محتوي المقال
ما جاء من النسخ في العهد الجديد (الإنجيل):
• أن الله أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح إسحاق عليه السلام، ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل، كما هو مصرح به في سفر التكوين: " وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: «يا إبراهيم!». فقال: «هأنذا». فقال: «خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك». فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسحاق ابنه، وشقق حطبا لمحرقة، وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله. وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد، فقال إبراهيم لغلاميه: «اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما». فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين. فذهبا كلاهما معا. وكلم إسحاق إبراهيم أباه وقال: «يا أبي!» فقال: «هأنذا يا ابني». فقال: «هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟» فقال إبراهيم: «الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني». فذهبا كلاهما معا.
فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله، بني هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب. ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه. فناداه ملاك الرب من السماء وقال: «إبراهيم! إبراهيم!». فقال: «هأنذا» فقال: «لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني». فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه. فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع «يهوه يرأه». حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى". (التكرين 1 - 14).
• أنه نقل قول نبي من الأنبياء في حق عالي الكاهن في سفر صموئيل الأول: "لذلك يقول الرب إله إسرائيل: إني قلت إن بيتك وبيت أبيك يسيرون أمامي إلى الأبد. والآن يقول الرب: حاشا لي! فإني أكرم الذين يكرمونني، والذين يحتقرونني يصغرون. هوذا تأتي أيام أقطع فيها ذراعك وذراع بيت أبيك حتى لا يكون شيخ في بيتك. وترى ضيق المسكن في كل ما يحسن به إلى إسرائيل، ولا يكون شيخ في بيتك كل الأيام. ورجل لك لا أقطعه من أمام مذبحي يكون لإكلال عينيك وتذويب نفسك. وجميع ذرية بيتك يموتون شبانا. وهذه لك علامة تأتي على ابنيك حفني وفينحاس: في يوم واحد يموتان كلاهما".
فكان وعد الله أن منصب الكهانة يبقى في بيت عالي الكاهن وبيت ابنه، ثم أخلف وعده ونسخه، وأقام كاهنا آخر، في تفسير دوالي ورجرد مينت قول الفاضل باترك هكذا: "ينسخ الله ههنا حكما كان وعده وأقر به بأن رئيس الكهنة يكون منكم إلى الأبد، أعطى هذا المنصب لعازار الولد الأكبر لهارون: ثم أعطى تامار الولد الأصغر لهارون، ثم انتقل الآن بسبب ذنب أولاد عالي الكاهن إلى أولاد العازار، فوقع الخلف في وعد الله مرتين إلى زمان بقاء الشريعة الموسوية، وأما الخلف الذي وقع في هذا الباب عند ظهور الشريعة العيسوية مرة ثالثة، فهذا لم يبق أثرا ما لهذا المنصب، لا في أولاد العازار، ولا في أولاد تامارا، الوعد الذي كان للعازار، وهو مصرح به في سفر العدد هكذا: "لذلك قل: هأنذا أعطيه ميثاقي ميثاق السلام، فيكون له ولنسله من بعده ميثاق كهنوت أبدي، لأجل أنه غار لله وكفر عن بني إسرائيل". (العدد 25: 12، 13). ولا يتحير الناظر من خلف وعد الله على مذاق أهل الكتاب؛ لأن كتب العهد العتيق ناطقة به، وبأن الله يفعل أمرا ثم يندم، فقد جاء في المزمور التاسع والثمانين قول داود - عليه السلام - في خطاب الله - عز وجل - هكذا: "نقضت عهد عبدك نجست تاجه في التراب". (المزمور 89: 39)، فيقول داود عليه السلام: "نقضت عهد عبدك".
وفي سفر التكوين هكذا: "فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه. فقال الرب: «أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم»". (التكوين 6: 6، 7)، وفي المزمور الخامس بعد المائة هكذا: "فأخرج شعبه بابتهاج، ومختاريه بترنم. وأعطاهم أراضي الأمم، وتعب الشعوب ورثوه، لكي يحفظوا فرائضه ويطيعوا شرائعه". (المزمور 105: 43 - 45). وفي سفر صموئيل الأول قول الله هكذا: "ندمت على أني قد جعلت شاول ملكا، لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي». فاغتاظ صموئيل وصرخ إلى الرب الليل كله". (صموئيل الأول 15: 11)، وفىه أيضا: "ولم يعد صموئيل لرؤية شاول إلى يوم موته، لأن صموئيل ناح على شاول. والرب ندم لأنه ملك شاول على إسرائيل". (صوئيل الأول 15: 35).
وههنا خدشة يجوز لنا أن نوردها إلزاما فقط: وهي أنه لما ثبتت الندامة في حق الله، وثبت أنه ندم على خلق الإنسان، وعلى جعل شاول ملكا، فيجوز أن يكون قد ندم على إرسال المسيح - عليه السلام - بعد ما أظهر دعوى الألوهية، على ما هو زعم أهل التثليث؛ لأن هذه الدعوى من البشر الحادث أعظم جرما من عدم إطاعة شاول أمر الرب، وكما لم يكن الله واقفا على أن شاول يعصي أمره، فكذا يجوز أن يكون واقفا على أن المسيح - عليه السلام - يدعي الألوهية، وإنما قلت هذا إلزاما فقط؛ لأنا لا نعتقد بفضل الله ندامة الله ولا ادعاء المسيح - عليه السلام - الألوهية، بل عندنا ساحة الألوهية، وكذا ساحة نبوة المسيح - عليه السلام - صافيتان عن قمامة هذه الكدورات والمنكرات.
• جاء في حزقيال: "وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن. كل يوم عشرين شاقلا. من وقت إلى وقت تأكله. وتشرب الماء بالكيل، سدس الهين، من وقت إلى وقت تشربه. وتأكل كعكا من الشعير. على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم». وقال الرب: «هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم». فقلت: «آه، يا سيد الرب، ها نفسي لم تتنجس. ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة، ولا دخل فمي لحم نجس». فقال لي: «انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان، فتصنع خبزك عليه»". (حزقيال 4: 10 - 15)، أمر الله أولا بأن "تلطخه بزبل [2] يخرج من الإنسان"، ثم لما استغاث حزقيال - عليه السلام - نسخ هذا الحكم قبل العمل، فقال: "أعطيتك زبل البقر عوض رجيع الناس".
• في سفر اللاويين: "وكلم الرب موسى قائلا: «كلم هارون وبنيه وجميع بني إسرائيل وقل لهم: هذا هو الأمر الذي يوصي به الرب قائلا: كل إنسان من بيت إسرائيل يذبح بقرا أو غنما أو معزى في المحلة، أو يذبح خارج المحلة، وإلى باب خيمة الاجتماع لا يأتي به ليقرب قربانا للرب أمام مسكن الرب، يحسب على ذلك الإنسان دم. قد سفك دما. فيقطع ذلك الإنسان من شعبه". (اللاويين 17: 1 - 4)، وفي سفر التثنية: "فأما إن شئت أن تأكل وتستلذ بأكل اللحم فاذبح وكل بالبركة التي أعطاك الرب إلهاك في قراك... إلخ، وإذا أوسع الرب إلهك تخومك مثل ما قال لك وأردت أن تأكل اللحم ما تشتهيه نفسك، وكان بعيد المكان الذي اصطفاك الرب إلهك ليكون اسمه هناك فاذبح من البقر والغنم الذي لك كما أمرتك وكل في قراك، كما تريد كما يؤكل من الظبي والإبل هكذا فتأكلون منها جميعا طاهرا كان أو غير طاهر"؛ فنسخ حكم سفر اللاويين بحكم سفر التثنية، وقد علق هورن على هذه الفقرات قائلا: "في هذين الموضعين تناقض من الظاهر، لكن إذا لوحظ أن الشريعة الموسوية كانت تزداد وتنقص على وقف حال بني إسرائيل، وما كانت بحيث لا يمكن تبديلها فالتوجيه في غاية السهولة".
ثم قال: "نسخ موسى في السنة الأربعين من هجرتهم قبل دخول فلسطين ذلك الحكم - أي حكم سفر اللاويين - بحكم سفر الاستثناء نسخا صريحا، وأمر أنه يجوز لهم بعد دخول فلسطين، أن يذبحوا البقر والغنم في أي موضع شاءوا ويأكلوا.
فاعترف بنسخ الحكم المذكور، وأن الشريعة الموسوية كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل، فالعجب من أهل الكتاب أنهم يعترضون على مثل هذه الزيادة والنقصان في شريعة أخرى، ويقولون إنه مستلزم لجهل الله.
• ينص سفر العدد على أن خدام قبة العهد لا بد ألا يكونوا أنقص من ثلاثين، وأزيد من خمسين: "من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة، كل داخل في الجند ليعمل عملا في خيمة الاجتماع... من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة، كل الداخلين ليعملوا عمل الخدمة وعمل الحمل في خيمة الاجتماع". (العدد 4: 3 - 47)، وجاء في هذا السفر أيضا ألا يكونوا أنقص من خمس وعشرين وأزيد من خمسين: "هذا ما للاويين: من ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا يأتون ليتجندوا أجنادا في خدمة خيمة الاجتماع. ومن ابن خمسين سنة يرجعون من جند الخدمة ولا يخدمون بعد". (العدد 8: 24، 25).
• في سفر اللاويين أن فداء خطأ الجماعة ثور واحد: "وكلم الرب موسى قائلا: «كلم بني إسرائيل قائلا: إذا أخطأت نفس سهوا في شيء من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها، وعملت واحدة منها، إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب، يقرب عن خطيته التي أخطأ ثورا ابن بقر صحيحا للرب، ذبيحة خطية. يقدم الثور إلى باب خيمة الاجتماع أمام الرب، ويضع يده على رأس الثور، ويذبح الثور أمام الرب". (اللاويين 4: 1 - 4)، وفي سفر العدد أنه لا بد أن يكون ثورا مع لوازمه وجديا: "وفي رؤوس شهوركم تقربون محرقة للرب: ثورين ابني بقر، وكبشا واحدا، وسبعة خراف حولية صحيحة، وثلاثة أعشار من دقيق ملتوت بزيت تقدمة لكل ثور. وعشرين من دقيق ملتوت بزيت تقدمة للكبش الواحد. وعشرا واحدا من دقيق ملتوت بزيت تقدمة لكل خروف. محرقة رائحة سرور وقودا للرب. وسكائبهن تكون نصف الهين للثور، وثلث الهين للكبش، وربع الهين للخروف من خمر. هذه محرقة كل شهر من أشهر السنة. وتيسا واحدا من المعز ذبيحة خطية للرب. فضلا عن المحرقة الدائمة يقرب مع سكيبه. (العدد 28: 11 - 15)، فنسخ سفر العدد سفر اللاويين.
• أمر الله - عز وجل - في سفر التكوين أن يدخل في الفلك اثنان اثنان من كل جنس الحيوانات طيرا كان أو بهيمة مع نوح عليه السلام: "ولما كان نوح ابن ستمائة سنة صار طوفان الماء على الأرض، فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك من وجه مياه الطوفان. ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة، ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض: دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك، ذكرا وأنثى، كما أمر الله نوحا". (التكوين 7: 6ـ 9). ويعلم من السفر المذكور أيضا أنه يدخل سبع سبع ذكر وأنثى من البهائم الطاهرة، ومن الطيور مطلقا ومن البهائم غير الطاهرة اثنان اثنان: "وقال الرب لنوح: «ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك، لأني إياك رأيت بارا لدي في هذا الجيل. من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين: ذكرا وأنثى. ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة: ذكرا وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض". (التكوين 7: 1ـ 3)، ثم يعلم من الإصحاح المذكور أنه دخل من كل جنس اثنان اثنان، فنسخ هذا الحكم مرتين.
• في سفر الملوك الثاني: "في تلك الأيام مرض حزقيا للموت، فجاء إليه إشعيا بن آموص النبي وقال له: «هكذا قال الرب: أوص بيتك لأنك تموت ولا تعيش». فوجه وجهه إلى الحائط وصلى إلى الرب قائلا: «آه يا رب، اذكر كيف سرت أمامك بالأمانة وبقلب سليم، وفعلت الحسن في عينيك». وبكي حزقيا بكاء عظيما. ولم يخرج إشعيا إلى المدينة الوسطى حتى كان كلام الرب إليه قائلا: «ارجع وقل لحزقيا رئيس شعبي: هكذا قال الرب إله داود أبيك: قد سمعت صلاتك. قد رأيت دموعك. هأنذا أشفيك. في اليوم الثالث تصعد إلى بيت الرب. وأزيد على أيامك خمس عشرة سنة»". (الملوك الثاني 20: 1ـ 6)، فأمر الله حزقيا على لسان إشعياء بأن أوص على بيتك لأنك ميت، ثم نسخ هذا الحكم قبل أن يصل إشعياء إلى وسط الدار بعد تبليغ الحكم، وزاد على عمره خمس عشرة سنة.
• في إنجيل متى: "هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: «إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة»". (متى 10: 5، 6)، وجاء فىه أيضا: "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة". (متى 15: 24). وبناء على هذه النصوص كان عيسى - عليه السلام - يخصص رسالته إلى بني إسرائيل، وجاء على لسانه في إنجيل مرقس: "وقال لهم: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها". (مرقس 16: 15)؛ فالحكم الأول منسوخ بالثاني.
• في إنجيل متى: "حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلا: «على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه". (متى 23: 1ـ 3)؛ فحكم بأن كل ما قالوا لكم فافعلوه، ولا شك أنهم يقولون بحفظ جميع الأحكام العملية للتوراة، لا سيما الأبدية على زعمهم، وكلها منسوخة في الشريعة العيسوية، فهذا الحكم منسوخ ألبتة، والعجب من علماء البروتستانت أنهم يوردون في رسائلهم هذه الآيات تغليطا لعوام أهل الإسلام، مستدلين بها على بطلان النسخ في التوراة، فيلزم أن يكونوا واجبي القتل؛ لأنهم لا يعظمون السبت، وناقض تعظيمه - على حكم التوراة - واجب القتل.
• في إنجيل لوقا قول المسيح عليه السلام: "لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس، بل ليخلص. فمضوا إلى قرية أخرى". (لوقا 9: 56)، ومثله في إنجيل يوحنا: "لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم". (يوحنا 3: 17)، "وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم". (يوحنا 12: 47)، ووقع في رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي: "وحينئذ سيستعلن الأثيم، الذي الرب يبيده بنفخة فمه، ويبطله بظهور مجيئه". (رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي 2: 8)؛ فالقول الثاني ناسخ للأول.
وقد علم من هذه الأمثلة السابقة أن نسخ أحكام الإنجيل واقع بالفعل، وظهر أيضا أن ما نقل عن المسيح - عليه السلام - في قوله: "السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول. (متى 24: 35، ولوقا 21: 33) ليس المراد به أن قولا من أقوالي وحكما من أحكامي لا ينسخ، وألا يلزم تكذيب إنجيلهم. بل المراد بقوله "كلامي" هو الكلام المعهود الذي أخبر عن الحادثات التي تقع بعده، وهي مذكورة قبل هذا القول في الإنجيلين، فالإضافة في قوله "كلامي" للعهد لا للاستغراق، وحمل مفسروهم أيضا هذا القول على ما قلت في تفسير دوالي ورجرد مينت في ذيل شرح عبارة إنجيل متى هكذا: "قال القسيس بيروس: مراده أنه تقع الأمور التي أخبرت بها يقينا"، وقال دين استاين هوب: "إن السماء والأرض وإن كانتا غير قابلتين للتبديل بالنسبة إلى الأشياء الأخرى، لكنهما ليستا بمحكمتين مثل إحكام إخباري بالأمور التي أخبرت بها فتلك كلها تزول، وإخباري بالأمور التي أخبرت بها لا تزول، بل القول الذي قلته الآن لا يتجاوز شيئا عن مطلبه"، فالاستدلال بهذا القول ضعيف جدا.
وإذا عرفت أمثلة القسمين ما بقي لك شك من وقوع النسخ بكلا قسميه في الشريعة الموسوية والعيسوية، وظهر أن ما يدعيه أهل الكتاب من امتناع النسخ باطل لا ريب فيه، فكيف لا والمصالح قد تختلف باختلاف الزمان والمكان والمكلفين، فبعض الأحكام يكون مقدورا للمكلفين في بعض الأوقات، ولا يكون مقدورا في بعض آخر، ويكون بعضها مناسبا لبعض المكلفين دون بعض، ألا ترى أن المسيح - عليه السلام - قال مخاطبا للحواريين: "إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية". (يوحنا 16: 12، 13)، وقال للأبرص الذي شفاه: "لا تقول لأحد. بل اذهب أر نفسك للكاهن، وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم". (متى 8: 4)، "ولما جاء إلى البيت تقدم إليه الأعميان، فقال لهما يسوع: «أتؤمنان أني أقدر أن أفعل هذا؟» قالا له: «نعم، يا سيد!» حينئذ لمس أعينهما قائلا: «بحسب إيمانكما ليكن لكما». فانفتحت أعينهما. فانتهرهما يسوع قائلا: «انظرا، لا يعلم أحد!»". (متى 9: 28 - 30)، "أخرج - عيسى عليه السلام - الجميع خارجا، وأمسك بيدها ونادى قائلا: «يا صبية، قومي!». فرجعت روحها وقامت في الحال. فأمر أن تعطى لتأكل. فبهت والداها. فأوصاهما أن لا يقولا لأحد عما كان". (لوقا 8: 54ـ 56)، وأمر الرجل الذي أخرج الشياطين منه أن يرجع إلى بيته ويخبر بما صنع الله به: "أما الرجل الذي خرجت منه الشياطين فطلب إليه أن يكون معه، ولكن يسوع صرفه قائلا: «ارجع إلى بيتك وحدث بكم صنع الله بك». فمضى وهو ينادي في المدينة كلها بكم صنع به يسوع". (لوقا 8: 38، 39) [3].
ويستدلون على نفي النسخ بقول المسيح: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل". (متى 5: 17، 18)، ونرد عليهم بالآتي: إن هذا الكلام منه - عليه السلام - محمول على أن رسالته جزء لا يتجزأ من رسالات الرسل، فهو جاء متمما ومكملا، فالرسل جميعا أصحاب دعوة واحدة، والعقائد وأصول العبادات، ومكارم الأخلاق وتجنب الفواحش ورذائل الأخلاق - كل هذه التقت عليها جميع الشرائع، وكل رسول جاء ليكمل ما بناه السابقون.
ولهذا الكلام نظائره في القرآن والسنة، مثل قوله سبحانه وتعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (الشورى: 13)، وقوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة: 5)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثلي مثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين». [4] وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [5].
وهذا الناموس الإلهي قانون لا يتبدل، كما قال سبحانه وتعالى: (فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43)) (فاطر). أما تغيير الأحكام العملية التي تقبل التغيير تبعا لاختلاف أحوال الناس واختلاف حاجاتهم فليس في ذلك نقضا لسنن الله ونواميس كونه، سواء كانت هذه الأحكام بين شريعة وأخرى أم في شريعة واحدة، وقد جاء على لسان عيسى - عليه السلام - في القرآن: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (آل عمران: 50).
المراجع
- [2]. الزبل: الروث.
- [3]. نظرية النسخ في الشرائع الإسلامية، د. شعبان محمد إسماعيل، دار السلام، القاهرة، ط1، 1988م، ص43: 60 بتصرف.
- [4]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب خاتم النبين صلى الله عليه وسلم (3342)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه خاتم النبيين (6101).
- [5]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنه (8939)، والبخاري في الأدب المفرد، كتاب حسن الخلق، باب حسن الخلق (273)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (45).
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد