محتوي المقال

رابعا. الوحي والصرع: 


زعم المغرضون أن ما كان يعتري [21] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تلقي الوحي، أعراض للهستيريا والصرع! أما ما كان يعتريه فهو - كما وصفته الأحاديث والآثار المروية - تفصد جبينه بالعرق [22] في اليوم شديد البرد، وتربد وجهه [23] واحمراره وإغماض عينيه. فهل هذه أعراض مرض الصرع المعروف؟ وهل يمكن له - إن كان الأمر كما زعموا - أن يبلغ - صلى الله عليه وسلم - فور إفاقته - ما أنزل إليه، أحكاما وتشريعا وأخلاقا في نظام دقيق معجز؟!


لندع الأستاذ محمد فريد وجدي يجيبنا عن هذه التساؤلات؛ إذ كتب تحت عنوان "هل كان محمد يتصنع الوحي"؟ يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بزعمهم مريضا عصبي المزاج مصابا "بالهستيريا"، فيسمع ما لا حقيقة له ويحسبه حقائق، ويصبغه بصبغة العقائد التي تملأ قلبه، والصور التي تشغل عقله. 
لقد ذكرنا شبهة الهستيريا، فلا يصح لنا أن نترك أكثر القراء يتساءلون عن ماهية هذا الداء، وعن كنه [24] الخيالات والضلالات الحسية والمعنوية التي يولدها للمصاب به، وعن مكان هذه الشبهة من سيرة رسول الدين العالمي الأخير. 


 الهستيريا - كما يصفها الأساتذة الأعلام: كريكيه ولاندوزي وشاركو - داء عصبي عضال [25]، أكثر ما يعتري النساء، وهو وراثي، صفاته المميزة: شذوذ خلقي حاد، وحساسية متطرفة تصل إلى حدود غير معقولة، ثم يزداد المرض حدة فيشعر المصاب به بالاختناق، وبضيق في الصدر عظيم وبخفقان مزعج وارتعاش وباضطرابات خطيرة في الهضم، وقد يصحب هذه الأعراض شلل في بعض الأعضاء، فإذا تابع هذا المرض تقدمه، جاء دور التشنج [26]، فيسبقه بكاء وعويل وكرب عظيم، وهذيان ينتهي بالإغماء، فإن تجاوز هذه الدرجة دخل في دور أشد خطورة من كل ما مر، فيرى المريض أشباحا تهدده أو تسخر منه أو تزعجه ويسمع أصواتا لا وجود لها في حس غيره. 


ومن أخص مميزات هذا الدور: شعور المصاب بكرة تأخذ بمخنقه، فلا يزال يضطرب منها حتى تفقده الحس تماما، فيقع في الإغماء وسط حركات مضطربة بيديه ورجليه، وقفز من مكان إلى مكان على صورة تثير الذعر في قلب كل من يراه، فلا يجد لإنقاذه حيلة غير الصبر حتى تزول عنه يسيرا يسيرا لتعاد الكرة عليه بعد حين، فهل كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - هيستيريا تنتابه بهذه الأعراض؟


لو كان كذلك، لوجب وضعه في أقصى درجات هذا المرض؛ لأنه كان يرى شبحا يظنه ملكا، ويسمع صوتا يتخيله وحيا. وهذه الأمور من مميزات الدور الأخير لهذا الداء، حين يتفاقم [27] أمره وتشتد وطأته ويعز [28] شفاؤه، ومتى بلغ المصاب هذا الدور أصبح هدفا لجميع أعراضه، أولها شذوذ الأخلاق والحساسية المتطرفة والخفقان المزعج والبكاء والنشيج والهذيان أي الهلوسة وآخرها التخبط باليدين والرجلين والقفز بالجسم كله من مكان إلى مكان. 


فهل نقل عن خاتم المرسلين شيء من هذه الأعراض، على كثرة الذين تتبعوا حياته وتعقبوا أعماله؟
وهل عهد في تاريخ العالم أن مريضا بمثل هذه الداء الذي أعجز الطب قديما وحديثا، يندب نفسه لتطهير أمة برمتها من أرجاس الوثنية، وتوحيد كلمتها وجمع متفرقها، وإيتائها بدستور ينظم شئونها ويسدد خطواتها، وينقلها من طورها المتحجر الذي كانت فيه إلى أطوار متعاقبة تندفع فيها اندفاعا طبيعيا مرتبا على موجب النواميس الاجتماعية، حتى تصل بعد ثمانين سنة إلى درجة دولة لا تغرب الشمس عن أملاكها، هي أكبر دولة عرفها تاريخ البشر إلى اليوم؟


إذا كان محمد - وهو هيستيري مريض في رأيهم - يوفق إلى مثل هذه الأمور الجسام [29]، حتى يغير سطح المعمورة من حال إلى حال، مما لم تأت بمثله أجيال الفاتحين ولا كبار الملوك والسلاطين، بل ولا أولو العزم من المرسلين، فماذا كان صانعا لو كان رسولا حقا، يرى الملك ويسمع منه الوحي؟ ولو كان هذا حال رجل خيالي مريض شاذ الأخلاق، وعرضة لجميع الأعراض التي ذكرناها - الصنف الذي إذا رأيته رحمته واستعذت بالله - فماذا بقي للصادقين الكاملين وللأصحاء العاملين من الذين إذا رأيتهم افتخرت أن تكون واحدا من أشياعهم؟
هل عهد أحد في تاريخ الإنسانية أن المرضى المتهوسين يصلحون لقيادة أنفسهم؟ فضلا عن التصدي لقيادة الأمم والبلوغ بها إلى أوج [30] لم تصل إليه أمة قبلها ولا بعدها؟!


هب أن الهذيان يؤدي بالمصاب بالهستيريا إلى التصدي لمثل هذه الخطة، فهل يكون حاله في الدعوة إليها أمثل من حال المجنون يضحك من يسمعه يهذي بها، ويستدعي غيره ليشاركه في التلهي بما يقول؟ هل بلغت أن العرب الجاهليين ضحكوا من دعوة محمد - صلى الله علي وسلم - واتخذوها هزوا ولعبا، أم قابلوه بالاضطهاد، وصبوا على أتباعه ألوان العذاب، حتى اضطروهم للهجرة إلى الحبشة مرتين، ثم إلى المدينة، وهناك شنوا عليهم الغارات الشعواء [31]، وتألبوا [32] عليهم، ولم يتركوا وسيلة إلا استخدموها لحل جماعتهم، ثم انتهى أمرهم بالخضوع للنبي خضوعا لا حد له؟


لا يستطيع أعداء محمد - مهما تنطعوا [33] في تصيد الشبهات وتدبيرها من مختلف الأعاليل - أن ينالوا من شخصيته الفذة، فإن ما أثمرته من الثمرات - مما لم يتسن مثله لمصلح أو لرسول قبله - تدحض [34] كل فرية [35] تلفق للحط من قدرها، وتبني لصاحبها صرحا من المجد جديدا، وتوحي إلى الذائدين عن كرامته أدلة تجعل ما لفقه خصومه هشيما تذروه الرياح [36].


هذه المفارقة الواضحة والمسافة الشاسعة بين طبيعة شخصية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يمثله في حياة البشرية وبين حال مصروع متهوس، يهذي وهو لا يدري - كما زعم المبطلون - هي التي حملت د. محمد المسير على أن يتساءل قائلا: "وإذا كان الواحد منا عندما يهمه شيء ويحرص عليه يشغل باله وفكره حتى لا يكاد يحس بمن حوله، فينادي عليه أقرب الناس منه مكانا فلا يسمع له نداء، فما بمالك بالاتصال بالملأ الأعلى والاستغراق في لقاء الملك الروحاني والتلقي عن الله تعالى؟! ثم إن الناس في كل زمان ومكان يرون المصروع ويعرفون الصرع، فهل من المعقول أن يخدع الصحابة جميعا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويصعب عليهم التفريق بين حال الوحي وحال الصرع؟!


إن فاقد الشيء لا يعطيه، والمصروع لا يشفي مصروعا، ولقد كان الصرعى يأتون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلبا للشفاء، «فعن عطاء بن رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك"، فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف، فدعا لها» [37]. فإذا كان الصرعى يأتون رسول الله طلبا للشفاء، فهل يكون الصرع خفيا على الناس يؤمئذ حتى يختلط بالوحي؟! ألا ساء ما يحكمون [38]!


هل بقي مزيد قول في هذا الموضوع؟ لعله من المفيد أن نختم ببحث ناقشت فيه د. هدى عبد الكريم هذه الشبهات مجملة وفندتها [39] في أسلوب علمي رصين، فقالت: "الناظر في مزاعم المستشرقين هذه وفي حال الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وفي كتاب الله تعالى الذي أوحي به إليه، يتبين له بطلان هذه المزاعم من عدة وجوه: 
الأول: أن القرآن الكريم نفسه ينفي أن يكون من صنع البشر وتأليفهم، وإنما هو كلام الله المنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - لهداية الناس وإصلاح حالهم وذلك من عدة نواح: 
1.       من ناحية أسلوبه البليغ المعجز المغاير لأسلوب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صدر عنه من الأقوال غير القرآن، فالحديث يختلف اختلافا كبيرا عن القرآن الكريم من جهة الأسلوب، وكل قارئ يفهم العربية يدرك ما بين الأسلوبين من فرق كبير، فلو كان القرآن صادرا عن محمد نتيجة انفعالاته بما يحدث في حياته وما يجري في مخيلته من أفكار لكان أسلوبه هو نفس أسلوب الأحاديث؛ لأنه لا يمكن أن يكون لكاتب واحد مهما بلغ من الذكاء والعبقرية أسلوبان يختلفان هذا الاختلاف الكبير. 
وبهذا يتبين لنا بطلان دعوى المستشرقين أن القرآن صادر عن النبي صلى الله عليه وسلم. 


2.       من ناحية ما تضمنه من إشارات علمية دقيقة ونبوءات غيبية وأخبار القرون الماضية والتشريع العظيم، وغير ذلك من العلوم والمعارف يزخر بها هذا النهر العظيم، كل ذلك ينفي أن يكون القرآن بشريا، وإلا فمن أين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - الرجل الأمي هذه الحقائق العلمية التي لم يتوصل إلى معرفتها إلا في العصر الحاضر، ومن أين له معرفة أخبار الأولين من الأنبياء والمرسلين؟!


ومن أين له معرفة دقائق التاريخ وأحوال الأمم السابقة، هل عاصرها واطلع على أخبارها؟! وإن إخبار القرآن الكريم بقصص الأمم السابقة وما حل بهم بدقة وتفصيل يؤكد أنه من عند الله، وليس من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يقرأ كتابا ولم يدرس علما قط. وهذه النبوءات الغيبية الموجودة في القرآن من أين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بها؟! إن الإنسان مهما بلغ من العبقرية والذكاء لا يستطيع أن يكشف حجب الغيب المكنون بعبقريته وذكائه. إن كل ذلك يؤكد أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو من عند الله الذي أحاط بكل شيء علما. 


3.       إن القرآن الكريم لا يعكس شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أفراحه وأحزانه، لقد توفي عمه أبو طالب وزوجته خديجة في عام واحد، وحزن عليهما حزنا شديدا حتى سمي ذلك العام بعام الحزن، فهل يوجد في القرآن أي إشارة لكل هذا؟! فلو كان القرآن كما يزعمون نابعا من ذاته لظهرت تلك المشاعر في سور القرآن. 
ثم إن القرآن في بعض المواقف كان يخالف رأي الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان يعاتبه ويلومه على أفعاله كعتابه في موقفه من الرجل الأعمى عبد الله بن أم مكتوم حيث

قال سبحانه وتعالى:

(عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2))

(عبس)،

وكعتابه له في مسألة أسرى بدر

حيث قال:

(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68))

(الأنفال)،

وكعتابه له - صلى الله عليه وسلم - في مسألة الإذن للمنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك،

حيث قال:

(عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43))

(التوبة). 


فلو كان القرآن الكريم نابعا من ذاته لما ظهر فيه مثل ذلك، والعتاب على تلك التصرفات؛ لأن طبع البشر أن يخفوا أخطاءهم وتقصيرهم ولا يذكروها في مؤلفاتهم، وبهذا يظهر أن القرآن الكريم ليس من صنعه إنما هو خارج عن ذاته صلى الله عليه وسلم. 


وليس أدل على أن القرآن ليس من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - من اشتداد حاجة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى شيء منه، فلا يجده إلا بعد فترة من الزمن، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - تمر به بعض المواقف المحرجة يحتاج فيها إلى القرآن لحسم الموقف فلا يجد، مثال ذلك ما حل به - صلى الله عليه وسلم - من الضيق والحرج عندما رماه المنافقون في أهل بيته السيدة عائشة - رضي الله عنها - فلم يستطع - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل شيئا حتى جاءه الوحي ببراءة أهله، وقطع بذلك ألسنة المروجين والخائضين، فلو كان القرآن من عنده لأعلن منذ اللحظة الأولى براءتها وحسم الموقف. 


الثاني: انتفاء أن يكون الوحي من داخل نفسه صلى الله عليه وسلم: 


إن أعراض الوحي الظاهرة على النبي - صلى الله عليه وسلم - التي لا دخل له بها تؤكد أن الوحي خارج عن ذاته صلى الله عليه وسلم، فهذه الأصوات المختلطة التي كانت تسمع عند الوجه الشريف، تنفي أن تكون ظاهرة الوحي تكلفا من قبله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكانت طوع بنانه، يأتي بشيء جديد من الوحي في أي وقت يشاء بهذه الطريقة، والكل يعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يمر بظروف معينة أحوج ما يكون فيها إلى شيء من الوحي فلا يأتيه. 


ثم إن هذه الظاهرة كانت تحل به - صلى الله عليه وسلم - فجأة دون سابق إنذار أو استعداد لذلك، فقد يكون جالسا مع أصدقائه أو أعدائه يحادثهم فيأتيه الوحي فجأة ويقطع عليه حديثه، وقد يكون راكبا على دابته أو ماشيا على رجليه فيفاجئه الوحي، ولو كان الوحي من عند نفسه لاستعد لذلك، ولحدد أوقاتا معينة لإظهار ما عنده من الوحي. 


إن موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - عند تلقي القرآن عن أمين الوحي جبريل يؤكد أن الوحي خارج عن ذاته الشريفة، وأن القرآن لم يصدر عنه صلى الله عليه وسلم، لقد كان يتلقى القرآن من أمين الوحي على عجل، يحرك لسانه وشفتيه طلبا لحفظه وعدم نسيان شيء منه؛ لتبليغه للناس كاملا كما أنزل، فأمره الله - عز وجل - بترك ذلك؛ لأنه - عز وجل - هو الكفيل بتعليمه وترسيخ ذلك في نفسه،

قال سبحانه وتعالى:

(ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114))

(طه).

وقال عز وجل:

(لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19))

(القيامة). 


فلو كان القرآن الكريم نابعا من تفكيره لجرى على سنته في كلامه العادي؛ لأنه لا يتكلم إلا بعد تفكير عميق وتمحيص دقيق، ولكن هول المفاجأة بالوحي الخارج عن ذاته هي التي تدفعه إلى التعجل والترديد باللسان والشفتين، كما أخبرنا الله - عز وجل - في كتابه الكريم، وكذلك موقفه المليء بالخشية والتقديس للقرآن الكريم، يؤكد أنه ليس من عند نفسه كما يزعم الحاقدون. 


الثالث: انتفاء فرية الصرع عن النبي صلى الله عليه وسلم: 


إن اتهام المستشرقين للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه نسي الليل والنهار، والحلم واليقظة، وأنه كان يهيم بين شعاب الجبال ويخر مغشيا عليه، ما هو إلا نسيج خيال لا أساس له من الصحة، فلم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه بلغ به الجهد في خلوته مثلما يصوره هذا هؤلاء، وإن الروايات الصحيحة ترد كل هذه المزاعم والأقاويل الباطلة. 
لقد عاش النبي - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته في صحة نفسية وعصبية وعقلية دائمة، لم يطرأ عليه أي خلل في عقله أو أعصابه في يوم من الأيام، بل كان كمال عقله مضرب الأمثال. وليس أدل على انتفاء هذه الفرية وبطلانها من كفاحه المرير في سبيل نشر دعوته، ومن سياسته الحكيمة، وخططه الحربية، وتنظيماته الاجتماعية، فلو كان مصابا بالانهيار العصبي كما يزعمون فهل يقوى على مثل هذا النضال الطويل، وهل يؤثر عنه تلك السياسة البارعة، والتنظيمات الدقيقة؟!


يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب: أمجنون مصروع يبني دولة وينشئ نظاما ويقيم دينا ويعيش في أجيال الناس منذ قام إلى اليوم دون أن يصاب بنكبة أو خلل؟ أمجنون مصروع يثبت لهذه العواصف العاتية المزمجرة، وحيدا في وجه أمة صحراوية النفوس صخرية الطباع، ثم لا يكون منه في حال من الأحوال، تخاذل أو ضعف حتى يحول هذه العواصف إلى أنسام عليلة وريح رخاء؟! 


ألا ما أبعد هذا الكمال الإنساني عما يتخبط به الحاقدون من المستشرقين وغيرهم. ولقد شهد بعض المنصفين من المستشرقين على انتفاء هذه الفرية عنه مستدلين بحياته المشرفة، وما أثر عنه من أمور عظيمة على ذلك، يقول ماكس مايرهوف: "أراد بعضهم أن يرى في محمد رجلا مصابا بمرض عصبي، أو بداء الصرع، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره ليس فيه شيء يدل على هذا، كما أن ما قام به فيما بعد من التشريع، والإدارة يناقض هذا القول. 


أما ادعاؤهم بأن ما كان يظهر على النبي من أعراض حين كان يتصل بالوحي أنها أعراض صرع فادعاء باطل يدل على جهلهم المستحكم بحقيقة الوحي؛ لأن وحي الله لأنبيائه لا يمكن إخضاعه لقوانين البحث العلمي؛ لأنه فوق العقل، وفوق العلم البشري. وأعراض الصرع تختلف تمام الاختلاف عما كان يعتري النبي - صلى الله عليه وسلم - عند اتصاله بالوحي، فهي أعراض مرضية مصحوبة باصفرار في الوجه وبرودة في الأطراف واصطكاك في الأسنان وغيبوبة كاملة، إذ يحتجب نور العقل ويخيم الجهل، فلا يذكر من يصاب بذلك أي شيء مما حدث له، بل ينسى هذه الفترة من حياته نسيانا تاما. 


أما ظاهرة الوحي فتكون مصحوبة بإشراق وارتفاع في درجة الحرارة، وهي مبعث للنور الهادي الذي لا ظلمة فيه، ومصدر للعالم المشرق الذي لا جهل فيه. 
ثم إن نزول الوحي لم يقترن بالغيبوبة دائما، إذ كان يأتيه أمين الوحي أحيانا في صورة رجل فيحادثه، ويوحي إليه بما شاء الله أن يوحي به إليه. 


يقول د. محمد حسين هيكل في الرد على هذه الفرية: "وتصوير ما كان يبدو على محمد في ساعات الوحي على هذا النحو خاطئ من الناحية العلمية أفحش الخطأ، فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مر به أثناءها، بل هو ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسيانا تاما، ولا يذكر شيئا مما صنع أو حل به خلالها؛ ذلك لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام التعطل، هذه أعراض الصرع كما يثبتها العلم، ولم يكن ذلك مما يصيب النبي العربي أثناء الوحي، بل كان تتنبه حواسه والمدارك في تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به، وكان يذكر بدقة - غاية الدقة - ما يتلقاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه، ثم إن نزول الوحي لم يكن يقترن حتما بالغيبوبة الجسمية، مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه، بل كان كثيرا ما يحدث والنبي في تمام اليقظة العادية. فالصرع يعطل الإدراك الإنساني، وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس، أما الوحي فسمو روحي اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغوها للناس، وقد يصل العلم إلى إدراك بعض هذه الحقائق ومعرفة سنتها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. 


وبعد هذا العرض لشبهات المستشرقين نجد أنها ترديد مقيت [40] لشبهات العرب في الجاهلية ألبسوها ثوبا جديدا وعرضوها في حلة من القول المزوق والكلام المنمق مدعين الموضوعية والبحث العلمي وقد بينا بالدليل القاطع زيف تلك الشبهات وبطلانها من الأساس سائلين الله تعالى أن يلهمنا الصواب في القول والعمل [41].


الخلاصة: 


•   رغم تحريف التوراة والإنجيل إلا أنهما لا يزالان شاهدين على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه خاتم الأنبياء، يعرف ذلك علماء اليهود والنصارى وإن تغافلوا عن هذه البشارات به صلى الله عليه وسلم. 
•   الظلال الباهتة والومضات الخافتة المتبقية من مبادئ الحنيفية - قبيل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا تصلح أن تقيم هيكل ديانة، فضلا عن أن تكون أساسا لهذا الصرح الهائل الكامل "الإسلام". 
•   ولو حدث أن أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - دينه عن أحد من الحنفاء لانبرى واحد منهم على الأقل لتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يحدث. 
•   وليس الإسلام نسخة محرفة أو معدلة عن اليهودية أو النصرانية أو كلتيهما، ومقارنة جوهر هذه الديانات من خلال كتبها المقدسة يثبت ذلك، كما في مسألة توحيد الله وتنزيهه، ومقام الأنبياء ومنزلتهم. 
•   المصاب بالصرع تنتابه أعراض غريبة مفزعة، وعند إفاقته ينسى كل ما مر به في أثناء نوبة الصرع، أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يملي الوحي بما فيه من أحكام دقيقة وآداب جمة فور إفاقته من لحظة الوحي مباشرة. أضف إلى هذا أن ما يتمتع به القرآن الكريم من البلاغة والإعجاز ينفي عنه أن يكون صناعة بشرية. 

المراجع

  1. [21]. يعتري: يصيب أو يظهر.
  2.  [22]. تفصد جبينه بالعرق: تعبير يدل على شدة سيلان العرق دلالة على موقف محرج أو نحوه. 
  3.  [23]. تربد وجهه: أي احمراره حمرة شديدة، وذلك يحدث عند مواجهة الأمر الجلل. 
  4.  [24]. الكنه: الحقيقة. [25]. العضال: الشديد المعجز الذي لا طب له.
  5.  [26]. التشنج: تقبض عضلي غير إرادي. 
  6.  [27]. يتفاقم: يتصاعد ويتزايد. 
  7.  [28]. يعز: يصعب.
  8.  [29]. الجسام: الصعاب. 
  9.  [30]. الأوج: المكانة أو المنزلة.
  10.  [31]. الشعواء: الشديدة. 
  11.  [32]. تألبوا: تجمعوا.
  12.  [33]. تنطعوا: غالوا وتكلفوا.
  13.  [34]. تدحض: تبطل. 
  14.  [35]. الفرية: الشبهة والأكذوبة. 
  15.  [36]. الإسلام دين الهداية والإصلاح، محمد فريد وجدي، دار الجيل، بيروت، ط1، 1411هـ/ 1991م، ص170: 174 بتصرف. 
  16.  [37]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب فضل من يصرع من الريح (5328)، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك (6736).
  17.  [38]. النبوة المحمدية: دلائلها وخصائصها، د. محمد سيد أحمد المسير، دار الاعتصام، القاهرة، ط2، 2000م، ص221. 
  18.  [39]. فندتها: ضعفت أقوالها وأثبتت بطلانها.
  19.  [40]. المقيت: البغيض.
  20.  [41]. الأدلة على صدق النبوة المحمدية ورد الشبهات عنها، هدي عبد الكريم مرعي، دار الفرقان، الأردن، 1411هـ/ 1991م، ص495: 510.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية