محتوي المقال

ثالثا. الإنجيل الصحيح بشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا خاتما وبالقرآن ناسخا:

 
لو كان الإنجيل حقا - بحالته الآن - سليما من عبث العابثين ويستحق التقديس، لآمن أهله بمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا خاتما ورحمة للعالمين، وبالقرآن كتابا سماويا مهيمنا على ما سبقه من رسالات السماء، وناسخا لما نزل قبله من كتب وصحائف. كما في البشارة عندهم بذلك، وهذا ما لم تستطع يد التحريف إخفاءه إخفاء تاما. 
تحت عنوان "ابن الإنسان من هو" يقول الأستاذ محمد فاروق الزين بعد أن يذكر

قوله تعالى:

(أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69))

(المؤمنون)،

وقوله عز وجل:

(لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29))

(الحديد). 


تكررت الإشارة إلى ابن الإنسان في العهد الجديد نحو ثلاث وثمانين مرة في الكلام المنسوب إلى عيسى، فمن هو ابن الإنسان الذي كان يقصده عيسى في كلامه؟ ورد في سفر المزامير بالعهد القديم أنه ابن آدم؛ أي بني آدم، كما يقول مجازا عن جنس البشر؛ ففيه: "فمن هو الإنسان حتى تذكره؟ وابن آدم حتى تفتقده؟ وتنقصه قليلا عن الملائكة، وبمجد وبهاء تكلله. تسلطه على أعمال يديك. جعلت كل شيء تحت قدميه: الغنم والبقر جميعا، وبهائم البر أيضا، وطيور السماء، وسمك البحر السالك في سبل المياه". (المزامير 8: 4ـ 8). 


غير أن هنالك تعريفا محددا لابن الإنسان ورد في سفر دانيال بالعهد القديم: "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه. فأعطى سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة". (دانيال 7: 13، 14). 
وهذا التعريف هو الأساس لفهم شخص ابن الإنسان في الكتاب المقدس، فهو المنقذ من الضلال المخلص، الذي يغير - عند مجيئه - الأوضاع القائمة. 


وعموما، فإننا نجد تركيزا في تعاليم اليهود، وكتبهم ونبوءاتهم على مجيء النبي - المنقذ، الذي بزعمهم يجب أن يكون من سلالة داود النبي - الملك، وأنه عند مجيئه سوف يحرر اليهود من مضطهديهم؛ لأن ظفر المنقذ بوصفه نبيا قائدا سيكون دنيويا دينيا في الوقت نفسه. 


أما معلقو الكنيسة فيودون إعطاء الانطباع المباشر أو غير المباشر، أن عيسى في أحاديثه المتكررة عن ابن الإنسان كان يشير إلى نفسه من طرف خفي، هذا على الرغم من أنه كان على ابن الإنسان المنقذ عند مجيئه، أن يفكك الأوضاع والأنظمة القائمة، وينشئ مكانها نظاما جديدا يكون فيه ابن الإنسان منقذا نبيا ملكا، أي ذا سلطة دنيوية، وليست سلطته سلطة دينية فقط، فالمفترض أن تنهار عند مجيئه السلطات الدنيوية بكل ما فيها من شرك ومن وثنية، وبكل ما فيها من إباحية لا أخلاقية وإباحية جنسية. ومن الواضح أنه - خلافا لتوقعات العامة - لم يتحقق شيء من ذلك في زمن عيسى، ولا حتى في زمن أتباعه فاليهود الذين كانوا وقتها يمثلون الديانة التوحيدية الوحيدة لم يحققوا النصر على إمبراطورية روما، مع أنهم كانوا يتطلعون إلى قدوم المخلص المنتظر؛ كي ينقذهم من جيوش روما ومن إمبراطوريتها. 


ومع ذلك تلهف مؤلفو أسفار العهد الجديد على تصوير عيسى المسيح بأنه ابن الإنسان - المنقذ المظفر، لدرجة أنهم ابتدعوا في قصة دخوله الأخير إلى القدس لقبا مصطنعا محيرا ومربكا؛ إذ أطلقوا عليه صفة "الدخول المظفر إلى القدس". (يوحنا 6: 10). 


رغم أن دخول عيسى إلى القدس، لم يكن له علاقة بأي ظفر ولا نوايا من جانبه لقيادة اليهود ضد إمبراطورية روما، ولا إنشاء نظام سياسي جديد، ولا القيام بأي مهمة من المهام المفترض على ابن الإنسان أن ينجزها. وإذا لم يكن ممكنا الادعاء أن المسيح هو ابن الإنسان الذي تنبأ به دانيال، لذا فقد اللقب - في أذهان مؤلفي الأسفار - أي مفهوم وأي مغزى عسكري له، وبالتالي حاولوا تجريده من أي مغزى أو دلالة سلطة دنيوية، وحولوه إلى مفهوم رمزي داخلي بحت، فأصبح اللقب عندهم رمزيا بحتا مختلفا عن صلة النبي ذي السلطة الدنيوية المشار له في سفر دانيال، وقد وجد بولس لنفسه المخرج من هذه المعضلة بأن دخل في روعه أن المسيح في مجيئه المظفر الثاني سوف يحقق ما لم يستطع تحقيقه في المجيء الأول، وبحيث تطابق أوصافه في المجيء الثاني ما تنبأ به دانيال لابن الإنسان من القوة والسلطان والمجد، وزاد بولس أن المجيء الثاني لن يكون في المستقبل البعيد بل قريبا جدا، قبل أن تدرك المنية بولس الثاني.

 
غير أن عيسى في أحاديثه كان يتكلم عن ابن الإنسان دوما بصيغة الغائب مشيرا بشكل خفي إلى شخص آخر غيره هو شخصيا، وهذه الصيغة وحدها هي التي يمكن أن تجعل أحاديثه منطقية، ولا بد أنه كان يشير إلى النبي الأحمد، خاتم الأنبياء والرسل - صلى الله عليه وسلم - لأنه في هذه الحالة فقط تتحقق النبوءة عن ابن الإنسان المذكورة في سفر دانيال، إذ محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده حقق صفة النبي ذي السلطة الدنيوية، فجمع بين صفات النبوة والدين والتقى، وصفات السلطة الدنيوية والقوة الظافرة. 


أجاب عيسى عن سؤال رسل يحيى قائلا لهم: "فأجاب يسوع وقال لهما: «اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون»". (متى 11: 4، 5). 
غير أن يحيى كان يدرك ولا شك أن هذه المعجزات الخارقة، مهما كانت باهرة، ليست كل ما هو متوقع من النبي المنتظر، كان سؤال يحيى ليس واضحا كل الوضوح: هل أنت ذلك النبي أو لا؟ هل أنت المنقذ المخلص؟ هل أنت النبي المنتظر ذو السلطة الدينية والدنيوية معا؟ وكان جواب عيسى بدوره واضحا في مغزاه: المسيح النبي ولكني لست المنقذ المخلص، لست النبي المنتظر ذا السلطة الدنيوية. 


 لقد نفى عيسى بكل وضوح أن يكون هو المخلص وفي الواقع لو كان يحيى يعتقد أن عيسى هو النبي المخلص، حقا لما اضطر إلى سؤاله، ولكنه كان يتوقع ويأمل أن يكون عيسى شخصا أكثر من المسيح، كان يتمنى لو كان عيسى هو النبي المنتظر ذا السلطة الدينية والدنيوية معا، ولم يكن يحيى وحده الذي يحتضن هذا الأمل والرجاء، حتى الحواريون أنفسهم بدا عليهم الالتباس، مع أن عيسى كان يؤكد لهم باستمرار وفي أكثر من مناسبة وبلباقة، ويعرض لهم ألا يتوقعوا منه القيام بالدور الذي لم يكن مقدرا له أن يلعبه، الدور الذي كان مقدرا لغيره، كان طبيعيا ألا يقوم عيسى بمهام المخلص؛ لأنه هو نفسه لم يكن المخلص، لقد علم عيسى الناس أن يقبلوا ويتحملوا الاضطهاد، أن يقبلوا الأوضاع الراهنة، علمهم الحلم والخضوع والتوبة والاستقامة، وأن يسعوا وينشدوا مملكة الله القادمة، إذ لم يكن عصره جاهزا لقيام مملكة الله على الأرض التي يعبد فيها الله وحده والتي تمحى منها الأوثان والوثنية. كان عيسى في صلواته يدعو الله قائلا: "ليأت ملكوتك" وكان تعبير "مملكة الله" مألوفا في العهد القديم، ولا شك أن عيسى علم أتباعه أن مملكة الله سوف تتحقق فعلا لا مجازا، ولكن ليس في زمنه هو. 


كان عيسى يعلم أنه بصفته المسيح يستطيع أن يجترح المعجزات، أما النبي المنتظر فكان يتوقع منه غير ذلك، النبي المنتظر يجب أن يكون ابن الإنسان المذكور في سفر دانيال، النبي المخلص الذي يفتتح عصرا جديدا في تاريخ البشرية، الذي يقهر أعداءه ويقضي على الشرك والوثنية، وينشئ مملكة الله على الأرض التي لا يعبد فيها إلا الله عز وجل، إنه النبي الأحمد العلم الذي بشر به عيسى بالاسم، وكان مقدرا له أن يبعث بعده بستة قرون. 


في بداية بعثته اتخذ عيسى لنفسه مقرا في "كفر ناحوم" وهي قرية على الشاطئ الشمالي لبحر الجليل - بحيرة طبريا - سكانها خليط من الأهالي والرومان والرسميين من الحكام، فلم تكن القرية من هذه الناحية مناسبة لمتمرد أو لثائر أن يتخذها مقرا له، بل على العكس كانت مناسبة لمن أراد التهدئة والدعوة إلى ضبط النفس. 


لم يدع عيسى قط أنه النبي المنقذ، إذ لم يكن مقدرا له إنقاذ شعبه من إمبراطورية روما ولا إعادة بناء مملكة داود، وهو طيلة مدة بعثته القصيرة لم يبد من جانبه أدنى ملاحظة أو تلميح في خطاباته وأحاديثه، ولا في أفعاله وتخطيطه لما يوحي بأي دلالة يمكن أن يفهم منها أنه النبي المنقذ، وهو لهذا السبب بالذات تجنب أن يدعو الناس للمواجهة، بل على النقيض من ذلك نرى كل تعاليمه تتركز على المسالمة والتهدئة، وخاصة عند لقائه مع ثوار الجليل، ومع المتحمسين لطرد الرومان من فلسطين، فكان يحذرهم مرة بعد أخرى من الثورة والعصيان المسلح، ومن أقواله: "أحب عدوك ولا تجابه [16] الشر" و "من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أكرهك على السير معه ميلا سر معه ميلين". 
لقد أنذر اليهود صراحة وعمدا ألا يسلكوا سبيل العنف، والثورة ولا الرد على الشر بالمثل. 


ولا يمكن أن يفوتنا في أحاديث عيسى وخطاباته إنكاره المتكرر لمن اعتقد فيه شخصية المنقذ. وفي حادثة مهمة من هذا القبيل حاول تهدئة مجموعة من الثوار قوامها نحو خمسة آلاف تبعوه إلى الجليل؛ كي يجعلوا منه قائدا لهم، معتقدين أنه النبي المنقذ، وهي الحادثة التي قام خلالها بمعجزة أرغفة الخبز؛ ففي إنجيل يوحنا: "فرفع يسوع عينيه ونظر أن جمعا كثيرا مقبل إليه، فقال لفيلبس: «من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء؟» وإنما قال هذا ليمتحنه، لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل. أجابه فيلبس: «لا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا». قال له واحد من تلاميذه، وهو أندراوس أخو سمعان بطرس: «هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان، ولكن ما هذا لمثل هؤلاء؟» فقال يسوع: «اجعلوا الناس يتكئون». وكان في المكان عشب كثير، فاتكأ الرجال وعددهم نحو خمسة آلاف. وأخذ يسوع الأرغفة وشكر، ووزع على التلاميذ، والتلاميذ أعطوا المتكئين. وكذلك من السمكتين بقدر ما شاءوا. فلما شبعوا، قال لتلاميذه: «اجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء». فجمعوا وملأوا اثنتي عشرة قفة من الكسر، من خمسة أرغفة الشعير، التي فضلت عن الآكلين. فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم". (يوحنا 6: 5 - 14). 


ومغزى هذه القصة شديد الأهمية، ويتمحور حول قول عيسى للثوار اليهود "ليجلس الرجال"؛ فقد كان هناك مغزى عملى في كلامه شديد الوضوح، لقد أنذر الرجال كي لا يستولي عليهم الوهم، بأن الوقت قد حان لثورة أخرى ضد روما، وكي لا يظنوا أن عيسى جاءهم قائدا عسكريا، أو منقذا لهم من الاضطهاد، فأمرهم أن يجلسوا وأطعمهم من خمسة أرغفة، وسمكتين، أرادهم أن يفهموا أن الوقت لم يحن بعد لمجيء النبي المخلص، وأفهمهم ألا يسلكوا طريق العنف؛ لأنه لا يفيدهم سوى الدمار، وبينما هو يعظهم بمملكة الله القادمة التي لم يكن مقدرا له أن يقودها، كانوا بالمقابل لشدة حماسهم يتوقون [17] أن يكون هو منقذهم ومخلصهم، يتشوقون أن يقودهم ضد إمبراطورية روما دون انتظار، لقد سيطر عليهم الوهم بأنه النبي المنتظر، وهو ما أراد عيسى نفسه أن ينفيه عن نفسه. 


كانت رسالته إلى بني إسرائيل مختصرة ومفهومه، قال لهم: "ليجلس الرجال"، فلم يكن عيسى المخلص، ولم يدع أنه المخلص، لقد بشرهم بمملكة الله التي سوف تنشأ في المستقبل، ومن هنا فقط نستطيع أن نفهم دعاءه المتكرر في الصلاة "ليأت ملكوتك" بصيغة المستقبل. 
كانت مجموعة الرجال التي حاول عيسى تهدئتها في الجليل نموذجا لشعب إسرائيل المتمرد، ولشدة عنادهم لم يفهموا الرسالة، ولم يستوعبوا كلام عيسى، ولا المغزى من معجزة أرغفة الخبز، وربما فهموا النقيض من ذلك؛ إذ قالوا: "فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: «إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم»، "وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا، انصرف أيضا إلى الجبل وحده". (يوحنا 6: 15). أي عندما فشل في إقناع ذوي العقول العنيدة بحقيقة مهمته وبحقيقة بعثته، وخوفا أن يظنوا أنه ملك دنيوي، توارى عنهم نحو الجبل، واختفى عن ناظرهم. 


فمن المحزن أن إيضاح عيسى المتكرر لجمهوره عن طبيعة مهمته، وتحذيره لهم ألا يسيئوا فهم بعثته وألا يعلقوا عليها آمالا للخلاص من روما عسكريا، ومحاولته أن يوازن تطلعاتهم بشتى الوسائل - كل ذلك لم يفلح لا على المستوى المحلي بين أفراد شعبه اليهود، ولا بعد وفاته على المستوى الهلنستي في العالم اليوناني الروماني، فلم يكتف اليهود بأن أساءوا فهم رسالة عيسى، بل أصروا على تمردهم وعصيانهم المسلح ضد روما حتى سبب ذلك الكوارث لهم في عام 70م، وعام 135م، ومن جهة أخرى في العالم الهلنستي أصر بولس على الاعتقاد أن عيسى كان مخلصا فعلا، ولكن بشكل خفي وغامض وميثولوجي، من حيث إنه خلص العالم من الخطايا، أما الخلاص على الأرض، فكان المفترض أن يتحقق قبل أن يموت بولس - حسب نبوءة بولس نفسه - عندما يعود عيسى في مجيئه الثاني بصورة ابن الإنسان فيهزم روما عسكريا وينشئ مملكة الله على الأرض بزعامته، ثم إن هذا النمط من التنبؤات - رغم فشله - تكرر من قبل يوحنا العراف اللاهوتي في كتابه سفر الرؤيا، الذي صار فيما بعد سفرا من أسفار العهد الجديد. 


وهكذا أدى إصرار معاصري عيسى على الخلط بين شخصية المسيح، وشخصية "النبي المنتظر المنقذ" وعدم فهمهم لطبيعة بعثته، بل رفضهم لها - إلى عواقب وخيمة على كل الجهات، ففي فلسطين هزم اليهود والذين رفضوا الإيمان بعيسى على يد الرومان وتشتتوا في أنحاء الأرض، وفي الوقت نفسه تشتت معهم النصارى الذين آمنوا بعيسى على حقيقته، وبسبب تشتت النصارى وظهور بولس على مسرح الأحداث فقد النصارى السيطرة على مجريات الأمور، ففي العالم الهلنستي انحرفت رسالة عيسى عن هدفها الأساسي بالكامل، وحلت محلها ديانة غامضة من صنع بولس، ثم كان على العالم الانتظار ستة قرون لإعادة الأمور إلى نصابها بظهور الإسلام. 


ومما يلفت النظر في دخول عيسى المظفر إلى القدس - كما يحلو للكنيسة أن تصفه - بعد معجزة أرغفة الخبز في الجليل ببعض الوقت نقطة ذات شقين: 
1.  أن دخول القدس تم بعد أن توارى عيسى عن أنظار ثوار الجليل - خمسة آلاف - الذين حاولوا تنصيبه ملكا، بمعنى أن الذي رفض من الجماهير تنصيبه ملكا لا يدخل القدس بهذه الصفة. 
2.  أن عيسى تعمد أن يدخل القدس وهو يركب حمارا - وليس حصانا - مما يعني أنه لم يأت فاتحا لتأسيس مملكة دنيوية، ومع ذلك توهمت الجماهير أنه المخلص النبي المنتظر، فتجمع الناس حوله، وجعلوا يهتفون "أوصنا! مبارك الآتي باسم الرب! مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب! أوصنا في الأعالي". (مرقس 11: 9، 10). "والجموع الذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: أوصنا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب! أوصنا في الأعالي". (متى 21: 9). ذلك بالرغم من نفيه القاطع أن يكون ابنا لداود "ثم أجاب يسوع وقال وهو يعلم في الهيكل: «كيف يقول الكتبة: إن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك. فداود نفسه يدعوه ربا. فمن أين هو ابنه؟» وكان الجمع الكثير يسمعه بسرور". (مرقس 12: 35 - 37، متى 22: 41 - 45، لوقا 20: 41). 


أراد عيسى بدخوله القدس على حمار أن يفهم اليهود أنه لم يأت فاتحا، أراد منهم أن يتخلصوا من الأوهام، وأعلمهم أنهم يجلبون الدمار إلى أنفسهم بعقليتهم العنيدة وسلوكهم الطائش، وهي الرسالة نفسها التي حاول إيصالها لعقولهم يوم اجتمع عليه في الجليل خمسة آلاف من الثوار فأمرهم بالجلوس وأطعمهم خبزا وسمكا. 
وزيادة في الإيضاح فإنه بعد أن دخل القدس لم يزد على أن ذهب إلى المعبد فنظر حوله، ثم غادر مع الحواريين الاثنى عشر "فدخل يسوع أورشليم والهيكل، ولما نظر حوله إلى كل شيء إذ كان الوقت قد أمسى، خرج إلى بيت عنيا مع الاثنى عشر". (مرقس 11: 11)؛ فلم يكن دخوله إلى القدس سوى بادرة رمزية توحي بالسلام، لا الحرب. 


وقد نسبوا إلى عيسى القول: "الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه". (متى 11: 11، لوقا 7: 28). وقد أعيت هذه العبارة معلقي الكنيسة لقرون طويلة وحيرتهم، فمنهم من قال هي مقارنة بين مستقبل النخبة وبين عظمة يحيى، وآخرون فهموا مملكة الله، بأنها تشمل أرواح المؤمنين بعيسى بالمقارنة مع حياة يحيى على الأرض، وآخرون اعتقدوا أن عيسى هو الأصغر لجهة كونه عبد الله. وعلى أية حال لا يمكن القبول أن عيسى كان يقصد نفسه؛ لأن مملكة الله لم تتحقق في أيامه، وحتى لو تحققت - كما يزعم البعض - لاستحال أن يكون هو أصغر من فيها؛ إذ يكون عندئذ مؤسسها. 


يكمن مفتاح تفسير هذا القول في كلمة "الأصغر"؛ ففي اللغة الآرامية والعربية والعبرية تحمل الكلمة معنى: "الأخير زمنيا" أو "الأصغر في مجموعة مسلسلة". والترجمة الآرامية السريانية للعهد الجديد - الطبعة البسيطة - تستخدم كلمة "زغيرا" التي تقابل كلمة "صغير" بالعربية بمعنى: الأصغر سنا، ولا بد للكنيسة أن تعترف أن عيسى لم يكن آخر الأنبياء، وبالتالي فهو ليس أصغرهم زمنيا، فمن يكون إذن آخر الأنبياء، وخاتمهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم؟ إنه قطعا وبلا جدال آخر الأنبياء، فهو بالتالي أصغرهم زمنيا، ومع ذلك فهو أعظمهم، مقارنة مع أي منهم؛ لأن العمل الضخم الذي أنجزه أعظم من الأعمال التي قام بها الأنبياء قبله مجتمعين"  [18].


فإذا كان الإنجيل الموجود حاليا على هذه الصورة التي تابعناها تفصيلا، من التحريف والتزييف والتبديل والتغيير لفظا ومعنى بشهادات شهود من أهله قبل أهلنا، وإذا كان هذا الإنجيل نفسه - في أصله الصحيح قبل التحريف وفيما لم تستطع الأيدي المزيفة إطفاءه تماما - قد بشر بالإسلام رسالة خاتمة ناسخة وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا خاتما - فهل هناك مجال للقول الآن بأن هذا الإنجيل، بوضعه الحالي، محل للتقديس والتعبد به من قبل النصارى وغير النصارى؟!


الخلاصة: 


•   القرآن يقر الإنجيل في أصله السماوي الصحيح، أي الذي أنزل على عيسى - عليه السلام - قبل أن يدخله التحريف. 
•   الإنجيل بمضمونه الحالي ليس كتابا سماويا صحيحا؛ فللكتاب السماوي الصحيح مواصفات غير متحققة في الأناجيل الحالية. 
•   الأناجيل الحالية أصابها التحريف لفظا ومعنى، وقد اعترف بذلك شهود من أهلها، وأقام علماء المسلمين الشواهد عليه من نصوص الأناجيل، والرسائل في العهدين القديم والجديد. 
•   لم يقتصر التحريف على الأزمنة القديمة، بل امتد للعصر الحديث؛ إذ طبعت إسرائيل طبعة محرفة منها، حذفت منها كثيرا مما يمس اليهود، بعد تبرئة الكنيسة لهم من دم المسيح، ولم ترفع الكنيسة صوتا بالاعتراض. 
•   الإنجيل الصحيح بشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا خاتما، وبالقرآن ناسخا، وما زال وميض خافت من هذه البشارة يتردد صداه في ثنايا الأناجيل الحالية؛ إذ لم تستطع يد التحريف طمس الحقيقة تماما، فالأولى بالآخرين اتباع القرآن، لا دعوتنا إلى الإيمان بهذا الإنجيل المحرف المزيف.

المراجع

  1. [16]. تجابه: تواجه.
  2.  [17]. يتوقون: يتشوقون. 
  3.  [18]. المسيحية والإسلام والاستشراق، محمد فاروق الزين، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 2003م، ص193 وما بعدها

 

تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية