محتوي المقال
ثانيا. تحريف الديانات السابقة:
مما لا مراء فيه أن الأديان السابقة قد أصابها التحريف والتبديل، مما حرفها عن أداء رسالتها الصحيحة وأوقع في عقيدتها ومسيرتها كثيرا من الأخطاء والأغاليط، وقد حفلت كتبها المقدسة بكثير مما هو بشري ناقص، مما باعد بينها وبين أصلها السماوي، وأفقدها - في نظر كثيرين من نقاد وعلماء الأديان الشرقيين والغربيين - سمة القداسة وصفة السماوية.
لتأكيد هذا نورد شهادات لأحد رجال الدين والقانون وهو د. روبرت كيل تسلر في كتابه "حقيقة الكتاب المقدس" - الذي يقيم التوراة والإنجيل، أو ما يسمى بالعهدين القديم والجديد - يقول: "ووجهة نظرنا هي أن الكتاب المقدس مليء دون شك بالنبضات الإلهية والحقائق الكبرى، ولكنه أيضا كتاب بشري يحتوي على ما لا يحصى من النقص بكل أشكاله [6].
ويعلق مترجم الكتاب على هذا الرأي قائلا: "وهنا أتساءل: ما القيمة العلمية أو الأدبية أو التربوية أو حتى التاريخية لهذا الكتاب، إذا كان يحتوي على ما لا يحصى من النقص البشري؟! ولا أعرف هل يعرف د. روبرت كيل نفسه ما معنى كلمة "كتاب مقدس"؟
فإن معناه أن من أوحى به هو الله، ولا دخل لأي عنصر بشري في محتواه. وعلام الاهتمام بكتاب بشري يجمع في طياته بعضا من الومضات الإلهية، وبه كل هذا النقص والتناقض [7]؟ وبشكل أدق يقول كيل أيضا: "إنه لا توجد صفحة واحدة من صفحات الأناجيل المختلفة لا يحتوي نصها الأصلي على العديد من الاختلافات [8].
وفي موضع ثالث يقول كيل: "وينهى القس شورر كلامه قائلا: إن الهدف من القول بالوحي الكامل للكتاب المقدس، وبالمفهوم الرامي إلى أن يكون الله هو مؤلفه، هو زعم باطل ويتعارض مع المبادئ الأساسية لعقل الإنسان السليم، الأمر الذي تؤكده لنا الاختلافات البينة للنصوص، لذلك لا يمكن أن يتبنى هذا الرأي إلا إنجيليون جاهلون أو من كانت ثقافته ضحلة [9]، وما يزيد دهشتنا أن الكنيسة الكاثوليكية ما زالت تنادي أن الله هو مؤلف الكتاب المقدس. وحتى أشهر آباء الكنيسة - أوجستين - قد صرح بعدم الثقة في الكتاب المقدس لكثرة الأخطاء، لذلك لم يعرف كتاب مثل هذه الأخطاء والتغييرات والتزويرات مثلما عرفه الكتاب المقدس [10].
وينقل عن ثان فيقول: "ويشير يوليشر.. كذلك إلى التغييرات المتعمدة خصوصا في نصوص الأناجيل، حيث يقول: إن الجاهل فقط هو الذي ينكر ذلك. كما أكد كل العلماء في المائة سنة الأخيرة حقيقة وجود العديد من التغييرات المتعمدة التي لحقت بالكتاب المقدس في القرون الأولى الميلادية، ومعظم هؤلاء العلماء الذين أرادوا الكلام عن الكتاب المقدس ونشأته ونصه وقانونيته بصورة جدية من لاهوتي الكنيسة [11].
إذا، فالأديان السماوية، وإن اشتركت في أصلها التوحيدي السماوي، فإن غير الإسلام منها قد حرف وطالت أصوله يد التبديل والتغيير بل التزوير، ولهذا فالإسلام وحده هو من يعد المتحدث الرسمي عن السماء، وأن حلاله وحرامه موافق لتعاليم المولى عز وجل.
ثالثا. مزية الإسلام الكبرى:
بالإضافة لهذا فللإسلام مزية جوهرية هي أنه ليس دين تعاليم روحانية مثالية أخلاقية عقائدية فقط، وإنما هو، كما هو معروف وثابت، دين عقائد وعبادات ومعاملات، ودنيا وآخرة، دين ودولة، عبادة وقيادة، دين عام في الزمان والمكان، صالح لكل عصر ومصر.
ولهذا فقد كثر في شريعته وفقهه التحليل والتحريم لتعرضه بالتنظير والتقييم والتقويم لأحوال الناس المستجدة ومعاشهم المستمر، أما النصرانية فإنها تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، كما هو مشهور في أدبياتها، ومن ثم لا صلة لها بالتحليل والتحريم إلا من طرف خفي خافت باهت.
ومن هنا لا يصح القول ولا تجوز المقارنة بين الإسلام والمسيحية، بحيث يقال إن شريعة محمد مخالفة لدين المسيح مضادة له، تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء. فالإسلام - كما سبق - يوافق النصرانية وغيرها من الأديان السماوية - في أصلها الصحيح قبل التحريف - في عقيدة التوحيد. أما فيما عدا ذلك فلا موضع للمقارنة إذ لا شريعة، ولا فقه، للدنيا في النصرانية تقارن بشريعة الإسلام المفصلة بهذا الشأن، وكما قيل فإن مملكة المسيحية هي السماء لا الأرض. أما الإسلام فمملكته السماء والأرض والحضر والمدر والوبر والسهل والوعر.
والحق أنه لا مقارنة من الأصل، تصح بين دين حفظ الله كتابه المقدس - القرآن الكريم - حرفا حرفا وبين آخر ذهبت قدسية كتابه، وما قد يكون به من شيء من الشرائع، فقد عبثت به يد التأليف والتلفيق البشري على مر القرون باعتراف رجال كنيسته وعلماء لاهوته!
حول هذه المزية الجوهرية للإسلام، من حيث كونه عقيدة وشريعة، وعبادة ومعاملة، وامتيازه بذلك على سائر الأديان، كما وكيفا، التقت أقلام كبار المفكرين والعلماء تؤكدها وتبلورها. يقول الأستاذ أحمد عبد الوهاب مقارنا بين الإسلام وغيره من الأديان، في هذا الشأن تحت عنوان "الدين والناس والحياة": "ماذا يريد الإنسان في هذه الحياة؟ إنه يريد - أولا - تحقيق مطالبه الفطرية والغريزية، ثم هو يريد الأمن والسلام والحرية والفرح والمتعة، والحياة المستمرة. إنه - باختصار - يريد السعادة الأبدية، وهو بالطبع لا يريد مضادات السعادة الأبدية من أحزان وآلام وموت وعذاب، إن الإنسان لا يريد الشقاء.
والمؤمنون - كبشر - ليسوا خروجا عن هذه القاعدة، فهم يبحثون عن السعادة، ويسعون جاهدين من أجلها، وإن اختلفت مفاهيمها لديهم - في بعض الأحيان - عن تلك التي يسعى من أجلها غيرهم. وتحدثنا الكتب المقدسة عما يسعد الإنسان ويشقيه، فتعده بالأولى إذا سار مع الله، وتتوعده بالثانية إذا تمرد على المنهج الإلهي، وجعل الشيطان له قرينا.
ونتبين من التوراة مطالب السعادة التي يرجوها الإسرائيليون، وذلك من أقوال الرب التي جاء بها موسى: "إذا سلكتم في فرائضي وحفظتم وصاياي وعملتم بها، أعطي مطركم في حينه، وتعطي الأرض غلتها، وتعطي أشجار الحقل أثمارها، ويلحق دراسكم بالقطاف، ويلحق القطاف بالزرع، فتأكلون خبزكم للشبع وتسكنون في أرضكم آمنين. وأجعل سلاما في الأرض، فتنامون وليس من يزعجكم. وأبيد الوحوش الرديئة من الأرض، ولا يعبر سيف في أرضكم. وتطردون أعداءكم فيسقطون أمامكم بالسيف. يطرد خمسة منكم مئة، ومئة منكم يطردون ربوة، ويسقط أعداؤكم أمامكم بالسيف. وألتفت إليكم وأثمركم وأكثركم وأفي ميثاقي معكم، فتأكلون العتيق المعتق، وتخرجون العتيق من وجه الجديد. وأجعل مسكني في وسطكم، ولا ترذلكم نفسي. وأسير بينكم وأكون لكم إلها وأنتم تكونون لي شعب". (اللاويين 26: 3 - 12).
كما تحدد لنا التوراة عناصر الشقاء التي يحذرها الإسرائيليون، من قول الرب: "لكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا، وإن رفضتم فرائضي وكرهت أنفسكم أحكامي، فما عملتم كل وصاياي، بل نكثتم ميثاقي، فإني أعمل هذه بكم: أسلط عليكم رعبا وسلا وحمى تفني العينين وتتلف النفس. وتزرعون باطلا زرعكم فيأكله أعداؤكم. وأجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم، ويتسلط عليكم مبغضوكم، وتهربون وليس من يطردكم. وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي، أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم، فأحطم فخار عزكم، وأصير سماءكم كالحديد، وأرضكم كالنحاس، فتفرغ باطلا قوتكم، وأرضكم لا تعطي غلتها، وأشجار الأرض لا تعطي أثمارها. وإن سلكتم معي بالخلاف، ولم تشاءوا أن تسمعوا لي، أزيد عليكم ضربات سبعة أضعاف حسب خطاياكم. أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد، وتقرض بهائمكم، وتقللكم فتوحش طرقكم. وإن لم تتأدبوا مني بذلك، بل سلكتم معي بالخلاف، فإني أنا أسلك معكم بالخلاف، وأضربكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم. أجلب عليكم سيفا ينتقم نقمة الميثاق، فتجتمعون إلى مدنكم وأرسل في وسطكم الوبأ فتدفعون بيد العدو. بكسري لكم عصا الخبز. تخبز عشر نساء خبزكم في تنور واحد، ويرددن خبزكم بالوزن، فتأكلون ولا تشبعون. وإن كنتم بذلك لا تسمعون لي بل سلكتم معي بالخلاف، فأنا أسلك معكم بالخلاف ساخطا، وأؤدبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم، فتأكلون لحم بنيكم، ولحم بناتكم تأكلون. وأخرب مرتفعاتكم، وأقطع شمساتكم، وألقي جثثكم على جثث أصنامكم، وترذلكم نفسي. وأصير مدنكم خربة، ومقادسكم موحشة، ولا أشتم رائحة سروركم. وأوحش الأرض فيستوحش منها أعداؤكم الساكنون فيها. وأذريكم بين الأمم، وأجرد وراءكم السيف فتصير أرضكم موحشة، ومدنكم تصير خربة. حينئذ تستوفي الأرض سبوتها كل أيام وحشتها وأنتم في أرض أعدائكم. حينئذ تسبت الأرض وتستوفي سبوتها. كل أيام وحشتها تسبت ما لم تسبته من سبوتكم في سكنكم عليها. والباقون منكم ألقي الجبانة في قلوبهم في أراضي أعدائهم، فيهزمهم صوت ورقة مندفعة، فيهربون كالهرب من السيف، ويسقطون وليس طارد. ويعثر بعضهم ببعض كما من أمام السيف وليس طارد، ولا يكون لكم قيام أمام أعدائكم، فتهلكون بين الشعوب وتأكلكم أرض أعدائكم". (اللاويين 26: 14 - 38).
ومن هنا نتبين أن السعادة والشقاء في دين الإسرائيليين - وهو ما اصطلح على تسميته باليهودية - إنما هي أمور تتعلق بالحياة الدنيا. فاليهودي لا يرجو إلا نعيم الدنيا، وهو لا يحذر إلا شقاءها.
أما الإنجيل فلا ترجى فيه السعادة إلا في الحياة الآخرة، فلقد قال المسيح في موعظته الشهيرة: "ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال: «طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله. طوباكم أيها الجياع الآن، لأنكم تشبعون. طوباكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون". (لوقا 6: 20، 21).
"لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ". (متى 6: 19، 20).
كذلك لا يحذر الإنسان شقاء إلا شقاء الآخرة: "وإن أعثرتك يدك فاقطعها. خير لك أن تدخل الحياة أقطع من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم، إلى النار التي لا تطفأ. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ. وإن أعثرتك رجلك فاقطعها. خير لك أن تدخل الحياة أعرج من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ. وإن أعثرتك عينك فاقلعها. خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ". (مرقس 9: 43 - 48).
ويذكر الإنجيل بوضوح على لسان المسيح، أنه محال الجمع بين نعيمي الدنيا والآخرة، ولذلك كانت حملته شديدة على الأغنياء وأصحاب الممتلكات الدنيوية، إذ اعتبرهم قد استوفوا نعيمهم في الدنيا، ولم يبق للأغلبية الساحقة منهم - إن لم يكونوا جميعهم - سوى عذاب الآخرة: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؛ لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال. لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس"؟ (متى 6: 24، 25).
"فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه: «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله»! فتحير التلاميذ من كلامه. فأجاب يسوع أيضا وقال لهم: «يا بني، ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله! مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله»". (مرقس 10: 23 - 25).
وأما في القرآن، فيستطيع المسلم أن يحصل على السعادة في الدنيا والآخرة:
قال تعالى:
(فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201))
(البقرة)،
قال عز وجل:
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)
(الأعراف: 32).
ولقد جمع إبراهيم أبو الأنبياء بين خيري الدنيا والآخرة
، إذ قال الله فيه:
(وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27))
(العنكبوت).
والإسلام يحث المسلم على السعي من أجل الغنى وكثرة المال، يطلبه بالطرق المشروعة وينفق منه في أعمال الخير المشروعة، فيسعد دنيا وأخرى، ويسعد الآخرين:
قال تعالى:
(ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة)
(النساء: 100)،
قال سبحانه وتعالى:
(فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى)
(النساء: 95)،
قال سبحانه وتعالى:
(الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274))
(البقرة)،
وقال سبحانه وتعالى:
(ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75))
(النحل).
وجعل الله طاعته وسيلة للحياة السعيدة بإمكاناتها المتنوعة، فكان قول نوح - وغيره من المرسلين - لمن أرسل إليهم:
(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12))
(نوح)،
وكان قول هود لقومه عاد:
(ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52))
(هود).
ولقد استعاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفقر وجعله قرينا للكفر، فقال:
«اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر».
[12]
وقال لسعد بن أبي وقاص:
«إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»
[13].
وعلى المسلم أن يقيم علاقات متوازنة بين مطالب الدنيا والآخرة، كل على قدره، فيحصل بذلك على السعادة فيهما، ولذلك سجل القرآن الكريم هذا القول الحكيم:
(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)
(القصص: 77)،
ولم يكلف المؤمنون بالله أن يعذبوا أنفسهم في الدنيا على أن يعوضوا عن ذلك في الآخرة، فلهم أن يعملوا لسعادتهم في الدنيا، بجانب عملهم لسعادة الآخرة:
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96))
(الأعراف).
وحين يتمرد الإنسان على منهج الله فعليه أن يتوقع الشقاء، لا في الآخرة فحسب، بل في الدنيا كذلك:
(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41))
(الروم)،
(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة)
(النور: 19)
(فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة)
(التوبة).
هذا، ولما كانت الحياة الآخرة حياة الأبد، وكانت الحياة الدنيا قصيرة فانية، كان على المؤمن العاقل أن يوجه همه إلى الآخرة، وأن يستخدم الدنيا وسيلة تعينه على تحقيق سعادته في الآخرة. من أجل ذلك كان على المسلم أن يعترف بسعادة الدنيا والآخرة، ولكن عليه أن يؤثر ما في الآخرة على الدنيا، وعليه كذلك أن يعترف بشقاء الدنيا والآخرة، إلا أن ما في الآخرة أشد وأقسى:
(فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41))
(القصص)،
(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82))
(الأنعام)،
(لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127))
(الأنعام)،
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9))
(لقمان).
وخلاصة القول في النظر إلى سعادة الإنسان وشقائه، أنها في اليهودية دنيوية بحتة، وهي في المسيحية أخروية فحسب، بينما هي في الإسلام تجمع بين هذا وذاك مع ترجيح ما في الآخرة على ما فيها في الدنيا [14].
وهذا الإسلام هداية كاملة للإنسان والناس، فإن الله - عز وجل - جعله كاملا وشاملا، بحيث لا تبقى قضية من قضايا الوجود إلا وقد بين حكمه فيها إباحة أو حرمة، أو كراهة، أو سنية، أو وجوبا، أو فريضة، سواء في ذلك شئون العقيدة أو العبادة أو السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو الحرب أو السلم أو التشريع، إلى آخر ما يتصوره الإنسان من شئون الإنسان. قال الله تعالى واصفا كتابه: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) (النحل: ٨٩)، وما لا يعرف من الكتاب والسنة صراحة، يعرف استنباطا يعرفه مجتهدو الأمة الإسلامية.
فقد بينت في الكتاب والسنة قضايا العقيدة وقضايا العبادة وقضايا المال وقضايا الاجتماع، وقضايا الحرب والسلم، وقضايا التشريع والقضاء، وقضايا العلم والتعليم والثقافة، وقضايا الحكم والسلطان، وقد عبر عن ذلك فقهاؤنا بقولهم: اعلم أن مدار أمور الدين على الاعتقادات والآداب والعبادات والمعاملات والعقوبات [15].
وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ترك أمرا يقربنا من الله إلا وأمرنا به، ولا ترك أمرا يبعدنا عن الله إلا نهانا عنه، حتى تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فالإسلام هو رسالة الحياة كلها، ورسالة الإنسان كله، كما أنه رسالة العالم كله، ورسالة الزمن كله [16].
"إن في الإسلام طائفة من الأصول والتعاليم مقيسة على قابلية النفس الإنسانية، ومؤلفة بحيث تستثير قواها الكامنة فيها، وتوجهها إلى المرامي البعيدة عنها، مزودة بمناعات مناسبة لها، تنتج آثارا يحار في تعليلها العقل [17].
وأخيرا، هذه شهادة لرجل مسيحي غربي هو الكاتب الأيرلندي الشهير "برنارد شو" يقول: "الإسلام هو دين الديمقراطية وحرية الفكر، هو دين العقلاء، وليس فيما أعرف من الأديان نظام اجتماعي صالح كالنظام الذي يقوم على القوانين والتعاليم الإسلامية، الإسلام هو الدين الوحيد الذي يبدو لي أن له طاقة هائلة لملاءمة أوجه الحياة المتغيرة، وهو صالح لكل العصور [18].
لعله اتضح - للعقلاء الموضوعيين - الآن لماذا كثر في الإسلام - دون سواه - التحليل والتحريم، منحازا بذلك عن غيره من الأديان، فلا محل إذا للمغالطة في هذا الشأن.
المراجع
- [6]. حقيقة الكتاب المقدس تحت مجهر علماء اللاهوت، ترجمة وتعليق: علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص13.
- [7]. حقيقة الكتاب المقدس تحت مجهر علماء اللاهوت، ترجمة وتعليق: علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص13، 14.
- [8]. حقيقة الكتاب المقدس تحت مجهر علماء اللاهوت، ترجمة وتعليق: علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص16.
- [9]. الضحلة: القليلة.
- [10]. حقيقة الكتاب المقدس تحت مجهر علماء اللاهوت، ترجمة وتعليق: علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص18.
- [11]. حقيقة الكتاب المقدس تحت مجهر علماء اللاهوت، ترجمة وتعليق: علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص30.
- [12]. صحيح الإسناد: أخرجه أحمد في مسنده، مسند الكوفيين، حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة رضي الله عنه (20397)، والبخاري في الأدب المفرد، كتاب الأذكار، باب الدعاء عند الكرب (701)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي (1347).
- [13]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء بدفع الوباء والوجع (6012)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (4296).
- [14]. الإسلام والأديان الأخرى: نقاط الاتفاق والاختلاف، أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2، 1419هـ/ 1998م، ص71: 77.
- [15]. الإسلام، سعيد حوى، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2، 1425هـ/ 2004م، ج1، ص6.
- [16]. نحو وحدة فكرية، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1991م، ص45.
- [17]. من معالم الإسلام، د. محمد فريد وجدي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1414هـ/ 1994م، ص79.
- [18]. الإسلام بعيون مسيحية، لطفي حداد، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1، 2004م، ص209.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد