الذي يقود قومه إلى دين الله، فهو بحاجة إلى مخاطبتهم ومخالطتهم، فإذا كانت المقاصد تتعطل بهذه المدة الطويلة، والمقصود من هذه الآية يتحقق بمدة أقل، فلم يمنعه الله هذه المدة الطويلة؟! إن هذه المقارنة تثبت للعاقل صدق القرآن وكذب الإنجيل. 


رابعا. ما ورد من تشابه في قصص القرآن الكريم والتوراة، يدل على أن مصدرهما واحد، ولا يدل على اقتباس القرآن من التوراة: 


الحق أنه ليس كل ما شابه الشيء مأخوذ منه، والقرآن جاء ليصحح أخطاء الكتب السابقة، ويمحو الخرافات والأساطير. 
 نعم، جاءت الدعوة الإسلامية مصححة لما جاء في الكتب السابقة، من الخرافات والأساطير، والقضاء على الوثنية والشرك، وتصليح مفهوم العبادة لله وحده لا شريك له، فاليهود قالوا:

(عزير ابن الله)

(التوبة: 30)،

والنصارى قالوا:

(المسيح ابن الله)

بل قالوا:

(إن الله هو المسيح ابن مريم)

(المائدة: 17)،

والكفار في مكة كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم من الله زلفى [8]، فجاء القرآن ناسخا تلك العقائد الفاسدة، مثبتا عقيدة واحدة صحيحة، العقيدة التي جاءت بها التوراة التي نزلت على موسى - عليه السلام - عقيدة التوحيد الخالص لله وحده لا شريك له:

(قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4))

(الإخلاص). 


هذه هي العقيدة الصحيحة التي ينبغي أن يؤمن بها اليهود والنصارى والمسلمون، إذ إنه:

(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)

(الأنبياء: 22).

وليس القرآن في حاجة إلى الاقتباس من أساطير وخرافات توراتية، كتبها كاتبو الكتاب المقدس، وما جاء القرآن إلا ليقضي عليها، والتشابه القائم بين بعض القصص في التوراة، وبين ما جاء في القرآن، لا يعني الأخذ من هذه الأساطير السابقة، فالله تعالى هو الذي أخبر بعض رسله السابقين، كموسى - عليه السلام - بما سيأتي في القرآن؛ لأن القرآن كلام الله، وكلام الله قديم. 


إلا أن بعض الأتباع - أتباع التوراة - أدخلوا بمرور الزمن ما شاء لهم أن يدخلوه، وما سولته لهم أنفسهم من الخرافات والأساطير، وجاء القرآن لإزالتها وتصحيحها، ثم إننا نتساءل: هل كان محمد يجيد اللغات الأخرى، لكي يترجم عنها تلك القصص إلى اللغة العربية، وبهذا الأسلوب الذي تحدى به العرب، وهم - العرب - أساس اللغة العربية؟ ولو كان محمد - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ أساطير التوراة وترجمها فكيف يشهد لها العرب أهل البيان واللغة؟


إن دعواكم ليس لها دليل، ولم تقم على برهان، وأولى بكم أن تسلموا القيادة للمسلمين وتتبعوهم، فاتباعهم فيه الرشاد والفلاح، وتركهم فيه الخسران المبين. 
ثم إن مصدر التوراة والقرآن واحد، والغاية منهما واحدة، فتشابه القصص في القرآن والتوراة لأخذ العبرة لا مشاحة فيه. 


فالله هو مصدر القصص التوراتي الصحيح، كما أنه تعالى مصدر القصص القرآني، فالقصص القرآني، والتوراتي من مصدر واحد، وكذلك الغاية الأساسية - وإن تعددت غايات القرآن وكثرت - واحدة. 
فكل القصص قد تجتمع غايتها في العبرة وتثبيت قلوب الأنبياء وأتباعهم، وتثبيت العقائد الصحيحة، ونفى الخرافات التي دخلت على الكتب السماوية - قبل الإسلام - لعدم تدوين تلك الكتب لفترة طويلة بعد الرسل. 


فالقرآن - مثلا - أتى بعد التوراة، وأقر ما فيها من عقائد صحيحة، ونفى كل ما نالها من التحريف والتبديل، وجاء يرسى دعائم الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة والكتب السماوية، والرسل، والقدر خيره وشره، وذلك بذكر أقوال المرسلين، وأفعالهم، ونبل سلوكهم، وسموهم في الخلق.

(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25))

(الأنبياء). 


فهل يكون عيبا إذا تشابه بعض قصص التوراة، لا سيما والمصدر واحد، والغايات متشابهة، والله أرسل الرسل برسالاتهم لهدف واحد.

(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36))

(النحل)،

فما الفرق بين رسالة موسى في غايتها والهدف منها، وبين رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - في النقطة نفسها؟


الخلاصة: 


•   عدم ذكر الكتاب المقدس لقصة تفرد بذكرها القرآن الكريم، لا يعني عدم صدق وقوع هذه القصة، وعدم صحتها، بل إن ذلك يعتبر حجة للقرآن الكريم، وليس حجة عليه، مثل تفصيل قصة قابيل وهابيل التي وردت في القرآن، وتعليم الغراب لقابيل كيف يواري سوءة أخيه، وقصة بناء سيدنا إبراهيم البيت الحرام، وقصة هلاك ابن نوح مع الهالكين عند الطوفان، وقصة تحدث المسيح وولادته تحت النخلة، كل هذه الأشياء لم يرد ذكرها إلا في القرآن، دلالة على شموله وسعته وتفصيله لكل ما سبق. 
•   لا تناقض بين القرآن، والكتاب المقدس، في كثير من الأمثلة التي ساقوها، فالتناقض يتطلب نفي الكتاب المقدس شيئا أثبته القرآن الكريم، وهذا ما لا نجده بين تلك النصوص. 
•         النصوص الواردة في القرآن الكريم هي الصدق كل الصدق، وذلك لقربها إلى المنطق، ومطابقتها للواقع. 
•   التشابه الموجود في بعض القصص في التوراة والقرآن يدل على أن مصدرهما واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، ويدل كذلك على وضوح الغاية منهما، وهو العبرة والعظة، والتسلية للأنبياء بقص قصص من سبق عليهم، ولا يدل بحال من الأحوال على اقتباس القرآن قصصه من التوارة، لأن القرآن يخالف ما جاء في التوراة في كثير من التفاصيل، بل يرد ما وقع في التوراة من تحريف وتزييف للحقائق. 

المراجع

  1. [6]. المنقبة: الفضيلة.
  2.  [7]. قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط1، 1985م، ص131.
  3.  [8]. الزلفى: القربى والمنزلة.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية