محتوي المقال

ثانيا. ليس في النسخ منافاة لحكمة الله - عز وجل - وصدقه وعلمه، بل فيه تحقيق لكل ذلك:

 
من العيوب التي رتبها الزاعمون على النسخ: الزعم أن الناسخ والمنسوخ ضد حكمة الله - عز وجل - وصدقه وعلمه، فالإنسان القصير النظر هو الذي يضع قوانين ويغيرها ويبدلها، بحسب ما يبدو له من أحوال وظروف، لكن الله يعلم بكل شيء قبل حدوثه، فكيف يقال إن الله يغير كلامه ويبدله، وينسخه ويزيله، أليس من الأوفق أن ننزه الله فنقول: "ليس في النسخ منافاة لحكمته وصدقه وعلمه تعالى، بل فيه تحقيق لكل ذلك: 


فالنسخ: عبارة عن استبدال حكم شرعي، بحكم شرعي آخر، اقتضى ذلك مراعاة أحوال الناس؛ لتكون الأحكام الشرعية مواكبة لأحوال الناس المختلفة. وكلا الحكمين الناسخ والمنسوخ في علم الله عز وجل، فالله - عز وجل - حينما شرع السابق، علم أزلا أنه سيستمر إلى أن ينسخه بحكم لاحق، وإن لم يخبر عباده بذلك، وقد عرفنا أن النسخ لا يتناول القوانين والسنن التي لا تتبدل ولا تتحول. 


هب أن طبيبا كتب لمريضه دواء يتناوله إلى أن يأتيه في زيارة لاحقة، فأعطاه لاحقا ما يتناسب مع حالته المتغيرة، فالطبيب بهذا محقق لقانون كلي وهو أن لكل داء دواء، فلكل حالة ما يناسبها من الدواء. 
وإن كان الطبيب بالنسبة لمريضه يحدث له علم متجدد بتغير حالة مريضه، فإن الأمر بالنسبة لله - عز وجل - مختلف، فهو يعلم أزلا تغير الأحوال وتعاقبها على عباده، ولكل حالة ما يناسبها من الأحكام، فالنسخ "تبديل في المعلوم لا في العلم، وتغيير في المخلوق لا في الخالق، وكشف لنا، وبيان عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء"  [6].


ثالثا. النبي - صلى الله عليه وسلم - أبعد ما يكون عن الكذب، فقد ثبت صدقه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تنزل الأحكام المتضمنة الناسخ والمنسوخ: 


يزعم المتوهم أن الناسخ والمنسوخ يفتح باب الكذب والادعاء، فإذا قال مدعي النبوة قولا وظهر خطؤه، أو إذا اعترض سامعوه عليه قال: إنه منسوخ، ويأتي بقول آخر:

(فينسخ الله ما يلقي الشيطان)

(الحج: 52)،

كما ينسخ إله محمد ما يلقيه عليه من قرآن، يقصد

قوله سبحانه وتعالى:

(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)

(البقرة: 106). 


وللرد على هذه الفرية نقول: إن النبي ثبت صدقه قبل أن تنزل عليه الأحكام المتضمنة الناسخ والمنسوخ، ثبت صدقه بكل دلائل الصدق: بسيرته بين الناس، واعتراف الكفار بصدقه، وأمانته، وبالمعجزات التي أجراها الله على يديه، وبالآية الخالدة - القرآن العظيم، فهو أبعد ما يكون عن الكذب، والناسخ والمنسوخ من الأحكام موجه لمن آمن به لا للمكذب، فالناسخ والمنسوخ لا يرد من استقر في قلبه الإيمان عن إيمانه، وعدم مجيء الناسخ والمنسوخ لا يرد من أصر على الكفر عن كفره:

(وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)

(البقرة: 143). 


ومدعي النبوة كذبا كذاب بما شرع قبل الناسخ والمنسوخ، وبما جاء بعدهما. 
والنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق الأمين المبلغ عن ربه لا ينطق عن الهوى، فهو يبلغ عن الله الحكم الناسخ كما بلغ عنه قبل الحكم المنسوخ، ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتري ذلك على الله لحقق بكل حكم منسوخ مصلحة شخصية له سعى إليها، وسوغ بذلك لكنه لم يعرف عنه ذلك حتى من قبل أعدائه. 


رابعا. إن اللوح المحفوظ جامع لكل من الناسخ والمنسوخ، فلا يهمل اللوح المحفوظ شيئا، ولا يزول منه شيء: 


يثير بعض المشككين إشكالا متوهما وهو أن محمدا اعتبر الناسخ والمنسوخ من نفس كلام الله، فهل كان المنسوخ كلاما إلهيا مكتوبا في اللوح المحفوظ؟ وكيف يسمح الله لكلامه العزيز بالزوال والإهمال؟ وإلا فلماذا كتب؟
إن اللوح المحفوظ جامع لكل من الناسخ والمنسوخ، فلا يهمل اللوح المحفوظ شيئا، ولا يزول منه شيء:

(يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39))

(الرعد)

، وهذا يشبه ما يضمه اللوح المحفوظ من تقلبات الكون من ليل ونهار، وصيف وشتاء، وحرارة وبرودة، وتعاقب الأقدار على الناس من غنى وفقر، وقوة وضعف، وصحة ومرض:

(ما فرطنا في الكتاب من شيء)

(الأنعام: 38). 


خامسا. إن الآيات التي تضمنت النسخ سواء أكانت متضمنة الحكم الناسخ أم المنسوخ فهي قرآن يأخذ خصائص القرآن كلها من إعجازه والتعبد بتلاوته: 


يتوهم بعضهم أن القرآن الكريم بعد استبعاد السور التي شملها النسخ، سواء ما حمل منها ناسخا دون المنسوخ أو العكس، أو ما شملهما معا يئول أمره إلى كراسة صغيرة، ومع هذا يدعون أنه المعجزة الكبرى. 


ونقول لهذا ولأمثاله: إن وجود نسخ في سورة لا يجردها من قرآنيتها، فالسورة التي ورد بها آية أو آيتان أو آيات فيها نسخ - لا يلغيها ورود ذلك من حسبانها قرآنا، بل الآية والآيات التي تضمنت النسخ سواء أكانت متضمنة الحكم الناسخ أم المنسوخ؛ فهي قرآن يأخذ خصائص القرآن كله، من إعجاز وتعبد بتلاوتها وتحد بها، فيبقى القرآن قرآنا بكل آياته، وسوره ما دخله النسخ منه وما لم يدخله، وهذه الآيات المنسوخ حكمها أمامه تتحدى المتوهم وأمثاله من المعاندين المكابرين، فليأتوا بمثلها إن كانوا صادقين. 


سادسا. الله - عز وجل - يقلب الأحكام على المكلفين بوجوه النسخ الثلاثة؛ ليختبرهم في إيمانهم بالله وعبوديتهم له، كما يبتلي الله عباده بالمحن والمنح، والرخاء والشدة: 


يتساءل بعضهم عن النوع الثالث من النسخ، وهو نسخ التلاوة وبقاء الحكم قائلا: لماذا يكلفنا الله أن نعمل بآية غير موجودة؟ ألم يكن الأولى أن تبقى في كتابه حتى يحاسبنا بمقتضاها؟
وردا على ذلك نقول: إن الآية المنسوخ تلاوتها الباقي حكمها - لا تكون كذلك إلا إذا قامت قرينة على بقاء الحكم ونسخ التلاوة، مثل رجم الزناة المحصنين، فكانت سنة النبي العملية دليلا على بقاء الحكم، وكفاها قرينة ودليلا. 


وفي وجود الأنواع الثلاثة من النسخ، بما فيها نسخ التلاوة مع بقاء الحكم - تقليب وجوه البلاء على العبد حتى يختبر في عبوديته لله، فالوجوه الثلاثة: ما نسخ حكما وتلاوة أو حكما فقط - أو تلاوة فقط هي كل الوجوه المحتملة عقلا، فهي تتقلب على المكلفين حتى يختبروا في إيمانهم بالله وعبوديتهم وامتثالهم له، كما يبتلي الله عباده بالمحن والمنح، والرخاء والشدة، فالمؤمن يتمثل في كل الأحوال وتظهر عبوديته لله رب العالمين، كما قال تعالى في شأن تحويل القبلة:

(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه)

(البقرة: 143)". 


سابعا. الأمثلة التي ذكرها الزاعمون عن النسخ لا تمت للنسخ بصلة، وإنما اتخذوها مطعنا ومدخلا لترويج إفكهم: 


مما لا يتفق ومنهجية البحث العلمي السليم - أن يمحور الباحث فكرة في عقله مسبقة لا تستند إلى دليل يعتمد عليه، ثم يذهب يصدر أحكاما باطلة ويلتمس أدلة واهية [7] بناء على هذه الفكرة المسبقة الفاسدة هذه، والحال التي ذكرناها هي التي نحن بصددها الآن، فقد ذهب بعض الواهمين يذكر أمثلة لآيات ناسخة لآيات منسوخة، وعندما لم يجد مغمزا في هذه الآيات يلجأ إلى آيات أخرى يتخذ منها مطعنا ومدخلا لترويج إفكهم تحت ما يسمونه الأسباب الحقيقية. 


فمثالهم الأول: يذكرون فيه

قوله سبحانه وتعالى:

(يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير)

(البقرة: 217): 


فيتوهمون أن هذه الآية ناسخة دون أن يذكروا الآية المنسوخة؛ ولأنهم فهموا منها أنها تأذن بالقتال في الشهر الحرام، لنزولها بعدما ذكروه من حدث سرية عبد الله بن جحش الأسدي ظنوا أنها ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام. بينما الآية تنص على تحريم القتال في الشهر الحرام، ومعنى

قوله سبحانه وتعالى:

(قل قتال فيه كبير)،

أي من المعاصي والكبائر، وكلام العلماء في كونها منسوخة، لا كونها ناسخة [8].


أما تصويره لحدث سرية عبد الله بن جحش على أنه أعطى خمس ما استلبه من القرشيين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا هم له إلا قطع الطريق على الناس، ببعث أعوانه ليحملوا إليه حصته!! ثم لما عير القرشيون المسلمين بارتكاب القتال في الشهر الحرام أسكتهم وأرضى أصحابه، وسوغ سلبه أموال القرشيين بهذه الآية، فهذا تصوير فاحش، وتلفيق غريب لا يستند إلى دليل ولا يحتكم إلى برهان. 


إن فهم هذا وغيره للآية مضحك، وتفسيرهم للحديث مضحك أكثر، فهم فهموا كلمة "كبير" التي وصف بها "قتال" أو أخبر عنه بها على أنه قتال ضخم!! ولم يلتفتوا إلى أن الآية تقول

: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل)

(البقرة: 217)

أي: ما ارتكبه القرشيون من عظائم أكبر مما ارتكبه المسلمون، فهم صدوا عن سبيل الله، وكفروا بالله وأخرجوا أهله وهم المسلمون منه. 
وخلاصة القصة التي نزلت الآية بسببها، والتي يستخدمها هؤلاء المتوهمون للغمز والهمز خلاصتها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل عبد الله بن جحش على رأس سرية من أصحابه إلى واد بين مكة والطائف، يسمى نخلة، فلما وصلوا اعترضوا قافلة لقريش محملة بالطعام والتجارة، وهم مع قريش في حالة حرب منذ أن أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فالاعتراض على القافلة وأخذ ما فيها - ما هو إلا استرداد لبعض حقهم المسلوب، وليس سلبا ولا نهبا كما يصور هؤلاء. 


هنالك تشاور المسلمون، وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، فترددوا ثم أجمعوا على مقاتلتهم، وقتلوا وأسروا وغنموا، وعزلوا الخمس حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعلوا، وعابت قريش ذلك وأنكرته، وزعموا أنهم قد وجدوا فيما فعله المسلمون مقالا، فقالوا: قد أحل محمد الشهر الحرام، واشتد ذلك على المسلمين

حتى أنزل الله تعالى الآية:

(يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل)

(البقرة: 217)  [9].


ومثالهم الثاني: هو تحول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيت المقدس إلى المسجد الحرام: 


فيزعمون أنه فعل ذلك لكي يستميل العرب إليه، ولكي لا يتحولوا إلى اليهودية التي كان يقدس قبلتها، فحكم النسخ هنا ليس حسب المشيئة الإلهية الثابتة، بل حسب هوى محمد ورضاه. 
نرد على هذا فنقول: إن الثابت من سيرته - صلى الله عليه وسلم - أنه رفض الاستجابة لقريش عندما أرادوا إثناءه [10]عن دعوته، وعرضوا عليه من العروض ما لو كان هدفه استمالتهم لاستجاب لهم من أول الأمر، وإذا كان هدفه مجرد استمالتهم فلم لم يتوجه إلى المسجد الحرام من أول الأمر؟!! أما كان يخشى على العرب من البداية أن يتحولوا إلى اليهودية من أول ما اتجه إلى بيت المقدس، وقد مضى على ذلك ستة عشر شهرا بعد هجرته؟ 


وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة يجمع بين القبلتين: الكعبة وبيت المقدس، حيث صلى بين الركنين، فلما هاجر تعذر عليه ذلك، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يتوجه إلى الكعبة قبلة إبراهيم - عليه السلام - فاستجاب الله له [11].


ومثالهم الثالث: هو قصة زيد بن حارثة، وزينب بنت جحش: 


والآية التي تتحدث عن هذا الموضوع هي

قوله سبحانه وتعالى:

(وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37))

(الأحزاب)،

لا تدخل في عداد الناسخ والمنسوخ، فليست ناسخة لآية سابقة. 


ولكن الله - عز وجل - لما أبطل التبني

بقوله عز وجل:

(وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4))

(الأحزاب)،

وقوله:

(ادعوهم لآبائهم)

(الأحزاب: 5)

، أراد - عز وجل - أن يبطل الآثار المترتبة عليه، ومنها تحريم الزواج من زوجة الابن بالتبني، فشرع الله - عز وجل - إباحة الزواج من زوجة المتبنى؛ لأنه ليس ابنا على الحقيقة، وكان ذلك في صورة عملية في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعد زيد بن حارثة الذي كان ينسب إليه فيقال: زيد بن محمد ابنا له، ومن ثم تحل له زوجته زينب. 

أما قوله - عز وجل - عن رسوله:

(أمسك عليك زوجك واتق الله)

(الأحزاب: 37)،


فإن معناه أن زيدا الذي زوجه النبي بابنة عمته زينب، وهي من الأشراف وزيد من الخدم، فكان زيد يشعر بالجفوة من زينب بسبب عدم التكافؤ الاجتماعي، فكان يشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوحي إليه أنه سيتزوج بزينب تحقيقا لحكمة إبطال التبني وآثاره، وقد حدد الله - عز وجل - السبب في الآية بما لا يدع مجالا للتخرص [12] والظن  

فقال سبحانه وتعالى:

(لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا)

(الأحزاب: ٣٧).


ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفي هذا الأمر ولا يجاهر به لأحد، ولا عيب أن يحافظ النبي - صلى الله عليه وسلم - على سمعته أن يخدشها أحد في مجتمع يتربص به الدوائر ويتتبع له العثرات، فهو يحاول أن يفوت على الانتهازيين أي فرصة للتشويه والتشويش، ولكن الله - عز وجل - يرده إلى أنه - عز وجل - سيظهر هذا الأمر مهما حاول النبي - صلى الله عليه وسلم - كتمانه، وأن الله - عز وجل - أحق بالخشية، وهو توجيه وتثبيت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقوية له. 


وما لفقه الكذابون من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخفى رغبة الزواج من زينب حين رأها واشتهاها فهذا افتراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكذبه الواقع. 
فهل كانت زينب غائبة عنه، وهي التي تعيش معه في مكة في قريش، وهي ابنة عمته، ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرغب فيها لرغب فيها وهو شاب يبحث عن الزواج لا في شيخوخته، ولو كان قد تقدم للزواج منها في شبابه لما رفضت وهو يشبهها في الشرف ونضارة الشباب، لكنه آثر أن يزوجها لمولاه وخادمه على شرفها ليقاوم هذه الفوارق الطبقية، ولينشر تعاليم الإسلام التي تسوى بين أبناء آدم، ولا تفرق بينهم إلا على أساس العمل الصالح:

(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

(الحجرات: 13).

بطريقة عملية [13].


ومثالهم الرابع: هو قوله سبحانه وتعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم) (البقرة: 187)، التي فهموها ناسخة لحكم سابق هي بدورها ليست ناسخة، فإذا كانت ناسخة فأين الآية المنسوخة؟
إن الآية تقضي بإباحة المعاشرة الزوجية في ليلة الصيام، والسبب في النص على إباحة ذلك - أن الصحابة بعد أن شرعت فريضة الصوم كانوا يتحرجون من إتيان النساء في ليالي رمضان، ظنا منهم أن ذلك من تتمة الصوم، وكان ذلك شاقا على بعضهم، مما جعلهم يخالفون ما أخذوا أنفسهم به، فالآية جاءت تذكر لهم إباحة ما ظنوه محرما، فأزالت من نفوسهم التحرج والتأثم [14].
ومثالهم الخامس هو:

قوله سبحانه وتعالى:

(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1))

(التحريم): 


هذه الآية لا علاقة لها بالناسخ والمنسوخ، ولكنهم يؤلفون ناسخا ومنسوخا على هواهم، ليقولوا: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يبيح لنفسه وأصحابه ما شاء، ويتقلب في تصرفاته، والتسويغ حاضر جاهز؛ لأن هذا التحليل من الله، وأن اللاحق نسخ السابق. 


إن آيات سورة التحريم تنقل صورة حية من بيت النبوة، الذي يمتلئ بالزوجات الضرائر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يدرك ببصيرته النافذة الاعتبارات الفطرية والاجتماعية التي لها أثر على نسائه، مهما كان موقعهن كزوجات للنبي وأمهات للمؤمنين، فهن في نهاية الأمر وقبل كل شيء نساء ضرائر، وينظرن إلى مارية على أنها ملك يمين وليست زوجة، وهن الحرائر الزوجات النسيبات الحسيبات، فإذا استرضى النبي حفصة ليخفف حدة التوتر في بيته؛ فذلك يبرهن على حكمته - صلى الله عليه وسلم - في معالجته الأزمات. 


لكن الأمر إذا تجاوز حدود حفصة ومارية إلى بقية أزواجه - صلى الله عليه وسلم - فعلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ موقفا حاسما رادعا، وهذا ما حدث، فقد آلى على نفسه ألا يقرب زوجاته اللائي اشتركن في توسيع دائرة هذه الأزمة، وبعد أن أخذت الحكمة البشرية في شخص النبي حظها وحقها في معالجة الموقف، تدخلت العناية الإلهية بتشريع للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته فيما لو وجد مثل ذلك الأمر من الإيلاء [15] بأن يكفر عن يمينه ويراجع زوجته:

(قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2))

(التحريم) [16].


ومثالهم السادس: هو

قوله سبحانه وتعالى:

(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5))

(الحشر): 


هذه الآية أيضا ليست من قبيل الآيات الناسخة كذلك، ولكنها قضت بحكم استثنائى يتناسب مع هذا الحدث، ولا يخلو قانون دولة من أحكام استثنائية تفرضها حالات استثنائية خاصة. وفي حصار بني النضير أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوقع الضعف في نفوسهم، وهو يعرف - من حالهم - حبهم الشديد للمال، فأمر بقطع بعض نخيلهم وترك بعضها، وهي أجود النخيل "وقطع النخيل يخزيهم بالحسرة على قطعه، وتركه يخزيهم بالحسرة على فوته وإرادة الله وراء هذا وذاك على السواء" [17]. ولما قال يهود بني النضير لرسول الله: إنك تنهى عن التخريب والتحريق فكيف تفعل ذلك؟


يقولون هذا وهم يتجاهلون التخريب والتدمير والتآمر الذي يحاولون به اجتثاث الإسلام والمسلمين [18]، بدءا من نبي الإسلام وانتهاء إلى كل ما يمت [19] إليه بسبب، فلما سمع بعض المسلمين ذلك من اليهود ساورهم [20] بعض الشك والتردد فيما فعلوه فثبتهم الله على الحق بنزول

قوله سبحانه وتعالى:

(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5))

(الحشر). 


المتوهمون يدافعون عن اليهود، شأن النصارى الذين ارتموا في أحضان اليهود وخطبوا ودهم، ولو كان على حساب الحق، وأغفلوا عيونهم عن كل ما ارتكبوه من جرائم من أول تاريخهم وحتى اليوم يصفون هذه الأفعال - قطع النخيل - بأنها فاسدة ويغمضون عيونهم عن فساد اليهود وإفسادهم، ونقضهم للعهود وتآمرهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - لقتله؛ لاسئتصال شأفة الإسلام والمسلمين!!


ومثالهم السابع: هو 

قول الله - عز وجل - لنبيه:

(ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره)

(التوبة: 84):


هذه الآية ليس فيها نسخ لحكم سابق، وإنما هو ابتداء حكم، وهو النهي عن الصلاة على كافر؛ لأن الصلاة دعاء واستشفاع، ولا يكون ذلك لغير المؤمن، ولذلك علل الله - عز وجل - النهي بقوله:

(إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84))

(التوبة)،

وليس في امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك عن الصلاة على منافق إرضاء لعمر - رضي الله عنه - ولكنه امتثال لنهي الله - عز وجل - أن يصلي على أحد منهم، ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترضي بفعله عمر - رضي الله عنه - لما صلى على عبد الله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله: «إني خيرت فاخترت»، وقد قيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - استغفر لهم سبعين مرة،

فأنزل الله سبحانه وتعالى:

(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80))

(التوبة)،

فقال صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، فقال عمر رضي الله عنه: ثم صلى عليه ومشي معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم» [21]  [22].


الخلاصة: 


•   دعوى أن القرآن تفرد بوقوع النسخ فيه دعوى باطلة، فالتوراة والإنجيل تضمنتا النسخ باعتراف اليهود والنصارى أنفسهم. 
•   النسخ إذا فهمت حقيقته سقطت كل المزاعم التي ذكرها هؤلاء المتوهمون، فهو لا يدخل في العقائد والأخبار والقصص وأصول العبادات ومكارم الأخلاق والفضائل والرذائل، ولكن النسخ يأتي في الأحكام العملية التي تختلف باختلاف أحوال الناس. 
•   النسخ لا يتنافى مع حكمة الله وصدقه وعلمه، بل يحققها، فالله - عز وجل - يعلم أزلا أن الحكم المنسوخ يستمر الخطاب به إلى أن يخاطب المكلفون بالحكم الناسخ، فالأول المنسوخ مناسب لأحوال المكلفين في مدة الخطاب به، والناسخ مناسب لهم في أثناء الخطاب به، وذلك يحقق حكمته وعلمه وصدقه تعالى. 
•   مجيء الناسخ والمنسوخ في شريعة نبي لا يفتح باب الكذب، والتلاعب بالأحكام باسم الناسخ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبتت نبوته قبل نزول الأحكام عليه، فهو أبعد ما يكون عن الكذب. 
•   وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم - لا يلغي قرآنيته، ولا يذهب بخصائصه القرآنية من الإعجاز والتحدي به والتعبد به. 
•   ما نسخت تلاوته وبقي حكمه - قامت أدلة عليه، فأصبح معلوما للمكلفين، كرجم المحصن، وفي وجود أنواع النسخ كلها تمام الابتلاء للعبد، ليكمل امتثاله وعبوديته لربه. 
•   الأمثلة التي ذكروها لا تمت للنسخ بصلة، ولكنهم وجدوها فرصة للتشويه، فهم يرددون أكاذيب من سبقهم حول تلك الآيات. 

المراجع

  1. [6]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، دار الحديث، القاهرة، 2001م، ج2، ص183. 
  2.  [7]. الواهية: الضعيفة والساقطة.
  3.  [8]. انظر: الناسخ والمنسوخ، أبو عبيد بن سلام، ص207. 
  4.  [9]. محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/ 2003م، ج3، ص539. 
  5.  [10]. الإثناء: الإبعاد.
  6.  [11]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، علق عليه: هاني الحاج، المكتبة التوفيقية، القاهرة، ج1، ص260 بتصرف يسير. 
  7.  [12]. التخرص: الظن. 
  8.  [13]. يراجع لفهم الآية والقصة: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، علق عليه: هاني الحاج، المكتبة التوفيقية، القاهرة، ج6، ص257 وما بعدها.
  9.  [14]. انظر: محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/ 2003م، ج3، ص451.
  10.  [15]. الإيلاء لغة: الحلف مطلقا، سواء أكان على ترك قربان زوجة، أم على شيء آخر، مأخوذ من"آلى على كذا يولي إيلاء": إذا حلف على فعل شيء أو تركه. كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من زوجته حلف ألا يطأها السنة والسنتين، ويمضي في يمينه من غير لوم أو حرج، حتى جاء الإسلام ووضع للإيلاء أحكاما خففت من أضراره، وحدد له المولى أربعة أشهر، وألزمه إما بالرجوع إلى معاشرة زوجته، وإما بالطلاق. 
  11.  [16]. لمراجعة تفاصيل أسباب نزول الآيات وتفهم موقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحيح انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط13، 1407هـ/ 1987م، ج6، ص3613.
  12.  [17]. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط13، 1407هـ/ 1987م، ج6، ص3523. 
  13.  [18]. اجتثاث الإسلام والمسلمين: القضاء عليهم. 
  14.  [19]. يمت: يتصل ويرتبط.
  15.  [20]. ساور: تملك. 
  16.  [21]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين (1300)، وفي موضع آخر.
  17.  [22]. انظر: محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/ 2003م، ج5، ص485 وما بعدها.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية