محتوي المقال

سادسا. المستقبل للإسلام إن شاء الله: 


هذه ملامح مسيرة الديانتين (النصرانية والإسلام) ومدى تأثيرهما في مجريات الواقع تاريخيا، وقبل هذا مدى قابلية جوهرهما وطبيعتهما للتأثير في واقع البشر، وما من شك في أن الإسلام ينفرد بإلحاحه على الالتفات لواقع الإنسان والمجتمع، ومجريات الحياة الإنسانية والتنظير لها وتقويمها، فهل لهذا الدين مستقبل في حياة البشر؟
يجيب عن هذا التساؤل مجموعة من أعلام المفكرين، يقول الأستاذ محمد فريد وجدي في ختام مقال له بعنوان "المستقبل للإسلام": "هذا هو الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - دينا عاما للبشر كافة، فهل تجد محيصا للبشر عنه؟ كيف يعقل ذلك والفطرة أساسه والعقل نبراسه والعلم مادته؟ وهل للبشر محيص عن هذه الأصول الطبيعية مهما حاولوا ذلك وتكلفوه؟ فإن كان في العالم أصول كلما أمعنت في البعد عنها ازدادت قربا منها، فهي الفطرة والعقل والعلم. 


وهذا كله معنى

قوله سبحانه وتعالى:

(أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84))

(آل عمران)

، وقوله جل شأنه:

(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175))

(النساء).

وقوله عز وجل:

(ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6))

(سبأ)  [69].


وتحت عنوان "هل استنفدت الحضارة الإسلامية أغراضها"؟ يقول د. عبد الله علوان: بلغت الحضارة الإسلامية من النضج والازدهار، ما جعلها بحق أن تكون أستاذة الحضارات في فترات طويلة من التاريخ، بل كانت البشرية شرقا وغربا تنهل من سلسبيلها العذب، وترتشف من معينها الصافي على مدى العصور وكر الدهور، بل إن أوربا بأسرها - كما اعترف رجال الفكر فيها - لم تنهض حضاريا، ولم تتقدم علميا، ولم تنضج فكريا، إلا بفضل ما أخذوه عن المسلمين من علوم حضارية حية ومعارف كونية متجددة!! إذن فما الذي أصاب المسلمين اليوم؟
هل الذي أصابهم من تخلف حضاري، وانحسار سياسي، وتفكك اجتماعي؛ لأن الإسلام لم يعد صالحا لهذا الزمن، أو لأن مفاتيح الحضارة التي وجدت في الماضي لم تعد صالحة اليوم؟!


في الحقيقة ليس هذا ولا ذاك؛ لأن الإسلام يتسم بالخصائص التالية: 
•     يتسم بالربانية؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد. 
•     ويتسم بالعالمية؛ لأنه شريعة البشرية جمعاء. 
•     ويتسم بالشمول؛ لأنه تنزل لمناهج الحياة. 
•     ويتسم باليسر؛ لأنه دين التيسير ودفع الحرج. 
•     ويتسم بالتجدد؛ لأنه يفي بحاجات البشرية في كل زمان ومكان. 
•     ويتسم بالخلود؛ لأن الله تكفل بحفظه إلى يوم الدين. 


ومن هنا نعلم السر في

قوله سبحانه وتعالى:

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

(المائدة: 3). 


ويكفي الإسلام خلودا وعظمة أن يشهد لصلاحيته كبار رجال القانون الوضعي في الغرب، وهي شهادات معللة، تحمل في عباراتها براهين صدقها، بل معترفة بسبق الشريعة وفضلها وتفوقها، ولا بأس أن نسوق هنا بعض هذه الشهادات للذين لا يزالون يثقون بالفكرة إذا هبت ريحها من جهة الغرب: 


1. يقول د. إيزكو انساباتو: إن الشريعة الإسلامية تفوق في كثير من بحوثها الشرائع الأوربية، بل هي التي تعطي للعالم أرسخ الشرائع ثباتا. 


2. ويقول العلامة شبرل عميد كلية الحقوق بجامعة فيينا في مؤتمر الحقوق سنة 1927م: إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد - صلى الله عليه وسلم - إليها؛ إذ رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون، لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة. 


3. ويقول الفيلسوف الإنجليزي برنارد شو قولته الخالدة: لقد كان دين محمد موضع تقدير سام لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة، وأنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة، وأرى واجبا أن يدعى محمد - صلى الله عليه وسلم - منقذ الإنسانية، وإن رجلا كشاكلته إذا تولى زعامة العالم الحديث فسوف ينجح في حل مشكلاته. 


4. ويقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في كتابه "ملامح تاريخ الإنسانية": إن أوربا مدينة للإسلام بالجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية. 


5. أما المؤرخ الفرنسي سيديو فيؤكد: أن قانون نابليون منقول عن كتاب فقهي في مذهب الإمام مالك هو: "شرح الدردير على متن خليل" 


ويكفي الإسلام عطاء وتجددا أن تشهد المؤتمرات الدولية على صلاحيته وملكة خلوده على مدى الزمان والأيام: 
ففي مدينة لاهاي انعقد مؤتمر دولي للقانون المقارن سنة 1937م. 
وفي نفس المدينة - لاهاي - انعقد مؤتمر المحامين الدولي سنة 1948م.

 
وفي باريس عقدت شعبة الحقوق الشرقية من المجتمع الدولي، مؤتمرا تحت اسم "أسبوع الفقه الإسلامي" سنة 1950، وقد سجلت هذه المؤتمرات القرارات التاريخية التالية: 
•         اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع. 
•         وأنها حية قابلة للتطور. 
•         وأنها شرع قائم بذاته ليس مأخوذا عن غيره. 
•         يجب على جمعية المحامين الدولية أن تتبنى الدراسة المقارنة لهذا التشريع، نظرا لما في التشريع الإسلامي من مرونة. 
•         إن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يماري فيها. 
•         بإمكان الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها" [70].


وقد تعددت التصورات وتنوعت اجتهادات المفكرين الإسلاميين حول أنجح السبل لإقامة مجتمع إسلامي رشيد، بعبارة أخرى لإحداث أكبر تأثير لتعاليم الإسلام الصالحة سلفا للتطبيق والتأثير، كما وضح لنا مما سبق، على عكس زعم الزاعمين أنه بطل مفعولها وتلاشى أثرها. وعن السبيل إلى إقامة مجتمع إسلامي يقول الشيخ الشعراوي - رحمه الله - دعوا الإسلام محققا، وإن لم يكن مطبقا، وبعد ذلك طبق الإسلام فيما ولايتك فيه على نفسك، فلو أن كل واحد فينا طبق الإسلام فيما ولايته على نفسه، لسقط الحاكمون بغير الإسلام وحدهم.

 
ولو أن الحكام يعلمون أن الناس يحبون منهج الله؛ لأنهم يرونهم يطبقونه في نفوسهم، لتقربوا إلى شعوبهم بتطبيق منهج الله.. إن مهمتنا في الحياة نحو مجتمع إسلامي ذات شقين: 
الأول: أن نسعى ونلحق ونجاهد في تطبيق الإسلام. 
الثاني: إذا لم يتحقق التطبيق فعلينا أن نحقق الإسلام ونصفيه علما، علما يجلي عقيدة الإسلام تجلية صافية، ويبين حقيقة القرآن، وما فيه من كنوز ثمينة، وأنه ليس من قول بشر؛ لأن فيه غيبيات تتسامى على قدرات البشر، وعملنا حاليا أن نجلي الإسلام عقيدة وعبادة" [71].


وتحت عنوان "تجديد الإسلام: كيف؟" بمعنى كيفية تنشيط تأثير الإسلام في واقع حياة المسلمين يبين الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - أنه: "وإن كنا يخامرنا الأسى لحال المسلمين في القرون الأخيرة، ولمستواهم العلمي الهابط، ولغيابهم عن المجامع العلمية الناشطة، وقد كان من أثر هذا الغياب أن ألف بعض الأوربيين رسالة عن أثر: ألف ليلة وليلة في التشريع الإسلامي. والتعتيم على حقائق الإسلام تبذل فيه جهود هائلة، ويشارك فيها شياطين الشرق والغرب، حتى ليكاد الدين الصحيح يستخفي من دنيا الناس، فماذا نعمل للنهوض بأعباء المنصب الكبير الذي اصطفانا القدر له بعدما أورثنا القرآن الكريم، وكلفنا أن نتعلمه ونعلمه للآخرين؟


قبل الإجابة المفصلة عن هذا السؤال أود أن أقرر أمورا ذات بال: 
o    أن دار الإسلام لم تنصف الوحي الذي شرفت به، ولم تحسن القيام عليه. 
o  أن العالم - بعيدا عن ديار الوحي، وفي غياب تعاليمه - لم يقف مكتوف الأيدي، بل خط لنفسه مناهج من عنده، اختلط فيها الصالح والطالح. 
o  أنه منذ سقوط بيزنطة، وافتتاح المسلمين للقسطنطينية، اكتشف الأوربيون أمريكا واستولوا على الأندلس، وبدأ عصر الإحياء، ووقعت طفرة علمية لم تعرف الدنيا شبيها لها منذ بدء الخليقة، كما استقرت نظم اجتماعية وسياسية، كثر الحديث فيها عن حقوق الإنسان وكرامات الشعوب. 
o  كان الوجود الإسلامي خلال هذا التحول العالمي يتقلص ويتراجع حتى أمسى أطلالا بالية مع مرور القرن الرابع عشر للهجرة!!
وقد اضطررت أن أضع عشرة تعاليم جديدة تنضاف إلى التعاليم العشرين التي وضعها الإمام حسن البنا لترميم العالم الإسلامي وإصلاح فهمه وعمله به، والواقع أن الجهاد العلمي في معركة البناء فريضة لازمة، وإذا لم ننتصر فيها فسيكون عقابنا شديدا. 


 إن تجديد الإسلام ليس نشاطا في ميدان واحد بل في ميادين شتى، وليس صمودا أمام عدو واحد بل أعداء كثيرين، لعل أشدهم بأسا يكمن في داخل بلادنا. ولا بأس أن أعيد هنا المبادئ العشرة التي اقترحتها ترشيدا لمسيرة الإصلاح عندنا: 
1.  النساء شقائق الرجال وطلب العلم فريضة على الجنسين كليهما، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللنساء - في حدود الآداب الإسلامية - حق المشاركة في بناء المجتمع وحمايته. 


2.  الأسرة أساس الكيان الخلقي والاجتماعي للأمة، والمحضن [72] الطبيعي للأجيال الناشئة، وعلى الآباء والأمهات واجبات مشتركة لتهيئة الجو الصالح بينهما، والرجل هو رب الأسرة، ومسئوليته محدودة بما شرع الله لأفرادها جميعا. 


3.  للإنسان حقوق مادية، وأدبية تناسب تكريم الله له، ومنزلته الرفيعة على ظهر الأرض، وقد شرع الإسلام هذه الحقوق ودعا إلى احترامها. 


4.  الحكام - ملوكا كانوا أم رؤساء - أجراء لدى شعوبهم، يرعون مصالحها الدينية والدنيوية، ووجودهم مستمد من هذه الرعاية المفروضة ومن رضا السواد الأعظم بها، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الأمة كرها، أو يسوس [73] أمورها استبدادا. 


5.  الشورى أساس الحكم، ولكل شعب أن يختار أسلوب تحقيقها، وأشرف الأساليب ما تمحض لله، وابتعد عن الرياء والمكاثرة والغش وحب الدنيا. 


6.  الملكية الخاصة مصونة بشروطها وحقوقها التي قررها الإسلام، والأمة جسد واحد، لا يهمل منها عضو، ولا تزدرى فيها طائفة، والأخوة العامة هي القانون الذي ينتظم الجماعة كلها فردا فردا، وتخضع له شئونها المادية والأدبية. 


7.  أسرة الدول الإسلامية مسئولة عن الدعوة الإسلامية، وذود المفتريات عنها، ودفع الأذى عن أتباعها حيث كانوا، وعليها أن تبذل الجهود لإحياء الخلافة في الشكل اللائق بمكانتها الدينية. 


8.  اختلاف الدين ليس مصدر خصومة واستعداء، وإنما تشب الحروب إذا وقع عدوان وحدثت فتنة أو ظلمت فئات من الناس. 


9.  علاقة المسلمين بالأسرة الدولية تحكمها مواثيق الإخاء الإنساني المجرد، والمسلمون دعاة لدينهم بالحجة والإقناع فحسب، ولا يضمرون شرا لعباد الله. 


10. يسهم المسلمون مع الأمم الأخرى - على اختلاف دينها ومذاهبها - في كل ما يرقى ماديا ومعنويا بالجنس البشري، وذلك من منطلق الفطرة الإسلامية والقيم التي توارثوها عن خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. 


تلك هي المبادئ العشرة التي أقترح إضافتها، والتي أتقدم بها مع التعاليم العشرين لمجدد القرن الرابع عشر الإمام الشهيد حسن البنا، ولمن شاء أن يقبل أو يرفض، وآخر ما ندعو به:

(واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286))

(البقرة)،

(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)

(هود)  [74].


بل إن بعض هؤلاء المفكرين، إمعانا في التأكيد والإلحاح على الصلة الوثيقة المستمرة، غير المنقطعة أو الجامدة، أو باطلة المفعول، كما يزعم المغالطون - بين تعاليم الإسلام وواقع الحياة، يتواصل بالرؤية الإسلامية مع أحدث التجليات والنظم والأفكار في حياة البشر ليقيمها من المنظور الإسلامي الحي، فحول ما يسمى بالنظام العالمي الجديد وما يثيره من جدل، كتب د. محمد عمارة تحت عنوان "النظام العالمي الجديد، رؤية إسلامية" يقول: "إقامة العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب والدول والحضارات على قاعدة من المساواة في الكرامة، والعدالة في تبادل المنافع، وفق الرؤية الإسلامية هو امتثال لحكم الله، فالتكريم الإلهي هو لبني آدم وليس لشعب أو جنس أو حتى لأبناء دين معين.

 
ليست للإسلام وأمته وحضارته وعالمه مشكلة مع علاقات دولية عادلة ونظام علمي رشيد، بل إن مشاركة المسلمين في إقامة هذه العلاقات الدولية العادلة والنظام العالمي الرشيد هو تكليف إلهي فرضه الله ـعز وجل - على المسلمين، فالتعددية في الشرائع - ومن ثم في الحضارات - وفي اللغات والألوان - أي القوميات والأجناس - وفي القبائل والأمم والشعوب، هذه التعددية - بالنص القرآني - وفي التصور الإسلامي - سنة إلهية وقضاء تكويني لا تبديل ولا تحويل.. وإقامة العلاقات بين فرقاء هذه التعددية بالمعروف، ووفق ما يتعارف عليه الناس، والتعارف أي التفاعل في المعروف هو التكليف الإلهي بإقامة العلاقات مع الآخرين،

قال تعالى:

(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)

(هود)،

وقال عز وجل:

(( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48))

(المائدة)،

وقال عز وجل:

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13))

(الحجرات). 


والتفاعل بين الحضارة الإسلامية وسائر الحضارات الإنسانية، البائدة منها والحية، الماضية منها والمعاصرة، تكليف إلهي أقامه المسلمون بانفتاحهم على مختلف الحضارات، فشريعة من قبلنا شريعة لنا، ما لم تكن هناك خصوصية لشريعتنا نسخت نظيرها في الشرائع الأخرى، والسياسة الشرعية لا تقف عند البلاغ القرآني والبيان النبوي، وإنما يدخل فيها كل ما يحقق الصلاح، وينفي الفساد، إذ هي - في تعريف السلف: "الأعمال والتدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم ينزل بها وحي، أو ينطق بها رسول" ذلك أن "الحكمة" هي في التعريف النبوي - "الإصابة في غير النبوة"، أي الصواب الذي يدركه البشر بالعقل والوجدان، والحواس والتجريب، والمسلمون مدعوون إلى طلب هذه الحكمة - الصواب - من أي مصدر، وأية أمة وأية حضارة، وكما قيل الحكمة ضالة المؤمن أني وجد ها فهو أحق الناس بها. 


ومنذ فجر الإسلام، وضع المسلمون هذا المنهاج في التفاعل الحضاري موضع التطبيق، فأخذوا من تجارب وقواعد وتراتيب الحضارات الأخرى "المشترك الإنساني العام"، وأضافوه إلى "الخصوصيات الإسلامية" التي تميز بها منهاج الرسالة الإسلامية الخاتمة، فاختاروا "التفاعل الحضاري" من موقع "الراشد المستقل"، رافضين "التبعية والتشبه والتقليد" وكذلك العزلة والانغلاق، صنعوا ذلك عندما أخذوا عن الرومان "تدوين الدواوين" ولم يأخذوا "القانون الروماني" استغناء بالشريعة الإسلامية المتميزة، وعندما أخذوا عن الهند الفلك والحساب ولم يأخذوا فلسفة الهند استغناء بالتوحيد، وعندما أخذوا من الإغريق "العلوم التجريبية" ولم يأخذوا أساطيرهم الوثنية، المنافية للتوحيد الإسلامي. 


بل وصنعت ذلك الحضارة الغربية إبان نهضتها الحديثة، عندما أخذت عن الحضارة الإسلامية العلوم التجريبية، والمنهج التجريبي، ولم تأخذ عنا التوحيد ولا الوسطية ولا القيم، وأحيت خصوصياتها الإغريقية والرومانية، فكان هذا الصنيع دليلا على أن التفاعل الصحيح بين الحضارات والعلاقات العادلة والحرة بين الأمم والدول، لا بد أن تتأسس على حرية اختيار الأمم والحضارات لما يناسب هويتها الحضارية المتميزة، فيدعم الاستقلال والتميز لهذه الهوية، وحرية الرفض لما يمسخ ويشوه هذه الخصوصيات، وهذا هو القانون المعيار الذي نريده حاكما للعلاقات بين أمتنا وحضارتنا والأمم والحضارات الأخرى. 


وإذا كانت أمتنا تشكو من التخلف الحضاري، فإن طوق نجاتها من هذا التخلف هو التجديد، والإحياء الحضاري، وأعدى أعداء هذا التجديد هو التقليد، فالتقليد للنماذج الحضارية الغربية والوافدة، يعطل ملكة الإبداع والابتكار. ولن تنهض الأمة إلا بالتجديد، ولن يكون هناك تجديد إلا إذا شعرت الأمة بالحاجة إليه، وبأنه ضروري، ولن يتأتى ذلك إلا إذا آمنت بأن لها في النهضة مشروعا متميزا عن المشاريع الأخرى للحضارات الأخرى، عند ذلك تدفعها الحاجة إلى التجديد والإحياء، وتنمو لديها ملكات الابتكار والإبداع، تلك التي تذبل وتموت في ظل التشبه والمحاكاة والتقليد للآخرين. 


ولقد كانت اليقظة الإسلامية، الحديثة والمعاصرة، على وعي بهذه الحقيقة منذ بداياتها، فدعا أعلامها إلى التمييز في التفاعل الحضاري، والعلاقات مع أمم الحضارات الأخرى، بين النافع والضار، بين الملائم التجريبي ذي القوانين والحقائق العامة والمحايد، وبين الفلسفات والثقافات والعلوم الإنسانية والآداب والفنون، التي موضوعها النفس الإنسانية المتميزة بتميز الحضارات، فقال جمال الدين الأفغاني: "وإن أبا العلم وأمه هو الدليل، والدليل ليس أرسطو بالذات ولا جاليليو بالذات، والحقيقة تلتمس حيث يوجد الدليل. والتمدن الأوربي هو في الحقيقة تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني، والمسلمون الذين يقلدونه إنما يشوهون وجه الأمة، ويضيعون ثروتها، ويحطون من شأنها، إنهم المنافذ لجيوش الغزاة، يمهدون لهم السبيل، ويفتحون لهم الأبواب"، والإمام حسن البنا هو القائل "إن الإسلام لا يأبى أن نقتبس النافع وأن نأخذ الحكمة أنى وجدناها"، ولكنه يأبى كل الإباء أن نتشبه في كل شيء بمن ليسوا من دين الله على شيء، إن الأمة إذا أسلمت في عبادتها، وقلدت غير المسلمين في بقية شئونها، فهي أمة ناقصة الإسلام، تضاهي الذين

قال الله تعالى فيهم:

(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85))

(البقرة: 85). 


إننا نريد أن نفكر تفكيرا استقلاليا، يعتمد على أساس الإسلام الحنيف، لا على أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا نتقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيء، نريد أن نتميز بمقوماتنا ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة، تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد. 


تلك هي صورة العلاقات الدولية العادلة التي نريد أن يكون عالمنا "منتدى حضارات مستقلة"، تتفاعل فيما هو "مشترك إنساني عام"، وتتمايز فيما هو "خصوصيات حضارية"، وتتبادل المنافع وفق معايير عادلة؛ يتحقق الأمن والتقدم والسلام للإنسانية، التي شملها الله - عز وجل - بالتكريم، وحملها أمانة الاستخلاف في إقامة العمران.

 
ونحن نؤمن أننا المالكون للنبأ العظيم، والكتاب المبين، والوحي الوحيد الذي لم يصبه التحريف، وإننا حملة الشريعة الإلهية الخاتمة والخالدة، المصححة لانحرافات وتحريفات الشرائع السابقة، والمصدقة بأنبياء ورسل كل الرسالات الإلهية، والمهيمنة على التراث الديني للإنسانية جمعاء. 


وفي ذلك الوقت نؤمن بمبدأ وقيمة حرية الاعتقاد، فالإيمان الديني في الرؤية الإسلامية هو تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين، ومحال أن يكون هذا الإيمان ثمرة للإكراه له والترهيب

(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)

(البقرة: 256)،

(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)

(الكهف: 29)،

(قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6))

(الكافرون)،

(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28))

(هود)،

(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99))

(يونس).

ولقد أنفق المسلمون الأوائل القرن الأول مع عمر في فتوحات أزالت سلطان البغي - البيزنطي - الذي استعمر الشرق، وفتن أهله عن دينهم، حتى عندما كان دينهم هذا مخالفا لمذهبه داخل النصرانية التي ينتسب إليها الجميع. 


فأنجز المسلمون - ومعهم شعوب الشرق، وهم على ديانتها القديمة - تحرير الأرض، وتحرير الضمير والاعتقاد، وبنوا الدولة، وتركوا الناس أحرارا في اختيار الدين الذي به يؤمنون، فكانت سابقة لا نظير لها في التاريخ. 


فعالمية الإسلام التي لا تجعله دين العرب خاصة، ولا دين جنس من الأجناس دون سواه، وهذه العالمية تتوجه به إلى كل البشر، وتراهم إزاء دعوته إحدى أمتين: 
•         أمة الاستجابة، التي اختارته اختيارا حرا، فالتزمت بأمانة إقامته إلى يوم الدين. 
•         وأمة الدعوة، التي على المسلمين أن يعرضوا عليها الوجه الحق للإسلام، لعل الله أن يهديها إلى هذا الدين. 


وذلك هو التقسيم الإسلامي للعالم، منذ أن ظهر الإسلام، فالناس إزاءه أمة دانت به وله، وأمة هي مدعوة - بالحكمة والموعظة الحسنة - لتدخل فيه. أما ذلك التقسيم القديم، الذي تحدثت عنه مصادر الفقه الإسلامي، والذي قسم العالم دار إسلام وسلام، ودار كفر وحرب، أو إلى دار إسلام، ودار عهد، ودار حرب، فإن الذي اقتضاه وفرضه، هم الذين أعلنوا الحرب المستمرة على الإسلام وأمته وداره منذ فجر ظهور الإسلام، وإلا فبماذا كان مطلوبا من فقهائنا أن يسموا ديار الذين عاشوا يجيشون الجيوش ويشنون الغارات على ديار الإسلام؟!


لقد ظلت القسطنطينية على امتداد تاريخها النصراني - منذ عهد هرقل (610 - 641م) وحتى الفتح الإسلامي لها (857 - 1453م) في حرب دائمة ضد الدولة الإسلامية، والحملات الصليبية - التي قادتها الباباوية الكاثوليكية وقادها أمراء الإقطاع الأوربيون، ومولتها المدن التجارية الأوربية، وشاركت فيها شعوب أوربا؛ هذه الحملات ظلت حربا قائمة ومستمرة على الإسلام وأمته وعالمه قرنين من الزمان (489 - 690هـ)، وفي أثنائها أقامت الصليبية مع الوثنية التترية حلفا ضد دار الإسلام، ولما افتتح المسلمون قاعدة تجييش الجيوش ضد عالمهم - القسطنطينية 857 هـ/1453م - صعد الجناح الغربي للنصرانية الغربية الضغط على الإسلام. فاقتلعوه من الأندلس (897هـ/1492م) وبدأوا حرب القرون الخمسة، تلك التي بدأت بالالتفاف حول العالم الإسلامي، هي الغزوة الاستعمارية الحديثة لقلبه، قبل قرنين من الزمان، وهي الغزوة التي التهمت أقطار الإسلام، وأسقطت خلافته، ولا تزال تمارس الهيمنة والاستغلال لكل عالم الإسلام. 


فهو تاريخ من الحرب الدائمة القائمة، والمعلنة على عالم الإسلام، وذلك الذي جعل فقهاءنا يقسمون العالم إلى دار سلام، ودار دعوة إلى الإسلام، وفي ظل نظام دولي عالمي عادل، يصبح العالم بأسره في الرؤية الإسلامية دار عهد تحكم دوله وشعوبه وحضارته عهود ومواثيق هذا النظام العالمي وآليات مؤسساته العالمية والدولية، وتصبح الشعوب غير المسلمة أهل عهد وأمة دعوة؛ فيسقط تعبير دار الحرب من رؤية الفقه الإسلامي للعلاقات الدولية، إذا طوى الآخرون صفحة الحرب التي أعلنوها على الإسلام. 


تلك هي رؤيتنا للعالم المعاصر الذي نريده، ولقد سبق للإمام البنا أن عبر عن هذه الرؤية عندما كتب يقول: إن الإخوان المسلمين يرون الناس بالنسبة إليهم قسمين: قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه، وآمن ببعثة رسوله وما جاء به، وهؤلاء تربطنا بهم أقدس الروابط، رابطة العقيدة، وهي عندنا أقدس من رابطة الدم، ورابطة الأرض، فهؤلاء هم قومنا الأقربون الذين نحن إليهم ونعمل في سبيلهم ونذود [75] عن حماهم، ونفتديهم بالنفس والمال، في أي أرض كانوا ومن أي سلالة انحدروا:

(إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)

(الحجرات: 10). 


وقوم ليسوا كذلك ولم نرتبط معهم بهذا الرباط، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفوا عدوانهم عنا، ونعتقد أن بيننا وبينهم رابطة الدعوة، علينا أن ندعوهم إلى ما نحن عليه؛ لأنه خير الإنسانية كلها، وأن نسلك إلى نجاح هذه الدعوة ما حدد لها الدين نفسه من سبل ووسائل، فمن اعتدى علينا منهم، رددنا عدوانه بأفضل ما يرد به عدوان المعتدين:

(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم)

(الممتحنة). 


أما النظام العالمي المعاصر، كما تجسده موازين القوى في المؤسسات الدولية والممارسات الواقعية، فإنه في الحقيقة نظام غربي يمثل الطور المعاصر للنظام الاستعماري الغربي الحديث، ويمارس الهيمنة والاستغلال ضد أمم وحضارات الجنوب، وفي مقدمتها الأمة الإسلامية. 


إن عالمية أي نظام لا يمكن أن تتحقق إلا إذا راعت مواثيقه ومؤسساته الخصوصيات الحضارية والعقائدية والثقافية للأمم والحضارات المتميزة في هذا النظام، والمؤسسات الدولية لا يمكن أن تكون دولية حقا إلا إذا راعت المصالح العادلة لمختلف الدول التي تتمتع بعضوية هذه المؤسسات، تراعي ذلك في التمثيل بالمؤسسات العامة والفرعية، وفي اتخاذ القرارات، وفي حق الاعتراض على القرارات - النقض الفيتو - وفي معايير تطبيق القرارات وفي توزيع العوائد المادية، والثقافية، والعلمية، والفنية للمؤسسات والمنظمات الدولية المتخصصة. 


وبذلك وحده يكتسب النظام صفة "العالمية" حقا، وتكون مؤسسات هذا النظام، بحق مؤسسات دولية، ونحن نريد لعالمنا نظاما عالميا عادلا يسعى لتحقيق التوازن - أي العدل - بين شعوب العالم، وأممه وحضاراته، ونعلم أن ذلك لن يتحقق بمجرد التمني

(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123))

(النساء)

؛ وإنما طريقنا إليه إقامة النظام العربي والنظام الذي يجعل من أمتنا وإمكاناتها كتلة ذات وزن في مكونات هذا النظام"  [76].


الخلاصة: 


• المسيحية - في أصلها غير المحرف - ركزت تعاليم رسولها المسيح - عليه السلام - على الجانب الروحي الإنساني في الغالب، كرد فعل على إيغال اليهود في الجانب المادي وإغراقهم فيه، ومن ثم فليس لها كبير اهتمام بواقع حياة الناس ومعاملاتهم، وليس فيها شريعة كشريعة موسى وشريعة محمد. 
• معروف - بالمقابل - أن الإسلام دين الوسطية والشمولية، والقصد والموازنة بين الروحانيات وبين الماديات، والنقل والعقل، وأمر الدنيا والآخرة. ولهذا فتعاليمه - على عكس النصرانية في الغالب - على علاقة وثيقة بمجرى حياة الناس وتعاملاتهم. 
• الحضارة الإسلامية تتسم بنزعة إنسانية واضحة برزت في علاقة المسلمين بغيرهم - زمن قوتهم - وإنصافهم لهم وعدم إكراههم على ما لا يرغبون فيه. 
• محاولة العلمانيين جلب العلمانية - المتنكرة للدين - لمجتمعاتنا، أنتجت زرعا شيطانيا وكيانا غريبا يلفظه الجسد الإسلامي بقوة؛ لأنه علاج لمرض لا يعاني هو منه أصلا. 
• اتسم سلوك الغرب الحضاري - ولا يزال - بقدر كبير من التوحش خصوصا في معاملة الآخر، خاصة المسلمين، والتاريخ والحاضر خير شاهد على العداء المستحكم تجاههم. 
• المستقبل للإسلام - إن شاء الله - لا لغيره، لمقومات ذاتية فيه، فهو الأقرب لواقع البشر والمنظر لمجرى حياتهم، لكن تحقق ذلك على أرض الواقع يقع على عاتق أتباعه، ويتوقف على مدى بذلهم الجهد في هذا المضمار

المراجع

  1. [69]. من معالم الإسلام، د. محمد فريد وجدي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 1414هـ/ 1994م، ص52. 
  2.  [70]. معالم الحضارة في الإسلام، د. عبد الله ناصح علوان، دار السلام، القاهرة، ط2، 1984م، ص153: 157. 
  3.  [71]. الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، مكتبة القرآن، ص122، 123. 
  4.  [72]. المحضن: المكان الذي تجثم فيه الحمامة على بيضها.
  5.  [73]. يسوس: يتولى الرئاسة. 
  6.  [74]. تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، الشيخ محمد الغزالي، دار الشروق، القاهرة، ط3، 1992م، ص33: 36.
  7.  [75]. نذود: ندافع. 
  8.  [76]. الإسلام وضرورة التغيير، كتاب العربي، التاسع والعشرون 15 يوليو 1997م، ص131: 137.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية