محتوي المقال

ثانيا. هل اقتبس النبي دينه من الحنفاء؟


الحنفاء أفراد قلائل من العرب دانوا في الجاهلية ببقايا مبادئ الحنفية دين إبراهيم عليه السلام، ساخطين على ما عجت به أحوال المجتمع الجاهلي من عبادات وثنية وضيعة وأحوال متردية دنيئة، لكن أمر هؤلاء الحنفاء - لندرتهم واعتزالهم في الغالب - لم يكن ظاهرا، وحركتهم لم تكن ملحوظة، وفي تفنيد احتمال اقتباس النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم يقول د. إبراهيم عوض: "زعم المستشرقون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ منهم: الحنفاء، وهم أفراد من العرب ظهروا قبيل البعثة النبوية، لم يقنعهم ما عليه أقوامهم من عبادة أصنام وتظالم، وغير ذلك من مظاهر التحلل الروحي والفساد الاجتماعي. 


وبدلا من أن يرى المستشرقون في ذلك دليلا على أن الجو كان يستدعي ظهور نبي يصلح هذه الحال المائلة في جزيرة العرب وفي العالم معا، إذ كانت الأوضاع في الإمبراطوريات العالمية في ذلك الوقت مثلها في شبه الجزيرة تزداد سوءا - بل إلى أسوأ دائما، نراهم كعهدهم فيما يتعلق بالإسلام ونبيه، يتهمونه - صلى الله عليه وسلم - بالأخذ من هؤلاء الحنفاء. 


وفي مناقشتنا لهذا الادعاء نحب أن نضع تحت بصر القارئ الحقائق التالية: 
•   إن أحدا من الحنفاء لم يدع هذا، ولو حدث أن النبي قد تعلم من أي منهم لانبرى [4] واحد منهم على الأقل - وليكن أمية بن أبي الصلت، الذي لم يشأ أن يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان يطمع أن يكون هو الرسول المختار - وقال: لا تصدقوا محمدا، فإنه دعي كذاب، لقد تعلم منا، وأخذ ما علمناه إياه ولفق منه دينا. 
ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فكيف يحق لأي مستشرق أن يتقدم بهذا الاتهام بعد أكثر من أربعة عشر قرنا، وليس في يديه أي دليل؟ أهذه هي الموضوعية التي يتشدقون [5] دائما بها، بينما يرموننا - نحن المسلمين - بأننا ندافع عن ديننا بالحق والباطل؟!


•   ثم إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لو كان قد تعلم من الحنفاء، فمن كان أولى إذن بادعاء النبوة؟ واحد من الأساتذة الأصلاء أم محمد تلميذ هؤلاء الأساتذة الأجلاء؟
ولا يقولن أحد: إنهم كانوا مشغولين فقط بمصايرهم الفردية، فقد كانوا دائما يعيبون على أقوامهم قبح ما يعتقدون ويصنعون، وكان لبعضهم مواعظ في الأسواق والمجامع، ولكن أحدا منهم قط لم يدع النبوة، فما السبب في ذلك ما دام ادعاؤها سهلا إلى حد أن تلميذا من تلاميذهم مثل محمد قد زعم أنه نبي يوحى إليه من السماء". 
•   أضف إلى هذا أن من الحنفاء من أسلم وآمن بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أسلم ورقة بن نوفل بعد أن استحكم في النصرانية، كما أسلم أيضا عبيد الله بن جحش بعد الالتباس الذي كان فيه، ثم ظل مسلما إلى أن هاجر إلى الحبشة، وهناك تنصر ومات على النصرانية، ولا يفوتنا أنه لو كان سمع أو شهد أن محمدا قد سرق أفكاره من أحد لما آمن به في البداية أو لفضحه بذلك عند النجاشي ومطارنته [6].


ومن الحنفاء أيضا عثمان بن الحويرث، وقد قدم على قيصر فتنصر وحسنت منزلته لديه (لاحظ أن من تنصر منهم قد تنصر في الغربة). ويذكرون أن قيصر توجه وولاه أمر مكة ولكن أهل مكة رفضوه. وقد مات بالشام مسموما على يد عمرو بن جفنة الملك الغساني، وهو ما يعطينا فكرة عن نواياه ودوافعه. 
أما زيد بن عمرو بن نفيل فقد اتبع دين إبراهيم واعتزل الأوثان والميتة والقرابين، ولم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وقد دخل في الإسلام ابنه سعيد بن زيد، وابن عمه عمر بن الخطاب، وابنة عمه (أخت عمر وزوجة سعيد بن زيد نفسه) فلو أن سعيدا هذا أحس أن محمدا قد تعلم من أبيه أو لو أن أباه صارحه بشيء من ذلك لما أسلم البتة، أو لو أن عمر صاحب العين اليقظة والعقل اللماح واللسان الجريء حاكت في قلبه أية ذرة من ريبة حول محمد وأخذه المزعوم عن الحنفاء أو عن ابن عمه بخاصة لمـا دخل في الإسلام أبدا [7].


ويضاف إلى ما سبق أن ما كان باقيا وقتها من مبادئ الحنيفية لم يكن سوى أفكار باهتة، ولمع خافتة لم تنر طريق السائرين عليها بشكل تام فظلوا تائهين هائمين - كما يروى عن كثير منهم - حتى جاء الإسلام، فأين هذا من الصرح العظيم الهائل الكامل؛ عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة؟! ذلك الدين الحنيف الذي أظهره الله على الدين كله رغم أنف الصادين المعاندين. 
ثالثا. هل الإسلام دين محرف عن اليهودية والنصرانية؟


بغض النظر عن المزاعم التافهة القائلة بأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ عن بحيرا الراهب، الذي لقيه بشكل عابر في رحلة تجارية إلى الشام، وهو - صلى الله عليه وسلم - ما يزال صغيرا، كما تروي المصادر التاريخية. أو عن ورقة بن نوفل الذي صدقه فور علمه بخبر نزول الوحي عليه، عندما أخذته إليه السيدة خديجة - رضي الله عنها - كما تروي المصادر أيضا، ولم يكذبه ولم يزعم أنه تلميذ دعي - بغض النظر عن كل هذه المزاعم الواهية، التي لا تثبت على ساقين، فإن المقارنة العلمية لجوهر هذه الأديان - الذي يستوحي من كتبها المقدسة - توضح بعد الشقة [8] واتساع البون بين مبادئ الإسلام وبين هذه الأديان السابقة المدعى عليه أنه نسخة محرفة منها. 
حول هذه المقارنة يحدثنا الأستاذ أحمد عبد الوهاب، قائلا: 


1.    الإله: 


يرفض المسلم كل قول ينسب لله تجسيدا أو تشبيها، أو حلولا في أشياء، وما إلى ذلك من أوهام وضلالات، كما يرفض كل حديث يصور الله وقد لحقت به عواطف الإنسان وانفعالاته وضعفه، فكل ذلك باطل الأباطيل. 
إن القاعدة الأصلية التي يقوم عليها فكر المسلم في الإله الحق - أنه واحد أحد صمد:

(لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4))

(الإخلاص)،

وأنه:

(ليس كمثله شيء) ،

(الشورى: 11)

وأنه:

(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)

(الأنعام: 103)،

(والله على كل شيء قدير (284))

(البقرة: 284)،

(وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27))

(الروم). 


وفيما يلي بعض ما يرفضه الفكر الإسلامي مما نجده في الأسفار: خاصا بهذا الموضوع الخطير، بل إنه أخطر موضوعات العقيدة على الإطلاق: 
•   الراحة بعد خلق السماوات والأرض: يقول سفر التكوين: "وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا". (التكوين 2: 2، 3). 


ولقد صحح الله هذا المفهوم في القرآن فقال:

(ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38))

(ق)،

وفي صيغة استفهام استنكاري نقرأ قول الحق:

(أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15)) 

(ق).


•   الندم على خلق الإنسان وغيره: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه. فقال الرب: «أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم»". (التكوين 6: 5 - 7). 
لكن القرآن يصحح المفاهيم حول عمليات الخلق، فيقول:

(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39))

(الدخان)

، (إنا كل شيء خلقناه بقدر (49))

(القمر)،

(الذي أحسن كل شيء خلقه) ،

(السجدة: 7)

(يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2))

(الرعد)،

(عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73))

(الأنعام). 


•   بلبلة ألسنة البشر ليتفرقوا فلا يتقدموا في الحياة [9]: "وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة. وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار وسكنوا هناك. وقال بعضهم لبعض: «هلم نصنع لبنا ونشويه شيا». فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين. وقالوا: «هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض». فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب: «هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض». فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعى اسمها «بابل» لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض. ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض". (التكوين 11: 1ـ 9). 


 لكن القرآن يعلم الناس جميعا أن اختلاف ألسنتهم كاختلاف ألوانهم، إنما هو آية دالة على قدرة الله وبديع صنعه:

(ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22))

(الروم).

ويعلمنا القرآن أن الله يرضى عن تقدم الإنسان في هذه الحياة، إذ يقول:

(وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13))

(الجاثية). 


•   مصارعة إنسان والعجز عن التغلب عليه: إنها حقا تصدم كل مسلم حين يقرأ هذا العنوان الفرعي في الأسفار: "يعقوب يصارع الله"، تقول هذه الأسطورة: "فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: «أطلقني، لأنه قد طلع الفجر». فقال: «لا أطلقك إن لم تباركني». فقال له: «ما اسمك؟» فقال: «يعقوب». فقال: «لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت». وسأل يعقوب وقال: «أخبرني باسمك». فقال: «لماذا تسأل عن اسمي»؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان «فنيئيل» قائلا: «لأني نظرت الله وجها لوجه، ونجيت نفسي»". (التكوين 32: 24 ـ30). 


ونجد في القرآن ما يعزينا عن مثل تلك الأوهام ومثيلاتها كثير، حين نقرأ قول الحق:

(ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74))

(الحج). 


•   الحلول في الإنسان: تلك عقيدة مستقاة من أساطير الأقدمين، هنودا ومصريين وإغريق وغيرهم، حيث تصوروا أن آلهتهم تحل في الإنسان، بل في الحيوان والطير، ولهذا عبدوا تلك المخلوقات وسجلوا ضلالاتهم هذه على معابدهم وآثارهم، وها هو كاتب إنجيل يوحنا ينفرد - دون غيره من كتبة الأناجيل - بتقرير أن الله قد حل في المسيح، إذ ينسب إليه هذا القول: "ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال. صدقوني أني في الآب والآب في، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها". (يوحنا 14: 10، 11). 


وفكرة الحلول هذه التي تسربت إلى الإنجيل الرابع - قد جاءت من رسائل بولس الهلينستي التي كتبت قبله بأكثر من خمسين عاما، فقد كتب يقول عن المسيح: "فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا". (رسالة بولس إلى أهل كولوسي 2: 9). 
إن القول بأن المسيح إله أو ابن إله، وأنه الأقنوم الثاني من الثالوث، أو أن الله قد حل فيه، كل ذلك قد تسرب إلى المسيحية من الديانات البشرية القديمة. لقد وصف القرآن الذين يعتنقون مثل هذه الأفكار بأنهم يحاكون ما كان عليه قدامى الكافرين، وذلك في قوله:

(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل (30))

(التوبة: 30). 


يقول أدولف أدمان في كتابه "ديانة مصر القديمة" عند الحديث عن معتقدات المصريين القدماء: "اعتقد المصري أن روح الإله تسكن الحيوان المقدس في معبده. وقد أعطى هذا الاعتقاد رجال الدين المتفقهين فيه فرصة طيبة لكي يضموا في تعاليمهم هذه الحيوانات المقدسة، فتمتعت العجول والتيوس والبقر والصقور والتماسيح والثعابين بقداسة لا شك فيها. وانتهى الأمر بهم أنهم لم يكتفوا بجعل روح واحدة لكل إله، بل زادوا العدد، فمثلا رع كانت له سبعة أرواح. ولما كان الملك في اعتقادهم ذا صفات إلهية؛ لذلك وجب أن يكون له أرواح كثيرة. ويكفينا أن نختم هذه الكلمة بحقيقة أخرى وهي أن الإله يمكن أن يكون بمثابة روح لإله آخر. فمثلا آمون كان روح شو أو روح أوزوريس، وعندما عانق أوزوريس إله منديس الممثل على شكل التيس - تكون من هذا العناق روح مزدوجة". 
إن الإسلام حازم وواضح تماما في كل ما يتعلق بألوهية المسيح، فالقرآن يقول:

(إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59))

(الزخرف)

، وقال جل شأنه:

(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95))

(مريم)،

وقال سبحانه وتعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74))

(المائدة). 


إن المسيح ليتبرأ من كل من يحاول الخلط بينه وبين الله، أو ينسب له ألوهية على أي صورة من الصور، فلا يزال قوله الحق في الأناجيل واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار، وغير محتاج إلى شرح المفسرين وتأويل المتفيهقين [10]: "وفيما هو خارج إلى الطريق، ركض واحد وجثا [11] له وسأله: «أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟» فقال له يسوع: «لماذا تدعوني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله»". (مرقس 10: 17، 18، متى 19: 16، 17، لوقا 18: 18، 19). 


لقد أجمعت الأناجيل الثلاثة - التي لا تعرف شيئا عن الزعم بحلول الله في المسيح - على هذه الحقيقة الأساسية التي هي المفتاح لحل الخلافات العقائدية بين المسيحيين أنفسهم، وبينهم وبين المسلمين. لقد كان ما قرره المسيح هنا متفقا تماما مع ما يقرره القرآن في آيات كثيرة من أبرزها:

(ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60))

(النحل)،

(وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27))

(الروم: 27).


2.    الأنبياء: 


إن المسلم ليرفض كل ما ألحق بسير الأنبياء من نقائص ومخاز، فهم عباد الله المصطفون الأخيار، جعلهم الله هداة للبشرية وأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، فالقرآن يقول فيهم:

(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58))

(مريم)،

قال سبحانه وتعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73))

(الأنبياء). 


تلك هي عقيدة المسلم في أنبياء الله، ومن ثم فهو ينكر بل يستنكر كل الخطايا والسقطات التي نقرؤها عنهم في الأسفار، ومن أمثلة ذلك ما يقال عن: 
•   زنا لوط بابنتيه: وكان من ثمرته ابنا الزنا موآب وعمون ومن ذرية أولهما جاء داود: "وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل، وابنتاه معه، لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: «أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلا». فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: «إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمرا الليلة أيضا فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلا». فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، فحبلت ابنتا لوط من أبيهما. فولدت البكر ابنا ودعت اسمه «موآب»، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم. والصغيرة أيضا ولدت ابنا ودعت اسمه «بن عمي»، وهو أبو بني عمون إلى اليوم". 
(التكوين 19: 30 - 38). 


•   خيانة موسى وهارون لله: وكان هذا الاتهام الخطير هو آخر وحي تلقاه موسى قبل موته، فقد كلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلا: "وكلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلا: «اصعد إلى جبل عباريم هذا، جبل نبو الذي في أرض موآب الذي قبالة أريحا، وانظر أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ملكا، ومت في الجبل الذي تصعد إليه، وانضم إلى قومك، كما مات هارون أخوك في جبل هور وضم إلى قومه. لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين، إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل". (التثنية 32: 48 - 51). 
لكن القرآن يبرئ موسى وهارون من هذه الخيانة وأمثالها، فيقول:

(واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53))

(مريم)،

وقال سبحانه وتعالى:

(ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122))

(الصافات). 


•    زنا داود بامرأة أوريا الحثي: ثم تآمر عليه وقتله: "وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشي على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحم. وكانت المرأة جميلة المنظر جدا. فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: «أليست هذه بثشبع بنت أليعام امرأة أوريا الحثي؟». فأرسل داود رسلا وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها. ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود وقالت: «إني حبلى». فأرسل داود إلى يوآب يقول: «أرسل إلى أوريا الحثي». فأرسل يوآب أوريا إلى داود. فأتى أوريا إليه، فسأل داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لأوريا: «انزل إلى بيتك واغسل رجليك». فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك. ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده، ولم ينزل إلى بيته. فأخبروا داود قائلين: «لم ينزل أوريا إلى بيته». فقال داود لأوريا: «أما جئت من السفر؟ فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟» فقال أوريا لداود: «إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام، وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي؟ وحياتك وحياة نفسك، لا أفعل هذا الأمر». 

فقال داود لأوريا: «أقم هنا اليوم أيضا، وغدا أطلقك». فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده، وإلى بيته لم ينزل. وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول: «اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت». وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البأس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب، فسقط بعض الشعب من عبيد داود، ومات أوريا الحثي أيضا. فأرسل يوآب وأخبر داود بجميع أمور الحرب. وأوصى الرسول قائلا: «عندما تفرغ من الكلام مع الملك عن جميع أمور الحرب، فإن اشتعل غضب الملك، وقال لك: لماذا دنوتم من المدينة للقتال؟ أما علمتم أنهم يرمون من على السور؟ من قتل أبيمالك بن يربوشث؟ ألم ترمه امرأة بقطعة رحى من على السور فمات في تاباص؟ لماذا دنوتم من السور؟ فقل: قد مات عبدك أوريا الحثي أيضا». فذهب الرسول ودخل وأخبر داود بكل ما أرسله فيه يوآب. وقال الرسول لداود: «قد تجبر علينا القوم وخرجوا إلينا إلى الحقل فكنا عليهم إلى مدخل الباب. فرمى الرماة عبيدك من على السور، فمات البعض من عبيد الملك، ومات عبدك أوريا الحثي أيضا». فقال داود للرسول: «هكذا تقول ليوآب: لا يسؤ في عينيك هذا الأمر، لأن السيف يأكل هذا وذاك. شدد قتالك على المدينة وأخربها. وشدده». فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها، ندبت بعلها. ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته، وصارت له امرأة وولدت له ابنا. وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب". (صموئيل الثاني 11: 2ـ 27). 


•          
ويكفي أن نقرأ ما يقوله القرآن في شأن داود حتى نقول كما علمنا القرآن في مواجهة مثل تلك التهم الخطيرة أن نقول:

(ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16))

(النور).

فالقرآن يقول في داود: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا (55))

(الإسراء)،

(ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13))

(سبأ). 


•         كفر سليمان في أواخر أيامه: "وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون: موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: «لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم، لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم». فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة. وكانت له سبعمائة من النساء السيدات، وثلاثمائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين. وعمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه. حينئذ بني سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون. وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن. فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين، وأوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى، فلم يحفظ ما أوصى به الرب". (الملوك الأول 11: 1 - 9). 


لكن القرآن يذكر سليمان بالخير ويبرئه تماما من تهمة الكفر هذه:

(ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (30))

(ص)

، وقال تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا)

(البقرة: 102). 


•         أنبياء بني إسرائيل قبل المسيح كانوا لصوصا: إن هذا ما ينسبه إنجيل يوحنا إلى المسيح حين يقول: "فقال لهم يسوع أيضا: «الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص، ولكن الخراف لم تسمع لهم. أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى. السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل. أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف". (يوحنا10: 7 - 11). 
وكل ما سبق قليل من كثير مما يصدم المسلم حين يقرأ سير النبيين في الأسفار.


قضية صلب المسيح: 


يختلف الإسلام مع النصرانية في قضية أساسية من قضايا الإيمان في عقائد المسيحيين، وهي القول بأن المسيح انتهت حياته بالصلب، وأن ذلك كان ضرورة للتكفير عن خطايا البشر حسب نظرية بولس. 
إن القرآن يقرر بوضوح عدم صلب المسيح، وأن الله نجاه من محاولات اليهود قتله، بأن رفعه إليه، وأن الأمر كان فتنة اختلطت فيها حقيقة الأمر على كثير من الناس،

فالقرآن يقول: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158))

(النساء). 


ويكفي أن نرجع إلى الأسفار في هذه القضية لنعلم فيها الآتي: 
1.  حين شعر المسيح بالخطر يتهدده وهو في الحديقة كانت صلاته حارة إلى الله كي ينجيه من الموت. فقد: "ثم أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا، وابتدأ يدهش ويكتئب. فقال لهم: «نفسي حزينة جدا حتى الموت! امكثوا هنا واسهروا». ثم تقدم قليلا وخر على الأرض، وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن. وقال: «يا أبا الآب، كل شيء مستطاع لك، فأجز عني هذه الكأس. ولكن ليكن لا ما أريد أنا، بل ما تريد أنت»". (مرقس 14: 33 - 36)، ولوقا 22: 43، 44). 


2.  حين جاءت قوة الظلم وتقدم يهوذا الخائن ليدلهم على سيده: "فقال له يسوع: «يا صاحب، لماذا جئت»؟، حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه". (متى 26: 50). 
3.  وفي المحاكمة "اجتمعت مشيخة الشعب: رؤساء الكهنة والكتبة، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: «إن كنت أنت المسيح، فقل لنا!». فقال لهم: «إن قلت لكم لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني»". (لوقا 22: 66ـ 68). 


وهنا وقفة، لنفرض جدلا أنه كان المسيح، فإن هذا يعني أنه كان يرجو إطلاق سراحه، وهذا ينفي ما نقرؤه في رسائل بولس وما اقتبس منها في الأناجيل، مثل القول بأن المسيح: "بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الشرير"، أو أنه "بذل نفسه فدية لأجل الجميع"، ومعنى ذلك أنه لو كان المسيح قد قتل حقا، لكان ذلك رغما عنه. وبهذا تتعاظم خطيئة البشرية التي قتلته ظلما وقهرا. ومن يكفر عن تلك الخطيئة العظمى بعد ذلك؟! وإذا افترضنا أنه ليس المسيح فإن هذا ما يفيده المضمون، خاصة إذا علمنا أن الفقرة التالية لهذا هي قول ذلك الذي يستجوبونه: "منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن يمين قوة الله". (لوقا 22: 69). 


وهذا يقطع بأن الشخص الذي قبضوا عليه وحاكموه وصلبوه، إنما كان شخصا آخر غير المسيح، وأنه رآه بعيني رأسه، وقد صعد إلى السماء ولهذا قال: "منذ الآن". 
4.  ولقد كانت آخر صرخة للمصلوب هي قوله: «إلوي، إلوي، لما شبقتني»؟ الذي تفسيره: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ (مرقس 15: 34). لكن المسيح قرر في الإنجيل أن الله معه ولن يتركه أبدا. وهذا ما يعتقده كل المؤمنين. فهو يقول: "والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الآب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه". (يوحنا 8: 29). 
فمن المؤكد أن الذي أطلق صرخة اليأس تلك على الصليب إنما كان شخصا آخر غير المسيح الذي أكد أن الله معه في كل حين. 


5.  لقد تنبأ المسيح بنجاته من القتل - كما تنبأت المزامير كثيرا وكثيرا - فلا يزال بين أيدينا ما قاله المسيح في تحد لليهود حين حاولوا اصطياده في إحدى المرات: "فأرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه. فقال لهم يسوع: «أنا معكم زمانا يسيرا بعد، ثم أمضى إلى الذي أرسلني. ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا»". (يوحنا 7: 32: 34)، لا نظن أحدا يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه؛ لأن الله سيحفظه بالرفع، ومن الطبيعي أن يقال: إن السماء مكان يعجز اليهود عن الوصول إليه تعقبا للمسيح. 


6.  هذا وقد اختلفت الأناجيل الأربعة في عناصر قصة الصلب، ويكفي أن نذكر أن العشاء الأخير كان حسب الثلاثة الأولى: متى ومرقص ولوقا هو عشاء الفصح، وأما الإنجيل الرابع فقد جعله قبل الفصح بأيام. وقد ترتب على هذا أن كان يوم الصلب حسب الثلاثة يوم الجمعة، بينما هو حسب إنجيل يوحنا يوم الخميس الذي ذبحت فيه خراف الفصح. (يوحنا 18: 28، ويوحنا 19: 14). 
ولما كانت المقبرة التي وضع فيها جسد المصلوب قد وجدتها مريم المجدلية خالية صباح الأحد، فإن هذا يعني أن جسد ذلك المصلوب لم يدفن في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال حسبما هو شائع في الأناجيل. (متى 40: 12، ومتى 23: 17، مرقس 31: 9، لوقا 22: 9). 


فالفترة بين يوم الجمعة يوم الصلب ويوم الأحد يوم القيامة، لا تزيد على يوم واحد وليلتين. 
وهذا قليل من كثير مما يبرهن على عدم صلب المسيح [12].


وفي السياق نفسه أدلى بدلوه الأستاذ محمد فريد وجدي - رحمه الله - الذي كتب تحت عنوان "المسيحية في الإسلام" يقول: هذا عنوان كتاب أرسله إلينا أحد فضلاء المسلمين، تأليف حضرة الإيغوماتس إبراهيم لوقا راعى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمصر الجديدة، وقد بين المؤلف غرضه من وضعه، فقال في مقدمته: "إن القرآن لم يهاجم المسيحية التي أسسها المسيح، ونشرها رسله القديسون، ولكنه هاجم بدعا خاصة، كانت قد ظهرت عند ظهوره، ونادت بتعاليم لا تقرها المسيحية، فحاربها كما حاربتها المسيحية من قبل ومن بعد، إلى أن قال: وغايتنا التي نتوخاها [13] التوفيق، لا الجدل والتفريق، وإنا لنرجو أن يتقبل إخوتنا المسلمون رسالتنا هذه كرسالة محبة وإخلاص، وفقنا الله جميعا إلى سواء السبيل". 


وقد طلب إلينا مرسل الكتاب أن نبدي رأينا فيما ذكره حضرة القس مؤلف الكتاب من إقرار القرآن على العقائد المسيحية الحقة، وهي في نظره ما عليه النصارى اليوم من تثليث وبنوة... إلخ. وقد وجه حضرة القس الخطاب للمسلمين، فحق علينا أن نبدي له رأينا فيما ذكره. 


 قال حضرته تحت عنوان "المسيح الإله": "تعتقد المسيحية أن المسيح هو الله باعتباره الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس للذات الإلهية الواحدة الجوهر والعدد، والإسلام لا ينكر هذه العقيدة ولا يرفض القول بلاهوت المسيح، بل إنه ليؤيده، ويؤيده بأدلة عديدة، وآيات كثيرة وشهادات متنوعة منها: 
•         أسماؤه الحسنى وألقابه التي ذكرها له القرآن. 
•         الحقائق الخاصة بحياته في ذاتها. 
•         شهادة القرآن له بالكمال الأدبي في حياته. 
•         شهادة القرآن له بقدرته فائقة الطبيعة. 
•         ما أثبت له من الاختصاصات والوظائف. 
•         ما شهد له به عن مركزه الممتاز. 
نقول: إن هذه دعوى جريئة لم يقل بها أحد من الذين كتبوا عن الإسلام من المسيحيين إلا أن يكونوا من أهل المماحكات اللفظية الذين يترفع عنهم مثل الإيغومانس إبراهيم لوقا، فإذا كان قد مضى على نزول القرآن أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وقد قرأه عدد لا يحصى من الناس وفهموا منه أن الإسلام ينفي ألوهية المسيح، وعلم ذلك في كل هذه القرون عدد لا يحصى من أهل الملل الأخرى، وألفت في الجدل حول هذه المسألة كتب لا تدخل تحت حصر، كل هذا لو كان في حقيقته سوء فهم تسلط على عقول الناس، وساقهم إلى الجدال والتماري كل هذه القرون الطويلة - فإن الذي يهتك سر هذا القصور يخلد لنفسه في تاريخ الخلافات الدينية أثرا لا يشتبه لغيره، ولكنه يسجل في الوقت نفسه على العقلية الإنسانية اختلالا تصبح معه غير جديرة بالثقة في نظرها وأحكامها، ويدب الشك إلى كل آثارها الأدبية والعلمية والفلسفية التي تم بناء صروحها في قرون طويلة، توقعا لظهور أفذاذ يكشفون عن حقيقة الغباوات التي قادت العقول للخلافات أحقابا متعاقبة حول مسائل لا خلاف فيها على الإطلاق! اللهم إن هذا محال، وإن كان يوجد ما هو أبعد عن التصديق من المحال فهو منه. 


اعتمد حضرة القس فيما أورده من القرآن الكريم، تدليلا على ألوهية عيسى - عليه السلام - على ما جاء فيه من إطلاق لفظتي (كلمة وروح) عليه، ورأى أن ذلك من أدل الأدلة على مشايعته للمسيحيين في القول بنبوة عيسى لله وبألوهيته، فقال: "رأينا فيما سبق كيف أن القرآن أقر بصحة عقيدة المسيحيين في فاديهم بما لقبه من ألقاب لا يجوز أن ينعت بها أحد سوى الله تعالى، فدعاه أولا كلمة الله، وثانيا روحا منه". 


ونحن نعجب كيف يسيغ حضرة القس أن يعتقد أن لفظتي (روح، و كلمة) لا يجوز أن تطلقا إلا على الله تعالى، على حين أن المقرر عند أهل العلم والفلسفة أنهما لا يجوز أن يطلقا عليه؛ لأن كل تعبير لفظي عنه تعالى يفيد التقييد والتحديد. 


وهو ما يتنزه عنه ـعز وجل - كل التنزه، هذا ما انتهت إليه الفلسفة، وهذا ما قرره الإسلام قبلها بأكثر من ألف سنة،

فقال سبحانه وتعالى: (ليس كمثله شيء)

(الشورى: 11)،

وقال:

(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)

(الأنعام: 103)،

وقال:

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110))

(طه)

فلفظة (روح) قليلة على خالق الأرواح ومبدعها، ولفظة (كلمة) أقل من تلك أيضا. وقد أطلق القرآن الكريم لفظة روح على بعض مخلوقاته فسمى جبريل روحا، وسمى القرآن روحا.

فقال سبحانه وتعالى:

(نزل به روحا الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194))

(الشعراء)،

(وكذلك أوحينا إليك من أمرنا)

(الشورى: 52)

، ولا يجيز المسلمون إطلاقهما على الله تعالى؛ لأن قاعدة التنزيه المطلق عندهم: "أن كل ما خطر ببالك، فالله بخلاف ذلك" وأنى لمخلوق عاجز محدود القوة العقلية، أن يصل إلى معرفة حقيقة الخالق أو أن يطلق عليه ألفاظا وضعت لتعيين الكائنات الجزئية؟
أما لفظة: "كلمة" فلها في القرآن الكريم معنى غير ما يفهمه المسيحيون منها، فهي عندنا لا تحتمل غير معناها اللغوي. وقد أطلقها الله تعالى على عيسى؛ لأنه كما قال الرازي: قد وجد على خلاف السنة المعروفة، فأضيف حدوثه إلى كلمة الله مباشرة وهي "كن" وعلى هذا جرى جميع المفسرين، وقد وردت لفظة كلمة في الكتاب الشريف في مواطن كثيرة جدا من ذلك قوله سبحانه وتعالى:

(وتمت كلمة ربك)

(هود: 119)

و (ولولا كلمة سبقت)

(يونس: 19)،

و (كلمة طيبة)

(إبراهيم: ٢٤)،

و (كلمة خبيثة)

(إبراهيم: 26)،

وقد صرح القرآن الكريم بأن لله كلمات لا تحصى لا كلمة واحدة.

فقال سبحانه وتعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله)

(لقمان: 27). 


من الجرأة التي لا يمكن وصفها بوصف أن يدعي مدع أن القرآن يقول بألوهية المسيح، وقد نفاها عنه بعبارات صريحة في عشرات من الآيات بما لا يحتمل أي تأويل. وقد وجه الخطاب إلى النصارى خاصة، ونهاههم عن القول بالتثليث والبنوة والتأليه،

فقال سبحانه وتعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171))

(النساء). 

وقال تعالى مبينا للناس الهول الهائل من ادعاء الولد له:

(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90))

(مريم). 



لا أتخيل أنه بعد هذه النصوص المحكمة الحاسمة يمكن أن يقول أحد كما قال حضرة القس إبراهيم لوقا: "الإسلام لا ينكر هذه العقيدة، ولا ينكر القول بلاهوت المسيح، بل إنه ليؤيده، ويؤيده بأدلة عديدة، وآيات كثيرة، وشهادات متنوعة. 


اللهم إن هذا محال، أقول: محال وأنا مطمئن؛ لأنه لا يتأتى لكائن من كان، مهما بلغ من أساليب المغالطة [14] والسفسطة أن يتقي وقع هذه الآيات الصريحة في نفوس قارئيها، وأن يستخرج منها ما تأباه معاني ألفاظها، ومباني تراكيبها، فلو كان يعلم الكاتب المتحمس ما يجنيه عليه تحمسه لموضوعه من إضعافه وتوهينه، لربأ بنفسه أن يرتكب مثل هذا الشطط في تبيينه. 
كل ما استند إليه حضرة القس في تدعيم كلامه، وهون عليه إهمال عشرات الآيات التي وردت في نفي الألوهية والبنوة عن عيسى - ما أطلقه القرآن الكريم على هذا الرسول من روح الله، وأنه كلمته ألقاها إلى مريم، وقد قلنا إن الله تعالى قد أطلق لفظة روح على جبريل. 


أما "الكلمة" فقد أريناك مواطن استعمالها في الكتاب الكريم، بما لا يدع شبهة في أن المقصود بها كلمة "كن"، أي كلمة الخلق المباشر عند عدم وجود الأسباب العادية، وكيف يعقل أن ترد في القرآن لفظة "الكلمة" بمعنى الأقنوم الثاني من الأقانيم الثلاثة المؤلفة لذات الخالق، وهو ينهى النصارى في آيات كثيرة عن القول بالتثليث ويعده أمرا إدا [15]،

وقد ورد في ذلك قوله:

(ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم)

(النساء: ١٧١)،

وفي آية أخرى قوله:

(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)

(التوبة: 30)،

أي يقولون ما يشاكلون به قول الكافرين السابقين الوثنيين، فقد كان للمصريين القدماء ثالوث مؤلف من: حورس وإيزيس وأوزيريس، وكان للهنود ثالوث مؤلف من براهما وسيفا وفيشنو، ولغيرهم ثالوثات أخرى، وقد أجمعوا على أن أحد أركانها قد نزل إلى الأرض

تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية