محتوي المقال

.    عندما يغضب الرب في العهد القديم: 


في سفر صموئيل الثاني: "وكلم داود الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول، فقال: "الرب صخرتي وحصني ومنقذي... أدعو الرب الحميد فأتخلص من أعدائي... في ضيقي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي، وصراخي دخل أذنيه. فارتجت الأرض وارتعشت. أسس السماوات ارتعدت وارتجت، لأنه غضب. صعد دخان من أنفه، ونار من فمه أكلت. جمر اشتعلت منه. طأطأ السماوات ونزل، وضباب تحت رجليه... أرعد الرب من السماوات، والعلي أعطى صوته. أرسل سهاما فشتتهم، برقا فأزعجهم. فظهرت أعماق البحر، وانكشفت أسس المسكونة من زجر الرب، من نسمة ريح أنفه. أرسل من العلى فأخذني، نشلني من مياه كثيرة. أنقذني من عدوي القوي، من مبغضي لأنهم أقوى مني". (صموئيل الثاني 22: 1 - 18). 


وفي سفر الخروج: "وأنا أرسل أمامك ملاكا، وأطرد الكنعانيين والأموريين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين. إلى أرض تفيض لبنا وعسلا. فإني لا أصعد في وسطك لأنك شعب صلب الرقبة، لئلا أفنيك في الطريق. فلما سمع الشعب هذا الكلام السوء ناحوا ولم يضع أحد زينته عليه. وكان الرب قد قال لموسى: قل لبني إسرائيل: أنتم شعب صلب الرقبة. إن صعدت لحظة واحدة في وسطكم أفنيتكم. ولكن الآن اخلع زينتك عنك فأعلم ماذا أصنع بك". (الخروج 33: 2 - 5). 


مما سبق، وعلى الرغم من هذه الصفات غير اللائقة لإله بني إسرائيل - كما هو مذكور في العهد القديم - مما لا يتوافق بالمرة مع أوصاف الله في القرآن الكريم، إلا أن الحق قد ظهر بين سطور هذا العهد، في سفر الخروج: "فقال: «أرني مجدك». فقال: «أجيز كل جودتي قدامك. وأنادي باسم الرب قدامك. وأتراءف على من أتراءف، وأرحم من أرحم». وقال: «لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش». وقال الرب: «هوذا عندي مكان، فتقف على الصخرة»". (الخروج 33: 18ـ 21).

 
وفي هذا الإصحاح السابق ينسى كل ما جاء في وصف الله - عز وجل - في صورة الإنسان، حيث إنه قابل إبراهيم، وصارع يعقوب، وتكلم مع يوشع وأرميا، كما أن شعب بني إسرائيل رأوه جهرة، وأكلوا وشربوا أمامه، وهو يتعارض كلية مع ما ورد من أن الذي يرى وجه الرب لا يعيش، وقد صحح القرآن الكريم هذه القصص جميعها في الآيات الآتية:

(وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك)

(الأعراف: 143)،

(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل)

(النساء: 153)،

(واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة). 

(الأعراف: 155)


ولما عبد الإسرائيليون العجل أخذ سيدنا موسى سبعين رجلا من بني إسرائيل لم يعبدوا العجل لميقات ربه، ليعتذروا عن قومهم، وعن سفاهاتهم من مثل طلبهم من سيدنا موسى أن يروا الله جهرة، وهذا يدل على أن السبعين رجلا من بني إسرائيل قد صعقوا، ولم يروا الله كما ادعوا، ولم يأكلوا أمامه كما هو مذكور في سفر التكوين. 


وعلى سبيل المثال، نجد في القرآن أيضا تحقيق قصة سيدنا إبراهيم مع ضيوفه الملائكة، نجد في العهد القديم أن أحد الضيوف الثلاثة هو الله نفسه، غسل قدمه واستراح تحت الشجرة، وأكل وشرب، بينما في القرآن القصة مذكورة في سورة هود:

(ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70))

(هود). 


وهذا مخالف لما جاء في العهد القديم، فالملائكة لم يأكلوا ولم يشربوا، وهم الذين بشروا سيدنا إبراهيم ليس بإسحاق فقط، ولكن بشر أن بعد إسحاق يعقوب، وهذا تحقيق لا يمكن لبشر أن يدعيه [2].
أإله بهذه الأوصاف يستحق أن يعبد وأن تلتزم شريعته، ولا يحيد [3] عنها بشر إلى شريعة تنزه الله بما يليق به من الكمالات التي أوجزها القرآن في بلاغته الرائعة،

بقوله سبحانه وتعالى:

(ليس كمثله شيء)

(الشورى: 11)؟! 


هذه طبيعة نظرتهم في شريعتهم لمقام الألوهية، فكيف يا ترى تكون هذه النظرة لمقام النبوة؟ يتبادر إلى الذهن بل يقفز مباشرة عند سماع هذا السؤال القول الشائع عن اليهود، وبني إسرائيل أنهم "قتلة الأنبياء". 


عن الصورة العامة لأنبياء العهد القديم يحدثنا الأستاذ أحمد عبد الوهاب قائلا: "لقد أولى الكثير من العلماء موضوع الأنبياء في العهد القديم - ما يستحقه من دراسة وتمحيص، ومن أمثلة لبعض الدراسات الجادة في هذا الموضوع ما قام به إريك ويليام هيتون في كتابه "أنبياء العهد القديم"، ولقد عالج هيتون في دراسته عدة نقاط منها: لفظ النبي، الذي استخدم بكثرة في أسفار العهد القديم، ومدلول هذا اللفظ والأنبياء الحقيقيين والأنبياء المحترفين الكذابين الذين ازدحمت بهم إسرائيل، وخاصة في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد - ومظاهر النبوة ووسائل التنبؤ، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الموضوع. 


ورغم أن هيتون ركز في دراسته على أنبياء العهد القديم ابتداء من موسى، ومن جاء بعده.. فسوف نعرض لشيء من دراسة هيتون باعتبارها مدخلا مناسبا لدراسة الأنبياء في العهد القديم، وذلك مع التعليق عليها وتطويرها، بما يجعل حقيقة النبوة والنبيين في صورتها العامة أكثر وضوحا. 
يقول هيتون: لا يمضي الإنسان بعيدا في قراءة أسفار الأنبياء دون أن تقابله فقرة كهذه: "هكذا قال رب الجنود: لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم، فإنهم يجعلونكم باطلا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب". (إرميا 16: 23). 


إن مثل هذ التشهير بالأنبياء على لسان أحدهم، ليوقعنا في أشد الحيرة، ما لم نعلم أن ألفاظا مثل: نبي، ويتنبأ، لها معان واسعة جدا في أسفار العهد القديم، إن الظاهرة المشتركة لكل الأنبياء في العالم القديم هي دعواهم أنهم كانوا يتكلمون بسلطان من إلههم، وكان النبي هو الشخص الذي تكلم بالنيابة عن إلهه. ولقد استخدم لفظ "النبي" دون تحفظ حتى إنه أطلق على أولئك الذين تكلموا باسم آلهة الوثنيين. ولهذا فإن دارس أسفار العهد القديم يواجه ضرورة التمييز بين الأنواع المختلفة من الأنبياء، وأن يعرف الصفات التي تجمعهم غير لفظ النبي الذي وصفوا به، وادعاء كل منهم أنه يتكلم بسلطان إلهي. 


ومن الواضح أنه لا يوجد معيار حقيقي لتمييز حقيقة الظواهر التي اقترنت بكل من الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذابين، ويتبين ذلك مما نقرؤه في سفرالتثنية: "إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما، وأعطاك آية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلا: لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم". (التثنية 13: 1 - 3). 


لقد لمس هيتون كبد الحقيقة حين بين هنا - بناء على دراسته وفهمه لأسفار العهد القديم - أن أي محاولة لربط النبوة الحقيقية بحدوث خوارق وظواهر غير عادية، أو بصيغة أخرى بمعجزات مادية، هو في الواقع وهم وظنون لا تغني عن الحق شيئا في هذا المقام، وأن النبوة الحقة لا يمكن الحكم عليها إلا بصدق العقيدة التي تقوم على التوحيد الخالص وطهر السلوك والبذل وغير ذلك من جميع الصفات الكريمة" [4].


هذه هي عقيدة اليهود في الله وفي الأنبياء، كلها كما هو واضح تناقضات وافتراءات وتخاريف عقول فاسدة غير منضبطة. 
أما عن التشريعات اليهودية فحدث ولا حرج عن سخافاتهم وضلالاتهم التي لا يقبلها عقل سليم، فعلى سبيل المثال: إذا أردنا أن نعرف طبيعة نظرة توراتهم - التي يزعمون أن الهدى في اتباعها دون غيرها - لمسألة المرأة فإننا نجد ما لا يتفق مع المنطق، ولكننا نجد كل ما يخالف الفطرة السوية والعقول السليمة، كما نلاحظ الفرق الشاسع بين مكانة المرأة في الإسلام وتكريمه لها وإعلائه لمنزلتها أما وزوجة وابنة... إلخ، بصورة غايرت ما قبله وسمت على ما بعده، وبين منزلتها في العهد القديم وطبيعة النظرة العنصرية إليها: 


 "ومن ذلك لا يخطئ اليهودي إذا اغتصب امرأة مسيحية، فزواج المسيحيين هو من قبيل وطء الحيوانات لبعضها.. قال موسى: لا تشته امرأة قريبك، فمن يزن بامرأة قريبه يستحق الموت.. ولكن التلمود لا يعتبر القريب إلا اليهودي فقط، فإتيان زوجات الأجانب جائز، واستنتج من ذلك الحاخام رشى أن اليهودي لا يخطئ إذا تعدى على عرض الأجنبي؛ لأن كل عقد نكاح عند الأجانب فاسد؛ لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل كبهيمة، والعقد لا يوجد في البهائم وما شاكلها. وقد أجمع على هذا الرأي الحاخامات بشاي وليفى وجرسون، فلا يرتكب اليهودي محرما إذا أتى امرأة مسيحية. وقال ميمانود: إن لليهود الحق في اغتصاب النساء غير المؤمنات، أي غير اليهوديات!!


وقال الحاخام تام الذي كان في الجيل الثالث عشر بفرنسا: إن الزنا بغير اليهود ذكورا كانوا أو إناثا لا عقاب عليه؛ لأن الأجانب من نسل الحيوانات. 
ولذلك صرح الحاخام المذكور ليهودية أن تتزوج بمسيحي تهود مع أنها كانت رفيقة له غير شرعية قبل الزواج، فاعتبر العلاقات الأصلية كأنها لم تكن؛ لأنها أشبه شيء بنكاح الحيوانات!!
وجاء في التلمود: إن من رأى أنه يجامع والدته فسيؤتى الحكمة، بدليل ما جاء في كتاب الأمثال: إن الحكمة تدعى والدة، ومن يرى أنه جامع خطيبته فهو محافظ على الشريعة، ومن يرى أنه جامع أخته فمن نصيبه نور العقل، ومن يرى أنه جامع امرأة قريبة فله الحياة الأبدية. 


نناشدك الله أيها القارئ، إذا كانت تلك هي القواعد الأدبية أفلا يتمنى الإنسان بعد ذلك أن يرى تلك الأحلام حقيقة، ويترقى من هذه إلى تلك؛ لأنه إن كانت نتيجة الأحلام بالكيفية المشروحة، فما بالك بالحقيقية؟ وقال الرابي كرونر: إن التلمود يصرح للإنسان - يعني اليهودي - أن يسلم نفسه للشهوات إذا لم يمكنه أن يقاومها، ولكنه يلزم أن يفعل ذلك سرا لعدم الغدر بالديانة!! وذكر في التلمود عن كثير من الحاخامات كالرابي راب، ونحمان: أنهم كانوا ينادون في المدن التي يدخلونها عما إذا كان يوجد فيها امرأة تريد أن تسلم نفسها لهم مدة أيام. وجاء في التلمود أيضا عن الرابي العيازر أنه فتك بكل نساء الدنيا، وأنه سمع مرة أن واحدة تطلب صندوقا ملآن من الذهب حتى تسلم نفسها لمن يعطيها إياه، فحمل الصندوق وعدى سبعة شلالات حتى وصل لها.. ولنضرب صفحا عن باقي القصة؛ لأنها مخلة بالآداب.

 
ومن الأمور المذمومة أنه جاء في آخر القصة أنه: لما توفـي هذا الحاخام صرخ الله من السماء قائلا: تحصل الرابي اليعازر على الحياة الأبدية!! 
وليس للمرأة اليهودية أن تبدي أدنى شكوى - على زعم التلمود - إذا زنى زوجها في المسكن المقيم معها، ولما قال الحاخام يوحنا: إن اللواط بالزوجة غير جائز عارضوه في ذلك قائلين: إن الشرع لم يحرم هذا الأمر، بل قال إنه لا يخطئ اليهودي مهما فعل مع زوجته، وأية طريقة اتبعها نحوها بأمر الزواج، فهي له بالنسبة للاستمتاع بها كقطعة لحمة اشتراها من الجزار، يمكنه أكلها مسلوقة أو مشوية على حسب رغبته، ويضربون لذلك مثلا: أن امرأة حضرت إلى الحاخام وشكت له أن زوجها يأتيها على خلاف العادة، فأجابها: لا يمكنني أن أمنعه عن هذه المسألة يا ابنتي؛ لأن الشرع قدمك قودا لزوجك" [5].


ومن تشريعاتهم الشاذة في شأن المرأة أيضا ما يرويه الإمام ابن القيم تحت عنوان "من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار.. " قائلا: وأذكر لك مسألة من مسائل شرعهم المبدل، أو المنسوخ، تعرف بمسألة "البياما والجالوس" وهي أن عندهم في التوراة: "إذا سكن إخوة معا ومات واحد منهم وليس له ابن، فلا تصر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة، ويقوم لها بواجب أخي الزوج. والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت، لئلا يمحى اسمه من إسرائيل. وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه، تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل. لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج. فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه. فإن أصر وقال: لا أرضى أن أتخذها. تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ، وتخلع نعله من رجله، وتبصق في وجهه، وتصرح وتقول: هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. فيدعى اسمه في إسرائيل: بيت مخلوع النعل". (التثنية 25: 5 - 10). 


وفي هذا كله لتلجئه إلى نكاحها؛ لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة وعليه ذلك فربما استحيا وخجل من شيل نعله من رجله، والبصق في وجهه ونبزه باللقب المستكره الذي يبقي عليه وعلى أولاده عارا، ولم يجد بدا من نكاحها، فإن كان من الزهد فيها والكراهة لها بحيث يرى أن هذا كله أسهل عليه من أن يبتلى بها وهان عليه هذا كله في التخلص منها، لم يكره على نكاحها، هذا عندهم في التوراة. 


ونشأ لهم من ذلك فرع مرتب عليه، وهو: أن يكون مريدا للمرأة محبا لها، وهي في غاية الكراهة له، فأحدثوا لهذا الفرع حكما في غاية الظلم والفضيحة، فإذا جاءت إلى الحاكم أحضروه معها ولقنوها أن تقول: إن حموي لا يقيم لأخيه اسما في بني إسرائيل، ولم يرد نكاحي، وهو عاشق لها - فيلزمونها بالكذب عليه، وأنها أرادته فامتنع - فإذا قالت ذلك ألزمه الحاكم أن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها، ونكاحها غاية سؤله وأمنيته، فيأمرونه بالكذب عليها - فيخرج نعله من رجله إلا أنه لا مسك هنا ولا ضرب، بل يبصق في وجهه، وينادى عليه: هذا جزاء من لا يبني بيت أخيه، فلم يكفهم أن كذبوا عليه حتى أقاموه مقام الخزي، وألزموه بالكذب، والبصاق في وجهه، والعتاب على ذنب جره غيره، كما قيل: 
وجرم جره سفهاء قوم

وحل بغير جارمه العذاب

أفلا يستحيي من تعيير المسلمين من هذا شرعه ودينه"  [6]؟!


ثانيا. شريعة - محمد صلى الله عليه وسلم - خاتمة ناسخة لما قبلها، وعندهم البشارة بذلك:

 
فقد كان علماء اليهود يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يعرفون أبنائهم، ويعلمون أنه النبي الخاتم للرسالات، يقول ابن القيم: "وأما اليهود فقد كان علماؤهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة، قال: هل تدري عما كان إسلام أسد وثعلبة ابني شعبة وأسد بن عبيد، لم يكونوا من بني قريظة، ولا النضير، كانوا فوق ذلك؟ فقلت: لا، قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له "ابن الهيبان" فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلا يصلي خيرا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، فكنا إذا قحطنا وقل علينا المطر نقول: يا ابن الهيبان اخرج فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاعا من تمر، أو مدين من شعير، فنخرجه. 
ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه نستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطر ويمر بالشعاب، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، فحضرته الوفاة واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود، أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم، قال: فإني إنما خرجت أتوقع نبيا، قد أظل زمانه، هذه البلاد مهاجره، فاتبعوه ولا يسبقن إليه غيركم إذا خرج، يا معشر اليهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه، فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات، فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة، قال أولئك الثلاثة الفتية، وكانوا شبانا أحداثا: يا معشر اليهود، والله إنه للذي ذكر لكم ابن الهيبان، فقالوا: ما هو به، قالوا: بلى، والله إنه لصفته، ثم نزلوا وأسلموا وخلوا أموالهم وأهليهم. قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح ردت عليهم. 


وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد، قال: كان بين أبياتنا يهودي فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، قال ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، وذلك قبيل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ويحك يا فلان! وهذا كائن أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون بأعمالهم؟! قال: نعم، والذي يحلف به لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفونني فيه، ثم تطبقون علي، وأنى أنجو من النار غدا، فقيل: يا فلان ما علامة ذلك؟ قال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: فمتى نراه؟ فرمى بطرفه فرآني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي، وأنا أحدث القوم، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم. 


قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون، قالوا: إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم، فلما بعث الله عز وجل رسوله - صلى الله عليه وسلم - اتبعناه وكفروا به، ففينا وفيهم

أنزل الله سبحانه وتعالى:

(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89))

(البقرة). 


وذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي نجيح عن علي الأزدي، قال: كانت اليهود تقول: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء، فقالت: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كفروا به، ف

أنزل الله سبحانه وتعالى:

(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)

(البقرة: 89)

يعني بك يا محمد:

(فلعنة الله على الكافرين (89))

(البقرة)

يستفتحون: أي يستنصرون. 
وذكر الحاكم وغيره أن بني النضير لما أجلوا [7] من المدينة أقبل عمرو بن سعد، فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها ففكر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم فاجتمعوا، فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعد، أين كنت منذ اليوم فلم نرك؟ وكان لا يفارق الكنيسة، وكان عزيزا في اليهودية. 


قال: رأيت اليوم عبرا اعتبرنا بها، رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العز والجلد، والشرف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل، ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة، وقد أوقع قبل بابن الأشرف في عزة بنيانه في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم جل اليهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة - حصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم فكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب - يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فوالله إنكم لتعلمون أنه نبي وقد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان وأبو عمرو بن حواس، وهما أعلم اليهود جاءا من بيت المقدس يتوكفان [8] قدومه، وأمرانا باتباعه، وأمرانا أن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا. فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم، فأعاد هذا الكلام ونحوه، وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء، فقال الزبير بن باطا: قد - والتوراة - قرأت صفته في كتاب التوراة التي أنزلت على موسى ليس في المثاني التي أحدثنا، فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه؟ قال: أنت، قال: ولم، فوالتوراة، ما حلت بينك وبينه قط؟ 
قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتبعته اتبعناه وإن أبيت أبينا، فأقبل عمرو بن سعد على كعب، فذكر ما تقاولا في ذلك إلى أن قال كعب: ما عندي في ذلك إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا. 


وهذا المانع هو الذي منع فرعون من اتباع موسى، فإنه لما تبين له الهدى عزم على اتباع موسى - عليه السلام - فقال له وزيره هامان: بينا أنت إله تعبد تصبح تعبد ربا غيرك؟! قال: صدقت. 
وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: حدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غدوا عليه ثم جاءا من العشي، فسمعت عمي يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت. 
فهذه الأمة الغضبية معروفة بعداوة الأنبياء قديما، وأسلافهم وخيارهم قد أخبرنا الله - عز وجل - عن أذاهم لموسى، ونهانا عن التشبه بهم في ذلك فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69)) (الأحزاب). 
وأما خلفهم فهم قتلة الأنبياء، قتلوا زكريا وابنه يحيى وخلقا كثيرا من الأنبياء، حتى قتلوا في يوم سبعين نبيا، وأقاموا السوق في آخر النهار، كأنهم لم يصنعوا شيئا، واجتمعوا على قتل المسيح وصلبه، فصانه الله من ذلك، وأكرمه أن يهينه على أيديهم، وألقى شبهه على غيره فقتلوه وصلبوه. وراموا قتل خاتم النبيين مرارا عديدة والله يعصمه منهم. ومن هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان " [9]. 
هذه دلائل واضحة على ختم الرسالات والهيمنة عليها بشرع محمد - صلى الله عليه وسلم - لكن اليهود قوم ينكرون. 

المراجع

  1. [2]. يقولون عن الإسلام، د. عبد الحافظ سلامة حامد، دار الكتاب للنشر، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2007م، ص79: 81. 
  2.  [3]. يحيد: يميل. 
  3.  [4]. النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام، أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط2، 1413هـ/ 1992م، ص13 وما بعدها. 
  4.  [5]. المسيحيون والمسلمون في تلمود اليهود، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1996م، ص56 وما بعدها. 
  5.  [6]. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، دار الريان للتراث، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص264، 265.
  6.  [7]. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، دار الريان للتراث، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص264، 265. 
  7.  [8]. أجلوا: أخرجوا. 
  8.  [9]. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن القيم، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، دار الريان للتراث، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص51: 56.


تعليقات

لم يتم إضافة تعليقات بعد

كلمات دلالية