محتوي المقال

ثالثا. تدليس بولس بداية الانحراف والتحول: 


ولد بولس في طرسوس لأب يهودي، وكان في مبدأ حياته يضطهد أتباع المسيح، إلى أن زعم أن المسيح ظهر له فرآه عيانا فتحول إلى الإيمان بالمسيح وبشر بالمسيحية في آسيا الصغرى والبلقان، وإيطاليا وإسبانيا، ويعتبر بولس هو مؤسس المسيحية الحقيقي، ويغلب على اعتقاد معتنقيها في كل أقطار الأرض. 


تحت عنوان "خصوصية دعوة المسيح" يجمل د. عبد الرحمن جيرة طبيعة هذا التحول الذي تم على يد بولس قائلا: "يؤكد القرآن الكريم خصوصية رسالة المسيح - عليه السلام - ببني إسرائيل،

قال سبحانه وتعالى:

(ورسولا إلى بني إسرائيل)

(آل عمران: 49)،

ومن خلال الواقع التاريخي لدعوته - عليه السلام - لا تجد من بين تلاميذه من هو من غير اليهود، ولا يذكر إنجيل من الأناجيل الأربعة أن المسيح دعا غير اليهود، بينما تلاميذ بولس جميعهم باستثناء اثنين أو ثلاثة من غير اليهود. 


وتختلف المسيحية التي أنشأها بولس عن تلك التي جاء بها المسيح في جنسها وفكرها، فالمسيح كان إسرائيليا يعيش بين أحضان الكنعانيين - الفلسطينيين - إلا أنه ما رأى أن دعوتهم واجبة عليه، وحتى عندما تدعو الظروف إلى ذلك. 
 وبعد أن يورد النص السابق عن المرأة الكنعانية التي استغاثت بعيسى ليشفي ابنتها، فكان جوابه: لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة، يقول المؤلف: فهذا نص صريح، ولكن تأمل ماذا فعل بولس؟ لقد ترك فلسطين بما فيها من يهود وكنعانيين، سامريين وعبرانيين، وانطلق إلى الرومان ليعرض عليهم ما لا يمكن تصديقه ولا قبوله في فلسطين" [11].


وقد نعجب - بعد ذلك - من أمر بولس، وتحريفه الديانة النصرانية، وتحويلها عن وجهتها الأصلية، وهي الخصوصية لبني إسرائيل فقط إلى العمومية والعالمية، متسائلين كيف أمكن له ذلك؟ وبأي الوسائل أتمه؟ وأية مسالك سلكها وصولا إلى هدفه؟
إن معظم المصادر - كما يقول د. فرج الله عبد الباري - تشير إلى أن بولس بعد رؤيته المزعومة كان يبذل جهدا غير عادي للتبشير بدعوته، وكان لا يكل ولا يمل من الاتصال باليهود وبغيرهم من اليونانيين والوثنيين، ويرصد لنا شارل جينبير حركة بولس ودعوته بقوله: "كان يرتحل من بلدة إلى أخرى، ولا يقيم بضعة أيام في أي منها إلا حينما يجد جاليات يهودية مهمة، وكان يبدأ الحديث في المعابد فتثير آراؤه غضب اليهود، وعندما يستطيع أن يهدئ من روعهم يحاول إقناع من يأتي إليه من طلاب المعرفة". 


وفي أثناء ذلك كان يكاتب سائر الكنائس التي غرسها بغية تدعيمها، إن الحركة وحدها لا تكفي، ولكن يجب أن يكون مع الحركة والدعوة شيء آخر ما هو؟
لقد رسم بولس خطة ذكية، تمثلت هذه الخطة في مخاطبة كل جماعة بما يناسبها، بمعنى أنه كان لا يصادر فكر أحد من الذين يدعوهم، بل على العكس كان يثبت لهم أن عقائدهم لا تخالف ما يدعو هو إليه، بل أكثر من هذا كان يثبت لهم أن ما يعتقدونه هو نفسه ما جاء به المسيح. 


فهل يا ترى من الممكن أن يرفض أحد دعوته؟ ولندلك على صحة ما ذهبنا إليه بأحد النصوص من رسائله الأولى إلى كورنثوس، يقول: "فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس مع أني لست بلا ناموس لله، بل تحت ناموس للمسيح لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء، لأخلص على كل حال قوما. وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل، لأكون شريكا فيه". (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 9: 20ـ 23). 


في هذا النص سر النجاح الذي لاقاه بولس: الخداع والكذب والحربائية، ليضلل من يدعوهم من الأمميين ويوهمهم بأن ما هم عليه لا يخالف ما يدعو إليه، وكما يقول جينيبر: "لم يكن غير اليهود في هذا العصر يهتم بدعوة عيسى، ولم يكن غير اليوناني يستطيع أن يمد في أبعاد هذه الدعوة حتى يبلغ بها حدود العالمية، لقد جمع بولس بين اليهودية واليونانية، ثم أضاف إليها ميزة ثالثة غالية هي تمتعه بالجنسية اليونانية، أو بتعبير أدق حصوله على صفة المواطن الروماني. 


وكانت تلك الميزة ذات نفع كبير متعدد الجوانب، كانت تحميه من الانزلاق إلى تعصب يهود فلسطين القومي الذي اتصف بضيق الأفق وكراهية الأجنبي، وكانت تدعوه إلى العالمية في التفكير والعمل، ثم كانت هي السبب الذي اتخذه، وهو لا يكاد يشعر، ليرتفع بالأمل الذي ظهر بين طائفة محدودة من اليهود إلى مرتبة الأديان الإنسانية؛ لذلك كله نستطيع وصف بولس بأنه كان " منشئ المستقبل". 


وقد سلك بولس هذا مسالك شتى لإرضاء الأمميين ونشر دعوته فيما بينهم، ولم تكن دعوى عالمية النصرانية إلا واحدة مما ابتدعه بولس في دين المسيح، ويضاف إليها إقدامه على إلغاء الختان على ثبوته في العهد القديم وإقرار المسيح له، وادعاء صلب المسيح وتأليهه هو طامة من طوام بولس بعيدة الأثر في النصرانية إلى اليوم، فهو المروج الأكبر، والداعي الأكبر إليهما، وبلغ به تلبيسه أنه وقف يحدث اليونانيين أن لهم إلها مجهولا يقيمون له معبدا، وأنه جاء ليدلهم عليه وأن معبودهم هذا الوثني هو المسيح يسوع!
وكذلك سار بولس في كل طائفة يزين لها دعوته بما يجد لديها من عقائد، فتبدلت النصرانية بين يديه كثيرا بحسب عقائد الأقوام الذين يتوجه بدعوته إليهم. ولم تزل آثار صنعه المشئوم قائمة في الديانة النصرانية إلى اليوم.


رابعا. مناقشة ما ورد في إنجيل متى حول عالمية النصرانية:

 
ورد في متى: "فتقدم يسوع وكلمهم قائلا: «دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس»". (متى 28: 18، 19). 
يقول د. وليم إدي: كان إرسال المبشرين بالإنجيل في أول الأمر إلى اليهود فقط، ولكن المسيح أطلقه هنا فأمر بتبشير كل الناس يهودا أو أمما، وهذا مناقض لآراء اليهود كل المناقضة، حتى إن تلاميذ المسيح توقفوا عن طاعة هذا الأمر لتعصبهم اليهودي، فانقضى عليهم سنون وهم متأخرون عن إجرائه، حتى ألزمهم الاضطهاد في أورشليم أن يذهبوا منها ويبشروا الأمم. إن الاعتراف بخصوصية رسالة عيسى - عليه السلام - يكاد يظهر بين ثنايا كلام مفسر نص إنجيل متى. 


إذا قلنا إن الدعوة في البداية كانت لليهود، فلنا أن نتساءل: هل نسخ هذا الأمر بأمر آخر للتلاميذ أن يذهبوا ويكرزوا لسائر الأمم؟ والنصارى لا يعترفون بالنسخ، فعلام يحمل الأمر أولا وأخيرا؟ ثم إذا رفض التلاميذ أو عيسى معلمهم فعلام يحمل هذا الرفض؟ وهل ينبغي للرسل أن يمتنعوا عن تنفيذ أمر معلمهم وهو من صميم الطاعة له؟
 كل هذه إلزامات لا نجد إجابة لها عند أحد مفسري إنجيل متى في هذا النص وغيره من النصوص، وتقول إنهم رسل مجاراة للنصارى في إطلاق هذا الوصف عليهم، وإن كنا لا نوافقهم عليه، ثم لنا أن نقول إنه على فرض أن التلاميذ رفضوا ثم اضطروا إلى تبشير الأمم بعد الاضطهاد، فهو أمر ضروري طارئ وليس من أصل الرسالة، كما يفهم من كلام وليم إدي وسوف نورد من الأدلة ما يدحض حجة النصارى عموما حول هذه القضية. 


وبصرف النظر عن تفسير النص، فإن إنجيل متى نفسه دار حوله أخذ ورد، فإن علماء اللاهوت النصارى وجهوا النقد إلى إنجيل متى نفسه، وعلى وجه الخصوص خاتمته التي ورد فيها النص بعموم رسالة المسيح، ومما ذكروه: 


1.  أن الغموض يحيط بكاتبه وتاريخ تأليفه والمكان الذي كتب فيه، فلا يعرف على وجه التأكيد اسم مؤلفه، وقد ضاعت النسخة الأصلية ووجدت ترجمتها، ولا يعرف أي شيء عن الشخص الذي ترجمها حتى اسمه مجهول، فكيف يعتمد عليه؟ وهل يصدق بأنه كتاب مقدس؟ 
2.  ثم تأتي خاتمة إنجيل متى التي يشكك فيها الباحثون ويعتبرونها دخيلة عليه، فهي تنسب للمسيح قوله لتلاميذه "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" ويرجع السبب في ذلك الشك - كما يقول أدولف هرنك - إلى الآتي: 


•   لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم المسيحية ما يتكلم عن المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من بين الأموات، وأن بولس لا يعلم شيئا عن هذا. 
•   إن صيغة التثليث التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس، غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها نفوذ في عصر الرسل. 
وقد نبه علماء الإسلام إلى تفرد متى بهذه العبارات، يقول يحيى بن نصر في مجادلته للنصارى حول زعمهم عالمية النصرانية: "فمن أين أخذتم هذا الاعتقاد" ومن أتاكم به؟ وفي أي كتاب نزل؟ وأي نبي تنبأ به؟ وأي قول قاله المسيح حتى استدللتم به على هذا المعنى حتى تدعوه فيه؟ وهل بنيتم إلا على قول متى عن المسيح إنه قاله لتلامذته حين أراد أن يفارقهم... إلخ وانفراد متى وحده بهذه الرواية على هذا النحو، ينفي عنها أية قدسية، فمع أنها باطلة أصلا، فإن أحدا من الأناجيل المعتمدة لدى النصارى لم يذكرها، فقد ذكر لوقا ومرقس لفظ "الكرز" وهو التبشير والوعظ للأمم، ولكن لم يذكرا التعميد باسم الآب، والابن والروح القدس. 


ومع أن إنجيل يوحنا أشد الأناجيل حرصا على تدوين أقوال المسيح وأعماله وباعتراف علماء النصارى، ومنهم الخمسمائة الذين اشتركوا في دائرة المعارف البريطانية، أنه ألف بعد المسيح بفترة للرد على منكري ألوهيته، فإن هذه الفقرة رغم أهميتها عند النصارى، ليس لها أصل في هذا الإنجيل، علما أنه انفرد عمن سواه بين الأناجيل بذكر أشياء كثيرة أقل أهمية من هذه العبارة ولا تتوقف عليها النجاة. ولقد انبنى على الخلاف الواقع في ألفاظ هذه العبارة خلاف شديد بين طوائف النصارى حتى حكمت كل طائفة على غيرها بالكفر، ما لم يجر التعميد على طريقتها. 


ومما يدلل على كذب متى في نسبته هذا القول للمسيح أن التثليث وألوهية المسيح لم يتقررا في عقيدة النصارى إلا في نهاية الربع الأول من القرن الرابع الميلادي بموجب قرارات مجمع نيقية الذي تم عقده في 325م بأمر قسطنطين إمبراطور الدولة الرومانية، أما ألوهية روح القدس فلم تقرر هذه الأخرى إلا في مجمع قسطنطينية 381م، الأمر الذي يقطع بأن هذه الفقرات مصطنعة ألحقت وأضيفت بعد ذلك إلى إنجيل متى خصوصا وأنها تتناقض مع تعاليم المسيح وتلاميذه حال حياته، من أن الدعوة كانت لبني إسرائيل فقط، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن إنجيل متى محرف ومبدل ونسخته الأصلية ليست موجودة، يقول رحمة الله الهندي: إن إنجيل متى كان باللسان العبراني، وفقد بسبب تحريف الفرق المسيحية، والموجود الآن ترجمته، ولا يوجد عندهم سند هذه الترجمة، فلا يعلم باليقين اسم المترجم أيضا إلى هذا الحين. 


وحتى على فرض وجود هذه الأمور، معلومية مصدر إنجيل متى وكاتبه ومترجمه، فإن بعض شراح الأناجيل يعتبرون أن هذا الإنجيل كتب لليهود وليس للأمميين، ولذلك استحق أن يكتب في أول العهد الجديد، والدليل على ذلك في رأي "وليم إدي": إذ يصرح بيسوع مرسلا مخصوصا إلى اليهود، فهذا مفسر من مفسري الإنجيل يقول بأن إنجيل متى يصرح فيه على لسان المسيح بأن عيسى مرسل مخصوص إلى اليهود، وهل نقول بغير ذلك؟ فلم إذن إضافة الفقرات التي تدعو سائر الأمم إليه؟ إن وجود النص المصرح بدعوة جميع الأمم إلى النصرانية دليل على التحريف الذي مارسه النصارى بعد عيسى - عليه السلام - على دعوته وإنجيله الحق الذي أنزله الله عليه - وعلمه إياه، وبشر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كنبي خاتم بدين ناسخ لما قبله من الأديان ومن بينها النصرانية. 


 وعلى هذا المنوال يسير الباحث في مناقشته لما ورد في إنجيل مرقس حول عالمية النصرانية إلى أن يقول: وأخيرا فإن الخلاصة أن الباحثين فرغوا منذ أمد بعيد من الإقرار بأن خاتمة مرقس الوارد بها النص الخاص بدعوة الأمم لا وجود لها في أقدم النسخ المنسوبة إلى مرقس، وأنها أضيفت في وقت متأخر باستثناء الفقرات الأولى منها، حتى إن بعض النسخ استباحت أن تضع ملخصا لهذا الجزء المضاف بدلا من نصه، وعلى هذا فتكون الفقرات الأخيرة التي تتحدث عن عموم الدعوة مضافة، ولم تصدر أساسا عن المسيح عليه السلام "  [12].
هذه إذن قصة التحول إلى العالمية - المزعومة - للنصرانية عن خصوصيتها الثابتة لبني إسرائيل، فهل ما يزال هناك مجال للتمادي في هذا الباطل، وبالمقابل إنكار الحق الثابت بعالمية دعوة الإسلام، وختمها ونسخها لرسالات السماء؟!


الخلاصة: 


• الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، نص على ذلك نبيها صلى الله عليه وسلم، وشهد به تاريخها، وتظهره أجلى ظهور دراسة عقيدتها وتشريعاتها، وأنها صالحة لهداية الضمير البشري والمجتمع في كل زمان وبيئة. 
• الثابت الصحيح بنصوص الإنجيل الواضحة الصريحة وممارسات صاحب الرسالة عيسى - عليه السلام - أن النصرانية ديانة خاصة لقومه بني إسرائيل. 
• تحولت النصرانية عن خصوصيتها إلى العالمية على يد بولس الذي حرف كثيرا من عقائدها وأصولها، وجارى كل أمة في باطلها استمالة لها إلى النصرانية، بل أدخل في صلب العقيدة ما يناسب ذوق المدعوين كالقول بالصلب، والتثليث، وتأليه البشر... إلخ. 
• نصوص الأناجيل الدالة على العالمية نصوص مضافة ملفقة غير موجودة في النسخ الأصلية، ولم تثبت عن المسيح، كما ذكر نقاد الكتاب المقدس، ولا عن تلامذته الأصلاء، بل إن بعضهم اختلف مع بولس حين دعا إلى عقيدتهم أمما من غير بني إسرائيل. 

المراجع

  1. [11]. من يرعى الخراف، د. عبد الرحمن جيرة، دار المحدثين، القاهرة، ط2، 2007م، ص60، 61. 
  2.  [12]. من يرعى الخراف، د. عبد الرحمن جيرة، دار المحدثين، القاهرة، ط2، 2007م، ص57 وما بعدها.


 

تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية