محتوي المقال
والتحريف الذي يتحدث عنه ابن تيمية نوعان:
الأول: تحريف لفظي: وهو تغيير جميع الألفاظ أو بعضها، سواء كان هذا البعض قليلا أو كثيرا. وهذا النوع تنكره النصارى.
الثاني: تحريف معنوي: وهو تأويل هذه الألفاظ بمعان لا تدل عليها، ولا تحتملها تلك الألفاظ إلا بنوع من التعسف والافتعال.
وهذا النوع تقره وتعترف به النصارى. وكلا النوعين - كما يرى ابن تيمية - واقع في كتب اليهود والنصارى.
ويؤخذ مما تقدم أن ابن تيمية يرى أن التحريف الواقع في التوراة لم يتناول جميع الألفاظ، بل القليل منها، ولا سيما في الناحية التشريعية، وأنه ما زالت هناك بقايا في التوراة والإنجيل طلب من أصحابها الحكم بما أنزل الله فيه،
يقول سبحانه وتعالى:
(قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم)
(المائدة: 68).
وفيما يتعلق بالتحريف المعنوي فإن ابن تيمية يرى أن جميع الطوائف اليهودية والنصرانية، متفقة على وقوعه؛ لأن كل طائفة ترى أن غيرها أول الكلام بما لا تحتمله الألفاظ من المعاني، وهذا يرجع إلى اختلاف فهمهم للعقيدة، واختلاف ما تأخذه كل طائفة من مدلولات هذه الألفاظ.
ويرى ابن تيمية - كما قدمنا - أن المسلمين يشهدون على النصارى بهذا النوع من التحريف، فيقول: فأما تحريف معاني الكتب بالتفسير والتأويل وتبديل أحكامها فجميع المسلمين واليهود يشهدون على النصارى بتحريفها وتبديلها، كما يشهد النصارى والمسلمون على اليهود بتحريف كثير من معاني التوراة، وتبديل أحكامها.
وابن تيمية يعني بذلك اتهام أصحاب هذه الأديان بعضهم لبعض - بل أرباب الفرق داخل كل دين - بأنهم ينحرفون في تأويل ما في كتبهم وتفسيرها، بحيث يجعلها كل فريق دالة على مذهبه مهما اختلفت بينهم تلك المذاهب، فكل فريق يتهم الآخر بالتحريف المعنوي لهذه النصوص، وصرفها عما يرى أنه هو المعنى الصحيح لها، بل إنه يصرح بذلك، فيقول: وكل عاقل يعلم أن الكتب التي بأيديهم في تفسيرها من الاختلاف والاضطراب بين فرق النصارى، وبين النصارى واليهود ما يوجب القطع بأن كثيرا من ذلك مبدل محرف.
ويورد ابن تيمية أدلة كثيرة على وقوع التحريف في الكتاب المقدس - عند النصارى - بعهديه القديم والجديد، سواء كانت أدلة نقلية أو عقلية (واقعية)، بل يستشهد على ذلك بمظاهر كثيرة من مظاهر التحريف الواقعية الموجودة في صفحات هذا الكتاب، فليس اتهامه لهذا الكتاب بالتحريف مجرد دعوى بلا دليل، وإنما يقدم الأدلة والشواهد الكثيرة على ذلك" [8].
وبعد أن يورد ابن تيمية العديد من هذه الأدلة، كاستشهاده بآيات القرآن والأحاديث، واختلاف الأناجيل لفظا ومعنى فيما بينها، وتضمنها عقائد فاسدة وشرائع مبتدعة لم يأت بها المسيح ولا غيره، كعقيدة الصلب والفداء والتثليث وعدم اعترافهم بالبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم... إلخ. تناقش المؤلفة شبهات النصارى على عدم تحريف كتبهم وإبطال ابن تيمية لها فتقول: "الواقع أن النصارى لا يسلمون بالقول بوقوع التحريف اللفظي في كتبهم، بل لقد وجد من المعاصرين من ألف كتابا بعنوان "استحالة التحريف في الكتاب المقدس".
ولكننا في هذا المقام لا يعنينا أن نعرض لهذا الكتاب وما فيه، بل إن مقصدنا فقط هو أن نستعرض ما أورده ابن تيمية ونقله عن النصارى في عهده أو فيما قبله من شبهات؛ دفاعا عن كتبهم وبيانا منهم بعدم تحريفها، ثم إبطال ابن تيمية لشبهاتهم في هذا المقام، وذلك على النحو التالي:
الشبهة الأولى: يذكر ابن تيمية عن النصارى القول باستحالة تحريف كتابهم المقدس المكتوب باثنين وسبعين لسانا والمتعدد النسخ في كل لسان والذي مضى عليه إلى مجيء النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ستمائة سنة، ويتساءلون في ذلك قائلين: إذا كان الكتاب الذي لهم "أي المسلمين" الذي هو باللسان الواحد لا يمكن تبديله، ولا تغيير حرف واحد منه، فكيف يمكن تغيير كتبنا التي هي مكتوبة باثنين وسبعين لسانا؟ وفي كل لسان منها كذا، وكذا ألف نسخة؟!
وجاز عليها إلى مجئ محمد أكثر من ستمائة سنة، وصارت في أيدي الناس يقرءونها باختلاف ألسنتهم على تباعد بلدانهم.
وجماع رد ابن تيمية على هذه الشبهة: إننا لم ندع وقوع التحريف اللفظي في جميع النسخ بجميع اللغات، بل في بعضها لفظيا، وأما وقوع التحريف المعنوي فمسلم به من الجميع، ولا وجه لقياس الأناجيل على القرآن المتواتر المحفوظ في الصدور، وإن كثرة النسخ في اللغات الكثيرة - على عكس ما يظنون - مما يتيح الفرصة للتحريف في كتبهم دون أن يتنبه إليه أحد، بخلاف الحال في القرآن المكتوب بلغة واحدة. هذا بالإضافة إلى أن ما تضمنته هذه الأناجيل من أقوال المسيح كما نقلها عنه أصحابها، إنما هي أقوال مترجمة؛ لأن عيسى لم يكن يتكلم إلا العبرية، ومع كثرة الترجمات يقع التحريف فيما نقل عن عيسى - عليه السلام - لا محالة.
الشبهة الثانية: يحتج النصارى على استحالة التحريف في كتبهم بثناء القرآن عليها وتعظيمه لها،
مثل قوله سبحانه وتعالى:
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه)
(المائدة: 48).
ولله در ابن تيمية في رده لدفاعهم هذا عن كتبهم وتفنيده لشبهاتهم وتأويلاتهم للآيات الكريمة؛ حيث يقول: القرآن أثنى على كتبكم نعم، والإنجيل فيه هدى ونور نعم أيضا، ومحمد ـصلى الله عليه وسلم - صدق ما قبله من الكتب، ومن جاء من الرسل نعم، كل هذا حق وصدق والقرآن ذكر ذلك، ولكن أراد الكتب التي لم تحرف ولم تبدل.
فالقرآن أثنى على توراتهم وإنجيلهم قبل التحريف، وعلى من بقي إلى عهد محمد - صلى الله عليه وسلم - على نفس الدين الصحيح الذي جاء من عند الله، أما الكتب بعد التحريف والتبديل، فليس لها اعتبار في الإسلام، ولا تدل الآيات التي استشهدوا بها على أن كتبهم صحيحة، وغير محرفة، كيف وقد ثبت فعلا أنها محرفة وشهد القرآن عليها بذلك صراحة في قوله سبحانه وتعالى:
(يحرفون الكلم عن مواضعه)
(المائدة: ١٣)،
وغيرها من الآيات، وقد بين الله أنه أنزل هذا القرآن مهيمنا [9] على ما بين يديه من الكتب.
وليس المسلمون وحدهم هم الذين يقولون بوقوع التحريف في كتب أهل الكتاب عامة، وكتب النصارى خاصة، بل إن المسيحيين أنفسهم شهدوا على ذلك، ومنهم من هداه الله للإسلام، ومنهم من بقي على مسيحيته رغم اعترافه بالتحريف في كتبهم، يقول هورن: الحالات التي وصلت إلينا في بادئ زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة (بتراء) غير معينة، لا توصلنا إلى أمر معين، والمشايخ الأقدمون صدقوا الروايات الواهية وكتبوها، وقبل الذين جاءوا من بعدهم مكتوبهم تعظيما لهم، وهذه الروايات الصادقة والكاذبة وصلت من كاتب إلى كاتب آخر، وتعذر نقدها بعد انقضاء المدة.
وهذا أيضا اعتراف آخر، من أحد كبار المؤرخين المسيحيين، وهو ول ديورانت الذي يعترف صراحة بالتحريف في كتبهم، وخصوصا العهد الجديد، لا سيما الأناجيل، فيقول: وترجع أقدم النسخ التي لدينا من الأناجيل الأربعة، إلى القرن الثالث، أما النسخ الأصلية فيبدو أنها كتبت بين عامي 60، 120م، ثم تعرضت بعد كتابتها مدى قرنين من الزمان لأخطاء في النقل، ولعلها تعرضت أيضا لتحريف مقصود.. وملاك القول أن ثمة تناقضا كثيرا، بين بعض الأناجيل والبعض الآخر، وأن فيها نقطا تاريخية مشكوكا في صحتها، وكثيرا من القصص الباعثة على الريبة، والشبيهة بما يروى عن آلهة الوثنيين، وكثيرا من الحوادث التي يبدو أنها وضعت عن قصد لإثبات وقوع كثير من النبوءات الواردة في العهد القديم، وفقرات كثيرة ربما كان المقصود منها، تقدير أساس تاريخي لعقيدة متأخرة من عقائد الكنيسة أو طقس من طقوسها.
ويقول المسيو ايتين دينيه في كتابه "أشعة خاصة بنور الإسلام" ما نصه: "أما أن الله - عز وجل - قد أوحى الإنجيل إلى عيسى - عليه السلام - بلغته ولغة قومه، فالذي لا شك فيه أن هذا الإنجيل قد ضاع واندثر، ولم يبق له أثر، وبعض علماء المسيحية يرون أن أناجيلهم ما هي إلا كتب أدبية أكثر منها دينية، يقول ول ديورانت في ذلك: نقيس الآداب المسيحية في القرن الثاني بالأناجيل والرسائل والرؤى والأعمال.
لكننا مع ذلك نرى أنها ليست أدبية بالمعنى الصحيح، بل هي أدب مفكك تنقصه الاستمرارية، وتتضح فيه التناقضات، وفي ذلك يقول د. موريس بوكاي: اللمحة العامة التي أعطيناها عن الأناجيل، والتي استخرجناها من الدراسة النقدية للنصوص، تقود إلى اكتساب مفهوم أدب مفكك تفتقر خطبه إلى الاستمرار، وتبدو تنقاضاته غير قابلة للحل.
فهذه الأناجيل بشهادة المسيحيين أنفسهم ليست كتبا مقدسة - كما يدعون - وإنما هي كتب أدبية، بلغ أدبها من الركاكة والتفكك مبلغا كبيرا.
يقول شارل دني بير: وتصفح الأناجيل وحده يكفي بأن مؤلفيها قد توصلوا إلى تركيبات واضحة التعارض، لنفس الأحداث والأحاديث، مما يتحتم معه القول بأنهم لم يلتمسوا الحقيقة الواقعية، ولم يستلهموا تاريخا ثابتا، يفرض تسلسل حوادثه عليهم، بل على العكس من ذلك اتبع كل هواه وخطته الخاصة في ترتيب وتنسيق مؤلفه.
وبعد هذا الذي قدمناه من شهادات علماء الأديان من المسلمين، وكذلك شهادات المسيحيين أنفسهم، يمكننا القطع بأنه من الخطأ الكبير أن نعتبر أسفار الكتاب المقدس الموجودة حاليا كتبا سماوية بالمعنى الصحيح؛ فليست إلا من وضع كاتبيها، ولم يحفظوا فيها من الكتب السماوية الحقيقية إلا النادر القليل - كما شاء الله إذا قيس إلى ما أثبتوه فيها من تحريفات وتناقضات ومبتدعات" [10].
هل تريد أخي القارئ أن تطالع الآن نماذج حية من واقع نصوص الأناجيل تشهد على تحريفها والتبديل فيها؟ اقرأ معي قول القاضي أبي البقاء الهاشمي
(ت 668هـ): "نبين - بعون الله - في هذا الباب من تناقض إنجيل النصارى وتعارضه وتكاذبه وتهافته ومصادمة بعضه بعضا ما يشهد معه من وقف عليه أنه ليس هو الإنجيل الحق المنزل من عند الله، وأن أكثره من أقوال الرواة وأقاصيصهم، وأن نقلته أفسدوه ومزجوه بحكاياتهم، وألحقوا به أمورا غير مسموعة من المسيح، ولا من أصحابه، مثل ما حكوه من صورة الصلب والقتل واسوداد الشمس، وتغير لون القمر وانشقاق الهيكل، وهذه أمور إنما جرت في زعم النصارى بعد المسيح، فكيف تجعل من الإنجيل، ولم تسمع من المسيح؟! والإنجيل الحق إنما هو الذي نطق به المسيح، وإذا كان ذلك كذلك فقد انحرفت الثقة بهذا الإنجيل، وعدمت الطمأنينة بنقلته، وقد قدمنا أنه ليس إنجيلا واحدا، بل الذي في أيدي النصارى اليوم أربعة أناجيل، جمع كل إنجيل منها في قطر من أقطار الأرض بقلم غير قلم الآخر، وتضمن كل كتاب من الأقاصيص والحكايات ما غفله الكتاب الآخر مع تسمية الجميع إنجيلا.
وقد ذكر العلماء أن اثنين من هؤلاء العلماء الأربعة، وهما مرقس ولوقا، لم يكونا من الاثنى عشر الحواريين أصحاب المسيح، وإنما أخذا عمن أخذ من المسيح، وإذا كان الأمر كذلك فهذان الإنجيلان ليسا من عند الله؛ إذ لم يسمعا من لفظ المسيح، والحجة إنما تقوم بكلام الله، وكلام رسوله وإجماع أصحاب رسوله، وقد صرح لوقا في صدر إنجيله بذلك، فقال: "إن ناسا راموا ترتيب الأمور التي نحن بها عارفون، كما عهد إلينا أولئك الصفوة الذين كانوا خداما للكلمة، فرأيت أنا إذ كنت تابعا أن أكتب لك أيها الأخ العزيز ثاوفيلس، لتعرف به حقائق الأمر الذي وعظت به. فهذا لوقا قد اعترف أنه لم يلق المسيح، وأن كتابه الذي ألفه إنما هو تأويلات جمعها مما وعظه به خدام الكلمة.
واعلم أن هؤلاء الأربعة تولوا النقل عن رجل واحد، فلا بد أن يكون الاختلاف، إما من قبل المنقول عنه أو من قبل الناقل، وإذا كان المنقول عنه معصوما تعين الخطأ في الناقل.
هذا وقد ظهر هذا الخطأ والاضطراب في مظاهر عدة، منها:
1. التكاذب: وهو تكذيب بعض الأناجيل بعضا، فمثلا: يذكر متى في إنجيله أنه من يوسف رجل مريم - وهو الذي يسمى يوسف النجار - إلى إبراهيم الخليل اثنتان وأربعون ولادة؛ حيث قال: "كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم: إبراهيم ولد إسحاق. وإسحاق ولد يعقوب. ويعقوب ولد يهوذا وإخوته. ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار. وفارص ولد حصرون. وحصرون ولد أرام... وأليود ولد أليعازر. وأليعازر ولد متان. ومتان ولد يعقوب. ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح. فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا، ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا". (متى 1: 1 - 17)، بينما يقول لوقا: "لا ولكن بينهما أربعة وخمسون ولادة"، وذلك تكاذب قبيح، ولعل الاستدراك على لوقا أولى؛ لأن متى صحابي، ولوقا ليس بصحابي، إلا أنه لا فرق بينهم عند النصارى.
وذلك يقضي بانخرام [11] الثقة بكليهما، قال المؤلف: صواب النسب الذي عددته في إنجيل متى تسعة وثلاثون رجلا، وفي إنجيل لوقا خمسة وخمسون رجلا. وذلك من يوسف خطيب مريم إلى إبراهيم الخليل بشرط دخول الجدين يوسف وإبراهيم في العدد، وقد اختلفا في الأسماء أيضا، وذلك زلل ظاهر.
نوع آخر: قال لوقا: "وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال: «سلام لك أيتها المنعم عليها! الرب معك. مباركة أنت في النساء». فلما رأته اضطربت من كلامه، وفكرت: «ما عسى أن تكون هذه التحية!» فقال لها الملاك: «لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما، وابن العلي يدعي، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية". (لوقا 1: 26 - 33)، وكذبه يوحنا وغيره فقال: "فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده. وضفر العسكر إكليلا من شوك ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب أرجوان، وكانوا يقولون: «السلام يا ملك اليهود!». وكانوا يلطمونه. فخرج بيلاطس أيضا خارجا وقال لهم: «ها أنا أخرجه إليكم لتعلموا أني لست أجد فيه علة واحدة». فخرج يسوع خارجا وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان. فقال لهم بيلاطس: «هوذا الإنسان!». فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين: «اصلبه! اصلبه!». قال لهم بيلاطس: «خذوه أنتم واصلبوه، لأني لست أجد فيه علة». أجابه اليهود: «لنا ناموس، وحسب ناموسنا يجب أن يموت، لأنه جعل نفسه ابن الله». فلما سمع بيلاطس هذا القول ازداد خوفا. فدخل أيضا إلى دار الولاية وقال ليسوع: «من أين أنت؟». وأما يسوع فلم يعطه جوابا. فقال له بيلاطس: «أما تكلمني؟ ألست تعلم أن لي سلطانا أن أصلبك وسلطانا أن أطلقك؟» أجاب يسوع: «لم يكن لك على سلطان البتة، لو لم تكن قد أعطيت من فوق. لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم". (يوحنا 19: 1ـ 11).
وهذا تكاذب قبيح؛ لأن أحدهما يقول: إن يسوع يملك على بني إسرائيل، والآخر يصفه بصفة ضعيف ذليل.
موضع آخر: قال لوقا: "وظهر له ملاك من السماء يقويه. وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض". (لوقا 22: 43، 44). ولم يذكر ذلك متى ولا مرقس ولا يوحنا وإذا تركوا ذلك لم يؤمن أن يتركوا ما هو أهم منه، فتضيع السنن وتذهب الفرائض، وترفع الأحكام، فإن كان ذلك صحيحا فكيف تركه الجماعة؟ وإن لم يصح ذلك عندهم لم يؤمن أن يدخل لوقا في الإنجيل أشياء أخر أفظع من هذا، ولعل لوقا قد صدق في نقله، فإن ظهور الملك علامة دالة وأمارة واضحة على رفع المسيح إلى السماء، وصونه عن كيد الأعداء.
ثم إن المسيح عند النصارى عبارة عن لاهوت اتحد بناسوت فصارا بالاتحاد شيئا واحدا، وإذا كان ذلك كذلك فظهور الملك ليقوى من منهما؟ فإن قالوا ليقوى اللاهوت، كان ذلك باطلا، إذ لا حاجة بالإله إلى مساعدة عبده وتقويته. وإن قالوا ليقوى الناسوت، أبطلوا الاتحاد إذ لم يبق ناسوت متميز عن لاهوت حتى يفتقر التقوية والنصرة، ثم ذلك يشعر بضعف اللاهوت عن تقوية الناسوت المتحد به، حتى احتاج إلى التقوية، وكيف يحتاج الإله إلى عبد من عبيده ليقويه، وكل عباد الله إنما قوتهم بالله عز وجل؟
موضع آخر: ذكر متى: "وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة: «هذا هو يسوع ملك اليهود». حينئذ صلب معه لصان، واحد عن اليمين وواحد عن اليسار. وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين: «يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك! إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب!»". (متى 27: 37 ـ40)، وذكر لوقا خلاف ذلك؛ حيث قال: "وكان الشعب واقفين ينظرون، والرؤساء أيضا معهم يسخرون به قائلين: «خلص آخرين، فليخلص نفسه إن كان هو المسيح مختار الله!». والجند أيضا استهزأوا به وهم يأتون ويقدمون له خلا، قائلين: «إن كنت أنت ملك اليهود فخلص نفسك!». وكان عنوان مكتوب فوقه بأحرف يونانية ورومانية وعبرانية: «هذا هو ملك اليهود». وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا: «إن كنت أنت المسيح، فخلص نفسك وإيانا!» فأجاب الآخر وانتهره قائلا: «أولا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟ أما نحن فبعدل، لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله». ثم قال ليسوع: «اذكرني يارب متى جئت في ملكوتك». فقال له يسوع: «الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس»". (لوقا 23: 35 - 43).
وهذا تكذيب لقول متى بأنهما معا كانا يعيران المسيح، ويهزآن به، وأغفل هذه القصة مرقس ويوحنا.
ومن المحال أن يحدث مثل هذا في ذلك الوقت، ولا يكون شائعا ذائعا. فإن كان صحيحا فلم تركاه؟ وإن أهملاه سهوا لم يؤمن أن يهملا شيئا كثيرا من الإنجيل ولعلهما لم يصح عندهما، والدليل على عدم صحته تناقض متى ولوقا فيه، فإن اللصين عند متى كافران بالمسيح، وعند لوقا أحدهما كافر والآخر مؤمن وذلك قبيح جدا.
2. التناقض الواضح بين هذه الأناجيل:
قال لوقا: "قال يسوع: لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس، بل ليخلص. فمضوا إلى قرية أخرى". (لوقا 9: 56) وخالفه أصحابه فقالوا: بل قال: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا". (متى 10: 34)، وهذا تناقض وتكاذب لا خفاء فيه، ونحن ننزه التلاميذ عن هذا التناقض القبيح، والنقل غير الصحيح، إذ بعضهم يجعله جاء رحمة للعالمين، والآخرون يقولون: بل جاء نقمة على الخلائق أجمعين" [12].
هذا، ولم يقتصر التحريف على العهود الغابرة [13]، بل امتد للعصر الحاضر على يد الصهاينة، يقول الأستاذ أحمد عبد الوهاب: "رأينا فيما سبق أن العقيدة الصهيونية التي تدعو اليهود للسيطرة على العالم، والتحكم في مقدراته، قد حددت وسائلها لتنفيذ ذلك المخطط الصهيوني الرهيب.
ومن أخطر هذه الوسائل ما يتعلق بالخطة الخاصة بهدم العقائد الدينية، والتشكيك فيها عن طريق العبث بتراثها الديني وكتبها المقدسة.
ولما كان المؤتمر الديني العالمي الذي عقد بالفاتيكان في الستينيات من هذا القرن، قد أقر - بعد مجادلات وانقسامات لأسباب مختلفة - ما أصبح يعرف باسم "وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح"، فقد أثبتت تلك الوثيقة صدق توقعات معارضيها، من رجال الدين المسيحي، فقد كان رأي أولئك العلماء أن اعتراف المسيحية بما جاء بوثيقة التبرئة إنما يعني بالضرورة إعادة كتابة الأناجيل والأسفار المسيحية المقدسة، حتى تتطابق عقائد الكنيسة في القرن العشرين مع عقائدها في القرن الأول للمسيحية.
وهذا ما حدث بالفعل، فقد تكفلت إسرائيل - التي تمثل تجسيد العقيدة الصهيونية - بذلك، فقامت بإعادة كتابة الأناجيل والرسائل المقدسة وحرفتها بأن غيرت فيها، وبدلت؛ حتى تقترب في صورتها المحرفة مع ما جاء في وثيقة التبرئة. ولقد صدرت هذه الطبعة المحرفة لأسفار العهد الجديد عن "دار النشر اليهودية" بالقدس في عام 1970م، وتقوم بتوزيع نسختها الإنجليزية - التي نعتمد عليها في هذه الدراسة - وكالة ريد بلندن.
تقول مقدمة الترجمة المحرفة لأسفار العهد الجديد - أو ما سوف نصطلح على تسميتها باسم "النسخة الإسرائيلية" وذلك للتمييز بينها وبين الترجمة المسيحية المعتمدة التي سنشير إليها باسم النسخة المعتمدة - ما يلي: إن هذه الترجمة اليهودية والمعتمدة للعهد الجديد يمكن وصفها بأنها: العهد الجديد خاليا من معاداة السامية.
إن التعديلات التي أدخلت هنا على ترجمة عام 1611م الإنجليزية المعتمدة، يمكن إثباتها من المصادر الأولى، وقد اختيرت جميعها لهدف واحد هو: التخلص - بقدر ما تسمح به الحقيقة - مما تحويه تلك الكلمة النكدة والتي تهدف إلى بذر العداوة بين المسيحيين واليهود.
إن تعاليم العهد الجديد الحقيقي تتضمن المحبة، بدلا من تلك الكراهية القاتلة، وعلى هذا الأساس فإن هذه الترجمة اليهودية يحق لها أن يقال بأنها الترجمة المسيحية الصادقة، وفيما عدا ذلك من تعديلات، فإن نصوص هذه الترجمة تبقى كما هي في ترجمة 1611م، ولتجنب أي لبس فإن الحواشي المذكورة في نهاية الصفحات تبين في كل لحظة موضع الانحراف الذي حدث للترجمة المعتمدة، بحيث يمكن القول بأن هذا الكتاب يعتمد على الترجمة المعتمدة والترجمة اليهودية على السواء. إن هذه الترجمة تمثل إعلانا - تأخر كثيرا عن موعده - للتقارب بين المسيحية واليهودية.
من هذا يتبين لنا بوضوح نظرة الترجمة الإسرائيلية المحرفة لمحتويات العهد الجديد الذي قبلته الكنيسة وعلمت به وعملت من أجله طوال تسعة عشر قرنا مضت، كذلك تتحدد الخطة العامة للتحريف التي يستطيع القارئ حين يتصفح النسخة الإسرائيلية المحرفة أن يقرر أنها قد سارت على النحو الآتي:
• محو كلمة "اليهود" من أسفار العهد الجديد - وهي الكلمة التي تكرر ذكرها 159 مرة - ثم استبدال كلمات مختلفة بها؛ في محاولة لتمييع المسئولية التي تكون قد علقت باليهود من جراء قول أو فعل نسبته إليهم تلك الأسفار، لذلك نجد كلمة "اليهود" قد محيت ثم استبدلت بها كلمات أخرى؛ مثل: مواطني ولاية اليهودية، وفيهم اليهود وغير اليهود، وهؤلاء قد أطلق عليهم "أهل اليهودية".
• محو ما يتعلق بالشعب اليهودي باعتباره جماعة دينية ترتبط بـ "الناموس" و "المجمع" ويقوم على رأسها "الشيوخ"، و "رؤساء الكهنة" وتعرف بينها طوائف "الفريسيين" وجماعة "اللاويين"، ففي النسخة الإسرائيلية المحرفة نجد "الناموس" قد استبدل به "الكتاب المقدس"، واستبدل بالمجمع "الحكمة"، وبالشيوخ "المتشرعين، " وبرؤساء الكهنة "القسس والكهنة"، وبالفريسيين "المنعزلين" وباللاويين "المساعدين، " كذلك استبدل بمشيخة الشعب اليهودي "مثيري الرعاع"، وبالجمع أو الجميع أو المجموع من اليهود الغوغاء أو الرعاع، و "بخدام اليهود" الخدام، فقط مع إسقاط كلمة "اليهودية".
• التخلص من كلمة "الصلب" وما يشتق منها، وذلك بتحريفها إلى كلمات أخرى قد تقترب منها في المعنى، أو لا تقترب على الإطلاق؛ مثل استبدالهم بكلمة "اصلبه" كلمات أخرى؛ نحو: "خذه" أو "أبعده"، أو "انفه"، أو "اشنقه".
• تجنب كلمة القتل وما يشتق منها، وذلك باستبدال كلمات أقل حدة بها؛ ككلمات: يدين أو ينفي أو يأخذ أو يضايق أو ينكر أو يقاوم.
• محو الفقرات التي تلقى مسئولية دم يسوع على اليهود وأولادهم من بعدهم، واستبدال فقرات أخرى بها تحمل المصلوب وزر [14] دمه المراق.
• تحميل الرومان مسئولية حادثة الصلب بعد تخليص اليهود منه، وذلك بتحريف الفقرات التي تلصق تلك المسئولية باليهود، أو بالشعب اليهودي، وإلصاقها بالحاكم الروماني بيلاطس، رغم ما تقرره أسفار العهد الجديد بوضوح لا يحتمل اللبس من أن بيلاطس حاول إنقاذ يسوع، وإطلاق سراحه، هدية من السلطة الرومانية الحاكمة للشعب اليهودي في عيده، فلم يصلح حتى اضطر إلى أن أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا: إني بريء من دم هذا البار.
• تحريف الفقرات التي خاطب بها تلاميذ المسيح اليهود مباشرة، وأدانوهم فيها لمواقفهم الإجرامية من المسيح، وذلك بتحويلها من صيغة ضمير المخاطب الحاضر إلى صيغة ضمير الغائب، فاستبدل بالضمير "أنتم"؛ الضمير "هو" حتى تضيع المسئولية في تحديد من "هم".
هذا، ولسوف نعرض فيما يلي عينات ونماذج لما أصاب أسفار العهد الجديد من تحريف على يد المحرفين الإسرائيليين، وقد بلغت جملتها 636 تحريفا، مع الإشارة إلى أن الأعداد - التي تبين مقدار ما أصاب أي سفر من التحريف - قد أحصيت من الهوامش المذكورة في النسخة الإسرائيلية المحرفة، وهي لذلك تعتمد على أمانة القائمين على التحريف في رصد تلك الحواشي، إن كان لهم بقية من أمانة يمكن الإشارة إليها في حديث.
ثم يورد الأستاذ أحمد عبد الوهاب نماذج التحريف، التي نقتبس منها ما يلي:
1. تشتمل الترجمة المحرفة لإنجيل متى على 91 تحريفا موزعة على إصحاحاته الثماني والعشرين، لكن أكثر هذه التحريفات وأخطرها - ولا شك - هو ما حدث للإصحاحات الأخيرة، وخاصة الإصحاح السادس والعشرين والإصحاح السابع والعشرين، وهما اللذان يرويان أحداث الصلب، وما سبقها من دسائس ومؤامرات وفيما يلي نماذج لبعض ما عاناه هذا الإنجيل من تحريف.
تقول النسخة المعتمدة: "ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له". (متى2: 1، 2). [15] وفي هذا تقول النسخة الإسرائيلية: "قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهودية". ونقرأ في النسخة المعتمدة: "ولكن احذروا من الناس، لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وفي مجامعهم يجلدونكم ". (متى10: 17). وهذه تقرأ في النسخة الإسرائيلية: "وفي محاكمهم يجلدونكم".
وتقول النسخة المعتمدة: "من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وفي اليوم الثالث يقوم ". (متى16: 21). وهذه يناظرها في النسخة الإسرائيلية: "يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرا من المتشرعين الكهنة والكتبة".
وفي نذير المسيح إلى الكتبة والفريسيين - فرق يهودية - تقول النسخة المعتمدة: "أيها الحيات أولاد الأفاعي! كيف تهربون من دينونة جهنم؟ لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم، وتطردون من مدينة إلى مدينة". (متى23: 33، 34). لكن النسخة الإسرائيلية تحاول الهرب من كلمة "الصلب" ولذلك تقول: "ها أنا أرسل إليكم أنبياء، فمنهم تقتلون وتشنقون، ومنهم تجلدون في محاكمكم".
ولما قررت العصابة التي تحكم الشعب اليهودي التخلص من المسيح، تجد النسخة المعتمدة تقول: "حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا، وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه". (متى26: 3، 4). لكن النسخة الإسرائيلية تحاول التخفيف من هدف المؤامرة على المسيح فتحرف كلمة القتل إلى النفي أو الإبعاد، ولذلك نقرأ فيها الفقرة السابقة هكذا: "وتشاوروا لكي يمسكوا بيسوع بمكر وينفوه".
لقد تظاهر جمع كثير من الشعب اليهودي ضد المسيح ساعين للقبض عليه توطئة لقتله. وفي هذا تقول النسخة المعتمدة: "وفيما هو يتكلم، إذا يهوذا أحد الاثنى عشر قد جاء ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلا: الذي أقبله هو هو. أمسكوه". (متى 26: 47، 48).
ولما كانت النسخة المعتمدة تقرر أن تلك الجموع الثائرة ضد المسيح هي جموع يهودية كانت تلتقي به في الهيكل وتستمع إلى تعليمه، وذلك حين تقول: "في تلك الساعة قال يسوع للجموع: كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني! كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ولم تمسكوني". (متى26: 55).
لذلك لجأت النسخة الإسرائيلية - في محاولة لتمييع القضية ومنع تحديد المسئولية - إلى استبدال كلمة "رعاع" بكلمة "جمع" مع إسقاط كل ما يشير إلى أن هذا الجمع الكثير من الشعب اليهودي، قد جاء من عند قادته، وذلك بحذف الفقرة التي تقول: "من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب"، وبهذا صارت النسخة الإسرائيلية تقرأ هكذا: "وفيما هو يتكلم إذا يهوذا أحد الاثنى عشر قد جاء ومعه رعاع كثير بسيوف وعصي، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلا: الذي أقبل هو هو، أمسكوه".
وأخيرا - وليس آخرا - ونحن نأتي إلى المثل الأخير لما أصاب إنجيل متى من تحريف، فإننا نأتي كذلك إلى بيت القصيد الذي من أجله نسجت - ولا تزال تنسج إلى الآن - المؤامرات الدينية والسياسية، ألا وهو تقرير أن دم يسوع يتحمل إثمه يسوع نفسه وليس أحد سواه، ولئن صح ذلك فلا بد أن تزول عن اليهود، وعن أولادهم من بعدهم كل مسئولية تتعلق بتلك الجريمة النكراء، وما على العالم المسيحي - بعد هذا التحريف - إلا أن يبكي على المآسي والنكبات التي ذاقتها اليهود من جراء خطيئة تقرر خطأ - منذ ما يقرب من ألفي عام - تحميلهم تبعتها!!
ففي محاولة من الوالي الروماني لفك أسر يسوع وتخليصه من القتل، تذكر النسخة المعتمدة ما جرى بينه وبين اليهود من محاولات كان آخرها حين قال الوالي: "وأي شر عمل؟ فكانوا يزدادون صراخا قائلين: «ليصلب!» فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا، بل بالحري يحدث شغب، أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلا: «إني بريء من دم هذا البار! أبصروا أنتم!». فأجاب جميع الشعب وقالوا: «دمه علينا وعلى أولادنا». حينئذ أطلق لهم باراباس، وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب". (متى27: 23 - 26). أما النسخة الإسرائيلية فإنها تقول: "قال الوالي: وأي شر عمل، فكانوا يزدادون صراخا قائلين: ليمت، فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا بالحري يحدث شغبا، أخذ ماء وغسل يديه قدام الرعاع، قائلا: إني بريء من دم هذا البار، أبصروا أنتم، فأجاب الرعاع وقالوا: دمه عليه".
2. وبلغت تحريفات إنجيل مرقس 52 تحريفا، وكما حدث لإنجيل متى فقد تركزت هذه التحريفات في كل ما يتعلق بأحداث الصلب، وفيما يلي عرض لبعض منها:
تقول النسخة المعتمدة: "وكانوا في الطريق صاعدين إلى أورشليم ويتقدمهم يسوع، وكانوا يتحيرون. وفيما هم يتبعون كانوا يخافون. فأخذ الاثنى عشر أيضا وابتدأ يقول لهم عما سيحدث له: ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الأمم". (مرقس10: 32، 33). لكن النسخة الإسرائيلية خففت الحكم بالموت، وجعلته مجرد إدانة، وفي هذا تقول: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى الكهنة والكتبة فيدينونه".
3. وبلغت تحريفات إنجيل لوقا 73 تحريفا أدخل أغلبها على قصة الصلب؛ بهدف إبعاد المسئولية عن اليهود، وإلقاء الشبهة على رعاع ذلك الشعب والطبقة الدنيا منه، مع بيان أن ثورة أولئك الرعاع ضد المسيح لم تكن تبغي صلبه، وإنما كانت تطالب بإبعاده أو التخلص منه بصورة أو بأخرى. وفيما يلي عرض لبعض ما تقوله كل من النسختين - المعتمدة والإسرائيلية - في هذا المجال.
تقول النسخة المعتمدة: "وقرب عيد الفطير، الذي يقال له الفصح. وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه، لأنهم خافوا الشعب". (لوقا 22: 1، 2). وتقول النسخة الإسرائيلية: "وكان الكهنة والكتبة يطلبون كيف يضايقونه". وفي بدء أحداث الصلب، تقول النسخة المعتمدة: "وبينما هو يتكلم إذا جمع، والذي يدعي يهوذا، أحد الاثنى عشر، يتقدمهم، فدنا من يسوع ليقبله". (لوقا 22: 47). وتقول النسخة الإسرائيلية: "وبينما هو يتكلم إذا رعاع والذي يدعي يهوذا"، وتقول النسخة المعتمدة: "ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب: رؤساء الكهنة والكتبة، وأصعدوه إلى مجمعهم". (لوقا 22: 66). بينما تقول النسخة الإسرائيلية: "ولما كان النهار اجتمع مثيرو الرعاع والكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم". ونقرأ في النسخة المعتمدة: "فقام كل جمهورهم وجاءوا به إلى بيلاطس". (لوقا 23: 1). بينما تقرأ ذلك في النسخة الإسرائيلية: "فقام كل رعاعهم، وجاءوا به إلى بيلاطس".
4. ويعد إنجيل يوحنا أكثر الأناجيل تحريفا، فقد بلغت جملة تحريفاته 135، وما ذلك إلا لأن الخط العام الذي سار عليه المحرفون هو محو كلمة "اليهود" التي تكررت فيه 153 مرة، وهو رقم يزيد عن عشرة أمثال ورودها في أي من الأناجيل الثلاثة السابقة؛ لذلك فاز إنجيل يوحنا بأكبر عدد من التحاريف. وفيما يلي عرض لبعض ما تذكره كل من النسختين - المعتمدة والإسرائيلية - في مختلف المواقف والروايات:
تقول النسخة المعتمدة: "وهذه هي شهادة يوحنا، حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه: «من أنت؟». فاعترف ولم ينكر، وأقر: «إني لست أنا المسيح»". (يوحنا 1: 19، 20). وتقول النسخة الإسرائيلية: "وكان الفصح اليهودي قريبا، فصعد يسوع إلى أورشليم". وتقول النسخة المعتمدة: "كان إنسان من الفريسيين اسمه نيقوديموس، رئيس لليهود". (يوحنا 3: 1). وتقول النسخة الإسرائيلية: "كان إنسان من المنعزلين اسمه نيقوديموس رئيسا للعبريين".
وحين شفي المسيح مريضا في السبت، تقول النسخة المعتمدة: "ولهذا كان اليهود يطردون يسوع، ويطلبون أن يقتلوه، لأنه عمل هذا في سبت. فأجابهم يسوع: «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل». فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضا: إن الله أبوه، معادلا نفسه بالله". (يوحنا 5: 16ـ 18). لكن النسخة الإسرائيلية تقول في ذلك: "لهذا كان أهل اليهودية يطردون يسوع ويطلبون أن يضايقوه؛ لأنه عمل هذا في السبت، فمن أجل هذا كان أهل اليهودية يطلبون أكثر، أن يضايقوه".
كذلك تقول النسخة المعتمدة: "وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه". (يوحنا 7: 1). بينما تقول النسخة الإسرائيلية: "وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل؛ لأنه لم يرد أن يتردد في ولاية اليهودية؛ لأن أهل اليهودية كانوا يطلبون أن يضايقوه".
5. وأصيب سفر أعمال الرسل بأكبر عدد من التحريفات، فقد بلغت جملتها 165 تحريفا، وترجع الزيادة في هذا الرقم لنفس السبب الذي ذكر عند الكلام على التحريف في إنجيل يوحنا، ألا وهو كثرة ذكر هذا السفر لكلمة "اليهود"، فقد تكررت 64 مرة، بالإضافة إلى سرده للمحاورات والمواجهات التي حدثت بين تلاميذ المسيح وبين اليهود، وما تطلبه ذلك من تسجيل هذا السفر لما كان يوجه من كلام إلى اليهود بطريق مباشر، أو ما كان يقال عنهم، بطريق غير مباشر.
تقول النسخة المعتمدة: "فوقف بطرس مع الأحد عشر ورفع صوته وقال لهم: أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون، ليكن هذا معلوما عندكم وأصغوا إلى كلامي... أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضا تعلمون. هذا أخذتموه مسلما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه". (أعمال الرسل 2: 14ـ 23). لكن النسخة الإسرائيلية تقذف بهذا الاتهام الصريح بعيدا عن الإسرائيليين وتلصقه بكل جرأة بالرومان، وذلك حين تقول: "وقف بطرس مع الأحد عشر ورفع صوته وقال: هذا أخذتموه مسلما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وقد صلبته أيدي الرومان وقتلته".
واستمرارا لحديث بطرس السابق إلى الإسرائيليين، تقول النسخة المعتمدة: "فليعلم يقينا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربا ومسيحا". (أعمال الرسل 2: 36). بينما تقول النسخة الإسرائيلية: "ليعلم يقينا أن الله جعل يسوع هذا المصلوب، ربا ومسيحا".
هل - بعد كل هذا - لا يزال هناك موضع ومبرر لعاقل يحترم عقول الناس وأفهامهم لأن يدعوهم إلى تقديس الإنجيل - بوضعه الحالي - والتبرك بقراءته؟!! صدق من قال: اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، وربما تصدق أنت نفسك من طول تعهدك الكذب وإلفك إياه.
يا الله يا حي يا قيوم يا واهب الإنسان العقل ومكرم بني آدم به من بين خلقك، أهذا مضمون كتاب - فيه ما فيه من دس وتحريف وخداع وتمويه - يستحق أن ينسب لبشر عاقل. فضلا عن أن يعد كتابا سماويا مقدسا يستأهل من الناس التقديس والاحترام، أم هو مجرد إثبات وجود، وحفاظ على مكاسب، تحققت لفئة من السدنة عبر التاريخ؟!!
المراجع
- [8]. موقف ابن تيمية من النصرانية، د. مريم عبد الرحمن زامل، معهد البحوث بجامعة أم القرى، مكة الكرمة، ط1، 1997م، ص83 وما بعدها.
- [9]. المهيمن: المسيطر.
- [10]. موقف ابن تيمية من النصرانية، د. مريم عبد الرحمن زامل، معهد البحوث، جامعة أم القرى، الرياض، ط1، 1997م، ص124 وما بعدها.
- [11]. انخرام: افتقاد وضياع.
- [12]. تخجيل من حرف التوراة والإنجيل، أبو البقاء الهاشمي، تحقيق: د. محمود قدح، مكتبة العبيكان، الرياض، ط1، 1998م، ج1، ص283 وما بعدها.
- [13]. الغابرة: القديمة.
- [14]. الوزر: الذنب.
- [15]. إسرائيل حرفت الأناجيل، أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2، 1997م، ص41 وما بعدها.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد