محتوي المقال

ثالثا. خصائص عقيدة التوحيد وثبوتها في بعض نصوص العهدين القديم والجديد: 


إن عقيدة التوحيد هي الأساس الذي دعا إليه القرآن الكريم وتنبني عليه عقيدة كل مسلم، وهي دائمة في حياة البشرية لا يكف المؤمن عن الدعوة إليها، فلا يدعى إليها الكفار وحدهم لكي يؤمنوا، و لا المشركون وحدهم ليصوبوا اعتقادهم، ولكن يدعى إليها المؤمنون بها كذلك ويذكرون بها، كي تظل حية في قلوبهم، راسخة في ضمائرهم، عاملة في واقع حياتهم، لا يفترون عنها، ولا يغفلون عن مقتضياتها، فالإنسان يحتاج دائما إلى التوحيد، ولذلك نرى أن الله - عز وجل - عندما أرسل الرسل كان أول ما يأمرهم أن يبلغوه هو "عبادة الله وحده لا شريك له". 

يقول الله سبحانه وتعالى:

(ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26))

(هود)،

ويقول سبحانه وتعالى:

(وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50))

(هود)

ويقول سبحانه وتعالى:

(وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)

(هود: 61)،


ويقول سبحانه وتعالى:

(وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)

(هود: 84)  [3].


ولقد جاءت نصوص التوحيد في أسفار موسى - عليه السلام - التي يقدسها النصارى كذلك، وخاصة سفري التثنية والخروج فيما يسمى بـ "الوصايا العشر"، حيث جاء في سفر الخروج: "احفظ ما أنا موصيك اليوم. ها أنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين. احترز من أن تقطع عهدا مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخا في وسطك، بل تهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم، وتقطعون سواريهم. فإنك لا تسجد لإله آخر، لأن الرب اسمه غيور. إله غيور هو". (الخروج 34: 11 - 14). 


وجاء فىه أيضا: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي". (الخروج 20: 3 - 5). 


من هذا يتضح أن الله دعا إلى وحدانيته في أول وصاياه لنبيه موسى - عليه السلام - كما رقي بالعقل البشري من خلال هذه الوصية أن يدعي لله شريكا، أو أن تنبت فيه فكرة التشبيه والتمثيل لهذا الإله الخالق، وبين له أنه لا يتجسد في أحد، ولا يحل في إنسان، فإذا جاء بعد موسى من يدعي هذا، فلا يصح أن ينسب لأنبياء الله ورسله، وهذا كان واضحا في الوصية الثانية التي نفت نفيا تاما أن يكون هناك شريك للخالق في ملكه، أو شبيها له في الأرض والسماء، وقد ساق المسيح - عليه السلام - هذه الوصية، كذلك حين أراد أن يفصح أمام الملأ عن جوهر العقيدة التي يحق لأتباعه أن يتمسكوا بها ويسيروا على دربها، وهي هي العقيدة نفسها التي نطقت بها اليهودية، وسجلت صيغتها بنفس الحروف تقريبا في سفر التثنية الذي جاء فيه: "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك". (التثنية 6: 4، 5). وتشابه العبارتين يدل على مدى قرب المسيحية من اليهودية في العقيدة، ومن ثم فأي مخالفة لهذه العقيدة يعتبر في حد ذاته جرما لا مغفرة له؛ لأنه يحمل جرثومة الكفر ويؤدي إلى تكذيب الأنبياء، ولقد ذكرت دائرة المعارف الأمريكية (أن المسيحية اشتقت من اليهودية، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد، وأن التوحيد هو القاعدة الأولى من قواعد العقيدة) [4].


وعقيدة التوحيد عقيدة واضحة بسيطة، لا غموض فيها ولا تعقيد: حيث تتلخص في القول بأن هذا الكون البديع المحكم التكوين لا يقوم بنفسه بل إن وراءه إلها واحدا وربا خالقا قائما على خلقه، وأن هذا الإله ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحبة ولا ولد، كل ما في الكون خلقه، وإليه المرجع والمآب، وتلك عقيدة لا غموض فيها ولا ألغاز، تتناسب مع مقتضيات العقل التي تبحث عن معاني الوحدة وراء التنوع والكثرة وتعمد إلى إرجاع الأشياء المتفرقة دوما إلى سبب واحد [5]. فليس في عقيدة التوحيد ما في غيرها من الغموض والتعقيد. 


أما عقيدة التثليث - في حقيقة أمرها - عقيدة وثنية غامضة معقدة، وهي دخيلة على دين الله، فالله سبحانه منزه عن أن يشبهه شيء أو يشبه هو سبحانه شيئا آخر. يقول الشيخ السيد سابق: عقيدة التثليث أساسها الثالوث الأقدس، أي المركب من ثلاثة أقانيم - أصول - هي: الآب والابن وروح القدس، وهي جواهر ثلاثة، وكل جوهر منها مستقل عن الآخر، والثلاثة مع ذلك إله واحد، والتثليث ليس خاصا بالنصارى، فقد جاء في دائرة معارف القرن التاسع عشر الفرنسية قولها في تحديد الدين لفظة ثالوث: "إنه اتحاد ثلاثة أشخاص متميزة مكونة لإله واحد في عقيدة الديانة النصرانية وبعض الديانات الأخرى، فيقال، مثلا، الثالوث النصراني والثالوث الهندي". 


 وقال الأستاذ محمد فريد وجدي: "نعم كان الثالوث موجودا في ديانة قدماء المصريين بالنسبة لآلهتهم الوطنية، وقد اندثرت تلك الديانة الآن، والثالوث الهندي موجود للآن لدى الملايين من الناس في الهند والصين، وهو أن البراهمة يعتقدون أن الخالق تجسد أولا في "برهما" ثم في "فيشنو" ثم في "سيفا"، ويصورونهم ملتصقين إشارة إلى هذا التجسد الثلاثي، ويعتقد البوذيون أن الإله فيشنو الذي هو أحد أركان الثالوث الهندي تجسد مرارا عديدة لتخليص العالم من الشرور والذنوب، وكان تجسده في بوذا للمرة التاسعة. 


 هذه العقيدة هي في حقيقة أمرها وثنية، ودخيلة على دين الله، فالله منزه عن أن يشبهه شيء، أو يشبه هو شيئا آخر،

(ليس كمثله شيء)

(الشورى: ١١)

وذاته فوق متناول العقول

(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103))

(الأنعام)،

ولا يجوز أن تتركب ذاته المقدسة من أجزاء، أو تتحد بالأشياء، أو تحل في خلق من المخلوقات

(ولا يحيطون به علما) (110)

(طه: ١١٠)  [6]. 


إن عقيدة التثليث غامضة معقدة، تقف أمام العقل دون أن يستطيع العاقل أن يجمع بينها وبين عقله، فإما أن يتخلى عنها إذا احترم عقله، وإما أن يتخلى عن عقله إذا تمسك بها؟! وهذا اعتراف جوستاف لوبون أحد قادة الفكر في أوربا يتحدث عن بساطة التوحيد، وغموض العقائد في الديانات الأخرى قائلا: "إذا رجعنا إلى القرآن الكريم في عقائده الرئيسية أمكننا عد الإسلام صورة مبسطة عن النصرانية، ومع ذلك فإن الإسلام يختلف عن النصرانية في كثير من الأصول ولا سيما في التوحيد المطلق الذي هو أصل أساسي، وذلك أن الإله الواحد الذي دعا إليه الإسلام مهيمن على كل شيء، ولا تحف به الملائكة والقديسون وغيرهم ممن يفرض تقديسهم. 


وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم، وتشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام، فالإسلام إدراكه سهل، خال مما نراه في الأديان الأخرى ويأباه الذوق السليم غالبا من المتناقضات والغوامض، ولا شيء أكثر وضوحا وأقل غموضا من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله، وببضعة فروض يدخل الجنة من يقوم بها، ويدخل النار من يعرض عنها. 


وإنك ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة إلا رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقد ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة، وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثا عن التثليث والاستحالة، وما شابه ذلك من الغوامض من غير أن يكون من علماء اللاهوت الواقفين على دقائق الجدل [7].


الخلاصة: 


•   القرآن الكريم هو كتاب التوحيد الخالص، الذي ينص على نفي التثليث، وكفر معتقده، والنهي عن القول به، والآية التي احتجوا بها تؤكد كغيرها من الآيات على أن عيسى ابن مريم وليس ابن الله، فهو بشر، وهو رسول الله. 
•   مفهوم التثليث بعيد كل البعد عن اعتقاد المسلمين جميعا عوامهم وخواصهم، فالبسملة توحيد في مقابل تثليث، فالله تعالى واحد له أسماؤه وصفاته العديدة التي منها الرحمن الرحيم. 
•   وعوام المسلمين حينما يقسمون، لا يدور بخاطرهم أبدا أن الله الذي يحلفون به ثلاثا هو الآب والابن والروح القدس، ولكن الله عندهم واحد، أحد، فرد، صمد، وهم يقسمون به ثلاثا، لا أنه عندهم مؤلف من ثلاثة أقانيم كما يقوله النصارى في ربهم. 
•   عقيدة التوحيد عقيدة واضحة بسيطة، لا غموض فيها ولا تعقيد، حيث إنها تتلخص في القول بأن هذا الكون البديع لا يقوم بنفسه، بل إن وراءه إلها واحدا وربا خالقا، وأن هذا الإله لا شريك له، ولا شبيه له سبحانه. 
•   أما عقيدة التثليث - في حقيقة أمرها - فهي عقيدة وثنية عرفها كثير من الديانات القديمة، وهي عقيدة غامضة معقدة، تقف أمام العقل دون أن يستطيع العاقل أن يجمع بينها وبين عقله، فإما أن يتخلى عنها إذا احترم عقله، وإما أن يتخلى عن عقله إذا تمسك بها. 

المراجع

  1. [3]. مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط9، 1418هـ/ 1997م.
  2.  [4]. أصول العقيدة الإسلامية، د. محمد سلامة أبو خليفة، دار الهاني، مصر، ط1، 2005م. 
  3.  [5]. المسيحية بين التوحيد والتثليث وموقف الإسلام منها، د. عبد المنعم فؤاد، مكتبة العبيكان، السعودية، ط1، 2002م، ص99: 102. 
  4.  [6]. انظر: العقائد الإسلامية، السيد سابق، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ط3، 1976م. 
  5.  [7]. حضارة العرب، جوستاف لوبون، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، ط1، 1994م، ص125 بتصرف يسير.


 

تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية