محتوي المقال
رابعا. مدار التحليل والتحريم في الشريعة الإسلامية:
هل للشريعة مقاصد وأهداف لما شرعته من أحكام؟ سواء ما أمرت به من فرائض ومندوبات، وما نهت عنه من محرمات ومكروهات، وما جعلت للمكلفين الخيار في أحكامها في فعله وتركه من مباحات.
أم أن الشريعة في أحكامها تعبدية تحكمية، تأمر وتنهي، وتحلل وتحرم، دون أن تقصد إلى شيء وراء أمرها ونهيها، وحظرها وإباحتها؟ وبعبارة أخرى: هل أحكام الشريعة معللة بعلل مفهومة للبشر أم لا؟
ونبادر فنقول: إن الجمهرة العظمى من علماء الأمة من السلف والخلف، متفقون على أن أحكام الشريعة - في جملتها - معللة، وأن لها مقاصد في كل ما شرعته، وأن هذه المقاصد والعلل والحكم معقولة ومفهومة تفصيلا، إلا في بعض الأحكام التعبدية المحضة، والتي كان من الحكمة المعقولة أيضا ألا يعرف تفصيل ما وراءها من أسرار.
ومما لا ريب فيه لأي دارس أن الشريعة الإسلامية أقامت أحكامها على رعاية مصالح المكلفين، ودرء المفاسد عنهم، وتحقيق أقصى الخير لهم.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته وجوده وإحسانه أن يتعبد خلقه بما فيه صلاحهم وفلاحهم في العاجلة والآجلة، ولهذا نقرأ في كتاب الله آية الوضوء:
(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6))
(المائدة)
، وفي الصلاة نقرأ: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)
(العنكبوت: 45).
وفي الزكاة نقرأ:
(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)
(التوبة: ١٠٣).
وفي الصوم:
(لعلكم تتقون (183))
(البقرة)،
وفي الحج:
(ليشهدوا منافع لهم)
(الحج: ٢٨).
فإذا كانت مصالح المكلفين مرعية في ذات العبادات التي اعتبر التعبد هو المقصود الأول منها، فكيف بأمور المعاملات الدنيوية التي تنتظم بها معايشهم وعلاقاتهم أفرادا وأسرا ومجتمعات وأمما؟
ولهذا أكد المحققون من علماء الأمة: أن الشريعة إنما وضعت لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد، أو في العاجل والآجل... وبهذا يتبين لنا شمول المصلحة التي قصدت الشريعة إلى إقامتها وحفظها. فهي ليست المصلحة الدنيوية فحسب، كما يدعو خصوم الدين، ولا المصلحة المادية فقط، كما يريد أعداء الروحية، ولا المصلحة الفردية وحدها، كما ينادي عشاق الوجودية وأنصار الرأسمالية ولا مصلحة الجماعة أو البروليتاريا كما يدعو إلى ذلك أتباع الماركسية والمذاهب الجماعية، ولا المصلحة الآتية للجيل الحاضر وحده، كما تتصور بعض النظرات السطحية. إنما المصلحة التي قامت عليها الشريعة في كلياتها وجزئياتها، وراعتها في عامة أحكامها، هي المصلحة التي تسع الدنيا والآخرة، وتشمل المادة والروح، وتوازن بين الفرد والمجتمع وبين الطبقة والأمة، وبين المصلحة القومية الخاصة والمصلحة الإنسانية العامة، والموازنة بالقسط بين هذه المصالح المتقابلة المتضاربة في كثير من الأحيان لا ينهض بها علم بشر، وحكمة بشر، وقدرة بشر.
وإذا كانت الشريعة تقصد إلى رعاية المصالح، فهي بالتالي تقصد إلى إزالة المفاسد ومنعها، حتى إن بعض الذين اعتبروا المصلحة دليلا شرعيا مستقلا استندوا إلى حديث: «لا ضرر ولا ضرار» [19].
ومعنى "لا ضرر ولا ضرار": أي لا يضر الإنسان نفسه ولا يضار غيره. أو لا يضر غيره ابتداء ولا يضاره جزاء. وإذا ثبت نفي الضرر والضرار لزم أن ترعى المصالح والمنافع وتحفظ.
وقد أخذ العلماء منه أن الأصل في المضار التحريم؛ لأن كلمة "ضرر" جاءت نكرة في سياق النفي فتعم كل ضرر كان. بخلاف المنافع، فالأصل فيها الإباحة
لقوله سبحانه وتعالى:
(خلق لكم ما في الأرض جميعا)
(البقرة: ٢٩).
وحفظ المصالح أو المقاصد الشرعية تكون من جهتين: إيجابية بحفظ ما يثبت قواعدها ويقيم أركانها. وسلبية بدرء الاختلال الواقع أو المتوقع عنها.
ومن ثم كان درء المفاسد لازما لإقامة المصالح، بل هو داخل في مراعاتها من جهة العدم كما قال الشاطبي، وعلى هذا الأساس العريض قامت أوامر الشرع ونواهيه [20].
ولعله قد تأكد مما سبق أن شيئا في الشريعة الإسلامية لم يحل أو يحرم تعسفا أو بلا حكمة، بل إن أحكام الشريعة وأوامرها ونواهيها تقصد على إقامة المصلحة ودرء المفسدة، وقد كشف لنا العلم الحديث عن علل كثيرة لتحريم لحم الخنزير مثلا، مما ينزه هذه الشريعة عن العبث، ويثبت إلهيتها.
الخلاصة:
• الدين الإلهي واحد في أصله السماوي التوحيدي، أما الشرائع فمتعددة بتعدد الأمم واختلاف الزمان والمكان، وقد تجلت حقيقة هذا الدين الإلهي في صورته النهائية الخاتمة في الإسلام.
• شهد علماء الأديان ونقادها الغربيون أن الأديان السابقة على الإسلام أصابتها يد التحريف والتبديل. ولم يبق بين الأديان دين لم يحرف عقيدة وشريعة غير الإسلام.
• مزية الإسلام الجوهرية أنه دين ودنيا وعبادة ومعاملة، ومن ثم فقد ضبط كل شيء في حياة الناس بمعيار الحلال والحرام، أما الغالب على الأديان الأخرى فهو النظرة الجزئية لا الشاملة، كالجانب الروحاني الغالب على المسيحية مثلا.
• أساس التحليل والتحريم في الشريعة الإسلامية هو إقامة المصالح ورعايتها، ودرء المفاسد والمضار وإزالتها،
وقد قال سبحانه وتعالى:
(ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)
(الأعراف: ١٥٧).
المراجع
- [19]. صحيح: أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق (2758)، وأحمد في مسنده، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم (2867)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (250).
- [20]. انظر: مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط5، 1426هـ/ 2005م، ص57: 66.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد