محتوي المقال

ثانيا. لو كان أهل الكتاب على حق لما كان الجدال من أساسه: 

إن قوله سبحانه وتعالى:

(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)

(العنكبوت: 46)


لا يدل على أن أهل الكتاب على الحق، ولو كانوا على الحق لأمر القرآن باتباعهم والاستجابة لهم وعدم مخالفتهم في دعوتهم، فهذا فهم خاطئ واستدلال لا وجه له، بل هو تحريف للكلم عن مواضعه، إنما الذي تأمر به الآية، هو جدال أهل الكتاب بالتي هي أحسن؛ لأنهم قد يكونون أقرب إلى الإسلام من غيرهم من المشركين، وأقرب فهما لطبيعته، وأعلم بحقيقته من غيرهم، لما عندهم من بقايا دياناتهم، وإن كتموا وحرفوا؛ ولأن القرآن يسعى إلى الارتقاء بأسلوب الحوار وعملية الجدال إلى أعلى مستوى - أمر بأن يكون الحوار بالتي هي أحسن معتمدا على الحجة والبرهان، ومتجنبا الإساءة والخداع والادعاء الباطل، وسائر أدوات ووسائل الجدل العقيم والنقد الهدام، فتلك دعوة قرآنية لإقامة الحق وإظهاره، والكشف عن الباطل وبيان ضعفه وتفاهته دون سب أو تجريح، أو إساءة. 


الأمر بالجدال في الآية لا ينفي بطلان ما هم عليه، ولا يعني أن الاختلاف مجرد اختلاف في الرأي: 
إن القرآن وقف من أهل الكتاب موقف الناقد البصير، والمعلم الذي يصوب لهم أخطاءهم، ويصحح لهم عقائدهم، ويبين لهم إثم كتمان الحق وجريمته، وشناعة تحريف الكلم عن مواضعه وقبحه، وخصوصا في الأمور الجوهرية عند أهل الكتاب، وهي الأمور التي تمس صلب العقيدة، إذ أظهر القرآن في صراحة ووضوح بطلان ما يعتقده أهل الكتاب من العقائد الفاسدة، وشدد النكير وأكد الرفض لكل عقائدهم الشركية الفاسدة في مواضع عديدة، منها

قوله سبحانه وتعالى:

(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30))

(التوبة). 

وقوله سبحانه وتعالى:

(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72))

(المائدة). 

وقوله سبحانه وتعالى:

(يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71))

(آل عمران).

وقال عن النصارى:

(ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14))

(المائدة).

وقال أيضا:

(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير)

(المائدة: 15). 




والآيات التي تنتقد أهل الكتاب في صلب عقائدهم وتشنع عليهم جرائمهم وضلالاتهم - سواء تحريفهم الكلم عن مواضعه أو كتمانهم الحق وإخفائهم إياه عن الناس - كثيرة كثرة ظاهرة، فالخلاف مع أهل الكتاب خلاف جوهري مبدئي، باتساع الفجوة بين عقائد المسلمين وعقائدهم الفاسدة التي حرفوها وغيروها. 


فالبون [13] في التصورات الدينية بين الديانة الإسلامية - ودياناتهم بعد تحريفها - بون شاسع، فكيف يدعي هؤلاء المدعون أن القرآن يثبت أن النصارى على حق، وأن الخلاف معهم مجرد خلاف في الرأي؛ مستدلين بآية العنكبوت:

(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)

(العنكبوت: ٤٦)

؛ زاعمين أنه لم يأمر بقتالهم طالما أنه قد أمر بجدالهم بالتي هي أحسن، فلماذا يكون الجدال إذن ما داموا على حق؟ وهل تعني مجادلتهم بالتي هي أحسن عدم قتالهم، عندما يعتدون أو يخونون العهود والمواثيق؟ وبماذا يسوغ هؤلاء قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - لليهود في المدينة عندما خانوا العهود ونبذوا المواثيق، وإخراجهم فرقة تلو الأخرى ثم قتاله لهم في خيبر؟ وماذا يقول هؤلاء عندما يسمعون أو يقرءون الآيات التي تحض على قتال المشركين من أهل الكتاب وغيرهم إذا استلزم الأمر ذلك، ومنها

قوله سبحانه وتعالى:

(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29))

(التوبة). 


وبهذا البيان بطل زعم هؤلاء المدعين أن القرآن يثبت كون النصارى على حق، فذلك زعم لا سند له ولا دليل عليه، بل هو وهم من بنات خيال من افتراه. 


الخلاصة: 


•   الحوار في الإسلام مبدأ أصيل يبتغي هداية الآخرين للحق، وعلى هذا الأصل قامت الدعوة الإسلامية. والحوار المطروح اليوم مع غير المسلمين يجب أن تحده حدود - فليس مجاله مطلقا - وتحفه محاذير لا يتخطاها، كالثوابت الاعتقادية والشرعية عند المسلمين، أما مرامي الحوار من جهة الآخرين، الهادفة إلى فتح الأبواب على مصراعيها وعدم التقيد بالضوابط والأحكام الشرعية، وإطلاق المساواة حيث لا محل للمساواة، فهذا أمر مرفوض مردود. 
•   لو كان أهل الكتاب على حق لما أمر القرآن بجدالهم ومحاورتهم ابتداء، فكيف يجادل صاحب الحق والمجادل يعترف بذلك، إنما أمر القرآن بجدالهم بالتي هي أحسن ارتقاء بالحوار وبعدا به عن التعصب الأعمى؛ ولأنهم قد يكونون أقرب إلى الإسلام من غيرهم من المشركين لما عندهم من بقايا دياناتهم. 
•   الأمر بالجدال بالتي هي أحسن لا ينفي بطلان ما عليه أهل الكتاب من عقائد فاسدة، ولا يعني أن الاختلاف معهم هو مجرد اختلاف في الرأي، بل إن القرآن شنع عليهم جرائمهم، من تحريفهم للعلم وكتمانهم للحق، ونقد فساد عقائدهم المحرفة نقدا لاذعا، وأمر بقتالهم إذا غدروا أو خانوا، وهذا ما حدث مع اليهود في المدينة وفي خيبر، فكيف يقال إن القرآن أثبت أنهم على حق بعد ذلك، وهو يرفض كل معتقداتهم وينكرها عليهم؟!

المراجع

  1. [13]. البون: المسافة بين الشيئين.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية