محتوي المقال
ثانيا. التشريع والأخلاق بين القرآن والتوراة والتلمود:
يشتهر عن اليهودية أنها - على عكس المسيحية الديانة الروحانية بالأساس - ديانة تشريعية اهتمت بالتشريع والتقنين لحياة اليهود، وهي بهذا أشبه بالإسلام، ولكن الفارق الجوهري في هذا الشأن، هو الاختلاف كما وكيفا بين الديانتين، بالإضافة إلى ما أصاب كتب اليهودية المقدسة من تحريف يجعل الاختلاف في هذا المجال واضحا والبون [18] شاسعا.
تحت عنوان "من صور التشريع في اليهودية" يحدثنا في هذا الجانب د. أحمد شلبي - رحمه الله - قائلا: "ينسب إلى موسى - عليه السلام - أنه أول من رسم لليهود السلطة التشريعية، ويذكر Hosmer أن موسى وضع أسس التشريع في التوراة، فأصبحت المرجع القانوني، كما أصبحت حجر الأساس لبناء الدولة اليهودية، ويذكر Weech أن موسى كان قائدا لبني إسرائيل، وكان بجانب ذلك مرشدا ومشرعا له.
ونقرر أن الأسفار الخمسة المسماة بالتوراة والموجودة الآن ليست مما أوحي إلى موسى، وليست من كتابته أو إملائه، بل هي من تأليف كتاب متأخرين، وأن الوصايا العشر أو بعضها هي ما تبقى لنا من توراة موسى، وما عدا هذه الوصايا من تشريعات فهو من صنع الكهنة والرهبان من اللاويين أبناء ليفى، الذين كان لهم الحق في وضع الأحكام للأمة العبرية، ولم يكن أحد غير هؤلاء يستطيع أن يقر القرابين بالطريقة الصحيحة، أو يفسر الطقوس، أو الأسرار الدينية تفسيرا آمنا من الخطأ. وهكذا وضع الكهنة والرهبان هذه التشريعات يقررون بها حقوقا لأنفسهم، وتقاليد لقومهم، وقد آن لنا أن نقتبس الوصايا العشر ثم نتبعها بحديث عن التشريع الذي وضعه الكهنة والرهبان.
من مطالعة أسفار موسى الخمسة يتضح لنا أن الوصايا العشر وردت في صيغتين: إحداهما أكثر اتصالا بالدين والعقيدة، وقد جاءت في الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر الخروج، وفي الإصحاح الخامس من سفر التثنية، وهناك في الصيغتين توافق في بعض الوصايا، ثم اختلاف في البعض الآخر، فتتجه الصيغة الأولى للعقيدة وتهتم بالقرابين التي تقدم، والثانية للتقاليد والآداب.
ونص الصيغة الأولى كالآتي:
"احفظ ما أنا موصيك اليوم... لا تسجد لإله آخر، لأن الرب اسمه غيور... لا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة... تحفظ عيد الفطير. سبعة أيام تأكل فطيرا كما أمرتك في وقت شهر أبيب، لأنك في شهر أبيب خرجت من مصر... لي كل فاتح رحم، وكل ما يولد ذكرا من مواشيك بكرا من ثور وشاة. وأما بكر الحمار فتفديه بشاة، وإن لم تفده تكسر عنقه. كل بكر من بنيك تفديه، ولا يظهروا أمامي فارغين... ستة أيام تعمل، وأما اليوم السابع فتستريح فيه... وتصنع لنفسك عيد الأسابيع أبكار حصاد الحنطة... وعيد الجمع في آخر السنة... لا تذبح على خمير دم ذبيحتي، ولا تبت إلى الغد ذبيحة عيد الفصح... أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك. لا تطبخ جديا بلبن أمه... ". (الخروج 34: 11 - 28).
ونص الصيغة الثانية كالآتي:
"أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحسانا إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي. لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلا. اذكر يوم السبت لتقدسه. ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه. أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد على قريبك شهادة زور. لا تشته بيت قريبك... ". (الخروج 20: 3 - 17).
هذه هي الوصايا العشر في أسفارهم يلاحظ عليها اختلاط الحق بالباطل بسبب تدخل البشر فيها بالزيادة والنقصان عبثا وتحريفا واتباعا للأهواء، أما في القرآن الكريم فنجد تشريعات أخلاقية راقية محكمة في كل جوانب التشريع الإسلامي أساسها قاعدة:
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91))
(النحل).
وقد جمع القرآن الكريم معظم التشريعات المبثوثة في تضاعيف التوراة والإنجيل في آيتين من آياته
في قوله عز وجل:
(قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153))
(الأنعام).
والقرآن الكريم يمتلئ بمثل هذه الأحكام والوصايا الأخلاقية الراقية التي تحض على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل واتباع الهدى والصراط المستقيم.
وفي أسفار التوراة الموجودة بين أيدينا، يلاحظ ازدحام التشريعات في سفر الخروج واللاويين والعدد والتثنية، وفيما يلي نماذج من تشريعات سفر الخروج:
• "من ضرب إنسانا فمات يقتل قتلا. ولكن الذي لم يتعمد، بل أوقع الله في يده، فأنا أجعل لك مكانا يهرب إليه... وإذا ضرب إنسان عبده أو أمته بالعصا فمات تحت يده ينتقم منه. لكن إن بقي يوما أو يومين لا ينتقم منه؛ لأنه ماله... وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات، يرجم الثور ولا يؤكل لحمه. وأما صاحب الثور فيكون بريئا. ولكن إن كان ثورا نطاحا من قبل، وقد أشهد على صاحبه ولم يضبطه، فقتل رجلا أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضا يقتل". (الخروج 21: 12ـ 29).
• "إذا سرق إنسان ثورا أو شاة فذبحه أو باعه، يعوض عن الثور بخمسة ثيران، وعن الشاة بأربعة من الغنم. إن وجد السارق وهو ينقب، فضرب ومات، فليس له دم. ولكن إن أشرقت عليه الشمس، فله دم". (الخروج 22: 1 - 3).
وفي سفر اللاويين أحكام تتصل بالقرابين والطقوس والأعياد والنذور والمحرمات وكفارات الذنوب، وفيه كذلك شروح ضافية لمكانة اللاويين، وخيمة الاجتماع، والمحرمات في الزواج، والطعام الذي يحل والذي يحرم، ومن هذا السفر يمكن أن نقتبس بعض التشريعات:
• "متى ولد بقر أو غنم أو معزى يكون سبعة أيام تحت أمه، ثم من اليوم الثامن فصاعدا يرضى به قربان وقود للرب". (اللاويين 22: 27).
• "والأرض لا تباع ألبتة، لأن لي الأرض، وأنتم غرباء ونزلاء عندي". (اللاويين 25: 23).
وفي سفر العدد - بالإضافة إلى العد والإحصاء - توجد تشريعات حول نقاط كثيرة؛ منها ما سمى بـ "شريعة الغيرة واللعان والاعتراف". وقد ورد ذلك مفصلا في الإصحاح الخامس، وهناك تشريعات أخرى بهذا السفر نقتبس منها ما يلي:
• "من مس ميتا يكون نجسا سبعة أيام. يتطهر به في اليوم الثالث، وفي اليوم السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثالث ففي اليوم السابع لا يكون طاهرا... هذه هي الشريعة: إذا مات إنسان في خيمة، فكل من دخل الخيمة، وكل من كان في الخيمة يكون نجسا سبعة أيام. وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس". (العدد 19: 11ـ 15).
• "وكلم موسى رءوس أسباط بني إسرائيل قائلا: «هذا ما أمر به الرب: إذا نذر رجل نذرا للرب، أو أقسم قسما أن يلزم نفسه بلازم، فلا ينقض كلامه. حسب كل ما خرج من فمه يفعل. وأما المرأة فإذا نذرت نذرا للرب والتزمت بلازم في بيت أبيها في صباها، وسمع أبوها نذرها واللازم الذي ألزمت نفسها به، فإن سكت أبوها لها، ثبتت كل نذورها. وكل لوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وإن نهاها أبوها يوم سمعه، فكل نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها بها لا تثبت". (العدد 30: 1 - 5).
وفي سفر التثنية تكرار للتشريعات والتعاليم التي وردت في الأسفار السابقة، بالإضافة إلى تشريعات أخرى استحدثت فيه، وفيما يلي نماذج من تشريعات هذا السفر:
• "احفظ شهر أبيب واعمل فصحا [19] للرب إلهك، لأنه في شهر أبيب أخرجك الرب إلهك من مصر ليلا. فتذبح الفصح للرب إلهك غنما وبقرا في المكان الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه. لا تأكل عليه خميرا. سبعة أيام تأكل عليه فطيرا، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من أرض مصر، لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك". (التثنية 16: 1 - 3).
• "لا يقوم شاهد واحد على إنسان في ذنب ما أو خطية ما من جميع الخطايا التي يخطئ بها. على فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود يقوم الأمر". (التثنية 19: 15).
هذا جانب من التشريعات التي تخص الجانب العقابي أو الجنائي في اليهودية، وكما هو واضح نجده لا ينضبط بقاعدة، أو يقوم على مقصد وهدف، فهي أحكام مضطربة مشوشة مشوهة عبثت بها أهواء البشر وأمزجتهم. أما في الإسلام فإن الشريعة الإسلامية قائمة كلها على حكم وعلل منضبطة بقواعدها ومقاصدها، لذلك فإنها احتوت على أفضل القوانين والتشريعات على مر التاريخ، التي كانت تهدف دائما إلى تحقيق العدالة والمساواة داخل المجتمع البشري؛ مما يؤدي إلى الأمن والطمأنينة والاستقرار.
ولكن المجال لا يتسع هنا لعرض جميع تشريعات الإسلام سواء في الجانب العقابي أو غيره فقد تم الحديث عن ذلك في أماكن أخرى من هذه الموسوعة وفيها الكفاية.
ونورد الآن نماذج لبعض التشريعات المتصلة بمسائل مهمة كموقف اليهودية من المرأة، ومن الرق والاعتراف ورأيها في الميراث، والمحرمات في الزواج وغيرها. وسيمكننا بعرض هذه المسائل أن نبرز المقارنة بين التشريعات في اليهودية والتشريعات في الإسلام:
1. الاعتراف والتطهير:
في الفكر اليهودي تكثر الخطايا، ففي كل شهوة من الشهوات تكمن الخطيئة، فالخطيئة تدنس المخطئ، والحيض والولادة كالخطيئة يدنسان المرأة، ويتطلبان تطهيرا ذا مراسم وتقاليد وتضحية وصلاة على يد الكهنة، والهبات والقرابين هي الوسيلة للتكفير عن الخطايا، على أن تقدم للكهنة بعد الاعتراف الكامل بما ارتكب الإنسان من إثم، وعلى هذا كان المجتمع اليهودي مجتمع خطايا، ومجتمع تكفير وغفران في نفس الوقت، حتى إن التاجر كان ولا يزال يطفف الكيل ويغش في الميزان، ثم يحاول التكفير عن ذنبه بالتضحية والصلاة.
وقد أورد سفر العدد صورة مفصلة للمرأة التي تريد أن يغفر لها وضرورة أن تذهب للكاهن، لتعترف عنده بخطيئتها، وذكر السفر أن الكاهن يوقفها أمام الرب، ويأخذ ماء مقدسا في إناء خزف، ويتلو عليه ترانيم وأدعية، ويطلب الكاهن من المرأة الاعتراف، فإن رفضت سقاها من هذا الماء الذي يسمى ماء اللعنة، وهددها بأن هذا الماء إذا دخل أحشاءها وهي مذنبة لم تعترف، ورم بطنها وسقط فخذها، وإذا اعترفت استطاع الكاهن أن يطهرها بالقرابين والهبات والأدعية؛ وهذه هي الفقرات التي تعبر عن هذا المعنى: "وكلم الرب موسى قائلا: «كلم بني إسرائيل وقل لهم: إذا زاغت امرأة رجل وخانته خيانة، واضطجع معها رجل اضطجاع زرع، وأخفى ذلك عن عيني رجلها، واستترت وهي نجسة وليس شاهد عليها، وهي لم تؤخذ، فاعتراه روح الغيرة وغار على امرأته وهي نجسة، أو اعتراه روح الغيرة وغار على امرأته وهي ليست نجسة، يأتي الرجل بامرأته إلى الكاهن، ويأتي بقربانها معها: عشر الإيفة من طحين شعير، لا يصب عليه زيتا ولا يجعل عليه لبانا، لأنه تقدمة غيرة، تقدمة تذكار تذكر ذنبا. فيقدمها الكاهن ويوقفها أمام الرب، ويأخذ الكاهن ماء مقدسا في إناء خزف، ويأخذ الكاهن من الغبار الذي في أرض المسكن ويجعل في الماء، ويوقف الكاهن المرأة أمام الرب، ويكشف رأس المرأة، ويجعل في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، وفي يد الكاهن يكون ماء اللعنة المر. ويستحلف الكاهن المرأة ويقول لها: إن كان لم يضطجع معك رجل، وإن كنت لم تزيغي إلى نجاسة من تحت رجلك، فكوني بريئة من ماء اللعنة هذا المر. ولكن إن كنت قد زغت من تحت رجلك وتنجست، وجعل معك رجل غير رجلك مضجعه يستحلف الكاهن المرأة بحلف اللعنة، ويقول الكاهن للمرأة: يجعلك الرب لعنة وحلفا بين شعبك، بأن يجعل الرب فخذك ساقطة وبطنك وارما. ويدخل ماء اللعنة هذا في أحشائك لورم البطن، ولإسقاط الفخذ. فتقول المرأة: آمين، آمين. ويكتب الكاهن هذه اللعنات في الكتاب ثم يمحوها في الماء المر، ويسقي المرأة ماء اللعنة المر، فيدخل فيها ماء اللعنة للمرارة. ويأخذ الكاهن من يد المرأة تقدمة الغيرة، ويردد التقدمة أمام الرب ويقدمها إلى المذبح. ويقبض الكاهن من التقدمة تذكارها ويوقده على المذبح، وبعد ذلك يسقي المرأة الماء. ومتى سقاها الماء، فإن كانت قد تنجست وخانت رجلها، يدخل فيها ماء اللعنة للمرارة، فيرم بطنها وتسقط فخذها، فتصير المرأة لعنة في وسط شعبها. وإن لم تكن المرأة قد تنجست بل كانت طاهرة، تتبرأ وتحبل بزرع". (العدد 5: 11 - 28).
وإذا ما ذهبنا إلى نظام التطهير من الذنوب في الإسلام وجدنا نظاما آخر يختلف تماما عن هذا النظام الآسن [20] الذي لا يزيد الإنسان إلا خبالا ورجسا، بل يدفع الإنسان إلى الاستمرار في السيئات والفواحش، حيث لا يوجد في الإسلام واسطة بين العبد وربه، وليس فيه مراسم للتطهير، وإنما من أخطأ وارتكب إثما أو فعل منكرا عليه أن يتوب ويرجع إلى الله، ولا تقبل التوبة إلا بشروط، منها: الإقلاع عن الذنب وعدم الرجوع إليه، والندم على فعله، ورد الحقوق إلى أهلها، ثم الاستزادة من الحسنات التي تذهب السيئات،
قال تعالى:
(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135))
(آل عمران)،
وقال تعالى:
(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114))
(هود)،
وقال تعالى:
(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18))
(النساء).
2. الرق:
أباحت التوراة الاسترقاق بطريق الشراء، أو سبيا في الحرب، فجعلت للعبري - اليهودي - أن يستبعد العبري إذا افتقر، فيبيع الفقير نفسه للغني، أو يقدم المدين نفسه للدائن حتى يوفـي له الثمن، ويبقى عبدا له ست سنين ثم يتحرر، ففي سفر الخروج: "إذا اشتريت عبدا عبرانيا، فست سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حرا مجانا". (الخروج 21: 2)، وإذا سرق العبري ماشية وذبحها، أو أي شيء استهلكه، ولم يكن في يده ما يعوض به صاحبه، يباع السارق بسرقته كما نصت التوراة على ذلك في سفر الخروج، وأباحت التوراة للعبري أن يبيع بنته فتكون أمة للعبري الذي يشتريها.
أما الاسترقاق سبيا في الحرب فهو أيسر ما ينزله اليهود بأعدائهم، وقد نص العهد القديم على ما يلي: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة - كل غنيمتها - فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك". (التثنية 20: 10 - 14).
فأين هذا من التشريعات الإسلامية المنضبطة في مسألة الرق والاسترقاق وغيرها؛ إذ إن الإسلام حرص على تحرير الرقيق تدريجيا في المجتمعات؛ وذلك بتضييق روافده وتوسيع أبواب الخروج من الرق، فجعل عتق الرقاب كفارات لكثير من الذنوب كالقتل والظهار والحنث في القسم وغيرها... والأعظم من ذلك تلك الحقوق التي أعطاها الإسلام للرقيق على سادتهم من المعاملة الحسنة وتلبية حاجاتهم وضرورياتهم، وفي الحديث الصحيح: «إخوانكم خولكم [21]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» [22].
وهذه الحقوق التي أعطاها الإسلام للرقيق نابعة من نظرة الإسلام للناس كافة، التي لا تفرق بين غني وفقير أو عبد وسيد أو امرأة ورجل، فالكل عند الله سواسية، لا تميز إلا بالإيمان والعمل الصالح،
قال عز وجل:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13))
(الحجرات).
3. الميراث:
إذا نظرنا إلى نظام الإرث في التوراة فإننا نجد أن أول من يرث الميت ولده الذكر، وإذا تعدد الذكور الأولاد فللبكري حظ اثنين من إخوته، ولا فرق بين المولود بنكاح صحيح أو غير صحيح من الأولاد في المواريث، فيعطي لكل منهم نصيبه بصرف النظر عن النكاح الذي ولد منه، ولا يحرم البكري من امتيازه إذا كان من نكاح غير شرعي.
أما البنات فمن لم تبلغ منهن الثانية عشرة فلها النفقة والتربية حتى تبلغ هذه السن تماما، وليس لها شيء بعد ذلك، وإذا لم يكن للميت ولد ذكر فميراثه لابن ابنه، وإذا لم يكن له ابن انتقل الميراث إلى البنت فأولادها وهكذا. ويرى القراءون أن يكون للبنت نصيب مع الولد، سهمان للولد وسهم للبنت. وإذا لم تكن له ذرية فميراثه لأصوله، وأحق الأصول بميراث الميت أبوه، وله كل التركة، فإن لم يكن له أب فجده. وإذا لم يكن له أصول انتقل الميراث إلى درجات الأقارب الفرعية من الذكور، وإذا لم يكن للميت وارث من فروع أو أصول أو حواش، كانت أمواله مباحة يملكها أسبق الناس إلى حيازتها، وتظل وديعة في يد حائزها [23]مدة ثلاث سنوات، فإذا لم يظهر للميت وارث خلالها صارت ملكا لحائزها، وعند اختلاف الدين يرث اليهودي أقاربه من غير اليهود، ولا يرث الأقارب غير اليهود اليهودي.
أما الميراث في الإسلام فله نظام بديع في توزيع التركة وأهم ميزة تميز النظام الإسلامي عن غيره في هذا المجال أنه أبطل قاعدة: لا ترث البنات إلا عند فقد الذكور، المعمول بها في الشرائع السابقة، فأصبحت البنات يرثن في أبيهن المتوفـى، سواء ترك أبناء ذكورا أو لا، وترث الأم في ابنها المتوفى مع أبيه إن كان على قيد الحياة، أو كان قد توفـي، وترث الزوجة في زوجها المتوفى كما يرث الزوج زوجته المتوفاه.
فالميراث في الإسلام قائم على مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه، ويعتمد في توزيعه للإرث - حتى يحقق العدالة والمساواة - على جهة القرابة ودرجتها والعبء المالي، وليس على النوع، فلا تفاوت في الميراث حسب الذكورة والأنوثة، والمرأة في الإسلام لا ترث نصف الرجل إلا في أربع حالات، وترث في إحدى عشرة حالة مثل الرجل، وترث في أربع عشرة حالة أكثر من الرجل، وترث في خمس حالات ولا يرث نظيرها من الرجال، والحالات الأربع التي ترث فيها نصف الرجل ترجع إلى العبء المالي الذي يوجبه الإسلام على الرجل في مقابل معافاة المرأة من هذه الالتزامات.
ولكي نعرف دقة تشريع نظام الميراث في الإسلام نطالع الآيات التي وردت فيها أحكامه:
(يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12))
(النساء).
وقال تعالى:
(يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176))
(النساء).
هذه هي القواعد العامة في توزيع الميراث في الإسلام، ونجد أنها تختلف كلية عن نظام الإرث في التشريعات اليهودية والتشريعات الأخرى، ومن ثم فلا مجال للمقارنة بينهما.
4. النكاح وتعدد الزوجات:
السن المفروضة لصحة التزوج في اليهودية هي الثالثة عشرة للرجل، والثانية عشرة للمرأة، ولكن يجوز نكاح من بدت عليه علامات بلوغ الحلم قبل هذه السن، ومن بلغ العشرين ولم يتزوج فقد استحق اللعنة، وتعدد الزوجات جائز شرعا بدون حد، ولم يرد بالتوراة ولا أحكام الأنبياء نهي عن تعدد الزوجات ولا عن تحديد عددهن، وعلى العكس من ذلك فقد ورد في التوراة ما يفيد تعدد الزوجات للأنبياء، ولغير الأنبياء. وحدد الربانيون الزوجات بأربع، وأطلقه القراءون.
ويقول غوستاف لوبون: وكان مبدأ تعدد الزوجات شائعا كثيرا لدى بني إسرائيل على الدوام، وما كان القانون المدني أو الشرعي ليعارضه.
وغير اليهود يعتبرون وثنيين في نظر اليهود، ومن أجل هذا لا يجيزون زواج اليهودي أو اليهودية من غير اليهود.
وعن المحرمات في الزواج تمنع الديانة اليهودية أن يتزوج الرجل من كانت زوجة لعمه، ومن كانت زوجة لأخيه إذا أنجبت منه، ولا تجعل اليهودية الرضاعة سببا للتحريم. وفيما يتعلق بزوجة الأخ المتوفـى فقد نصت التوراة على أنه إذا لم يكن للمتوفى ابن فلا تصير امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي، بل يدخل عليها أخو زوجها ويتخذها لنفسه زوجة، والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت، لئلا يمحى اسمه من إسرائيل، ولا يزال الربانيون يعملون بهذا التشريع. أما القراءون فيرون أن هذا التشريع قد نسخ من زمن ولا يزال منسوخا.
وبعض القرائين يحرمون امرأة زوج الأخت، فإذا تزوج زوج الأخت زوجة أخرى ثم طلقها، أو مات عنها فإنها تكون محرمة على إخوة ضرتها، وبعضهم يجعل الزوج والزوجة كشخص واحد، ويجرون التحريم على هذا الأساس، ومعنى هذا أنه يحرم على الزوجة ما يحرم على زوجها لو قدر زوجها امرأة، أي أنها يحرم عليها أخوه وعمه وخاله وابنه.
5. المرأة:
وقد ورد بالعهد القديم عن المرأة ما يلي:
"درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلا، ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون. فوجدت أمر من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها أشراك، ويداها قيود. الصالح قدام الله ينجو منها. أما الخاطئ فيؤخذ بها ". (الجامعة 7: 25، 26).
والزواج في اليهودية صفقة شراء تعد المرأة به مملوكة، وتشترى من أبيها فيكون زوجها سيدها المطلق، ويتم الزواج إذا باركه أحد الكهنة، وقدم الرجل للمرأة خاتما، أو هدية أخرى لها قيمة في حضور شاهدين على الأقل، ويعتبر ذلك عقدا، وإذا حضر العقد عشرة رجال فأكثر أتبع العقد بصلوات وأدعية يشترك فيها الجميع. ومن تقاليد الفكر اليهودي أن الرجل إذا تزوج لا يلتحق بالجيش، ولا يرتبط بأعمال تبعده عن زوجته مدة عام، فشهر العسل في الفكر اليهودي عام كامل.
والمرأة المتزوجة كالقاصر والصبي والمجنون، لا يجوز لها البيع أو الشراء، وينص الفكر اليهودي على أن جميع مال المرأة ملك زوجها، وليس لها سوى ما فرض لها من مؤخر الصداق في عقد الزواج، تطالب به بعد موته، أو عند الطلاق منه، وعلى هذا فكل ما دخلت به من مال، وكل ما تلقطه وتكسبه من سعي وعمل، وكل ما يهدى في عرسها، ملك حلال لزوجها، يتصرف فيه كيف شاء بدون معارض ولا منازع.
وبالنسبة لكثرة ما شوهد من وقوع الشقاق والفرقة بين الأزواج، فقد استقر رأي السادة على وجوب الأخذ بمشروع "وقف الزوجية" ومعنى وقف الزوجية أن توقف أموال الزوجة، ويصير الزوج قيما عليها يستغلها، دون أن يبيعها أو يرهنها، فتصبح الزوجة بذلك مالكة لرقبة الأموال، والزوج مالكا للمنفعة، فإذا حصلت الفرقة عادت الثروة للزوجة " [24].
وإذا كانت المرأة في اليهودية تباع وتشترى، وهي المسئولة عن الخطيئة الأولى، وتعامل معاملة الصبي القاصر أو المجنون، وتملك هي ومالها لزوجها، فإن هذه النظرة الدونية للمرأة قد رفضها الإسلام، وأعطاها حقوقا لم تكن المرأة نفسها تحلم بها، بل إن الإسلام سوى بين الرجل والمرأة في سائر الحقوق والواجبات إلا في بعض الأحكام القليلة، وأعطاها حرية اختيار زوجها ونهى عن إكراهها في النكاح، وأعطاها حق تملك المال والتصرف فيه بحريتها دون وصاية من أحد، وجعل لها حق المشاركة في الأمور العامة والسياسة كالبيعة والحسبة وغيرها، حتى في أمور العبادات والطاعات لم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة إلا في بعض الأحكام القليلة
:(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124))
(النساء).
وقد كرم الإسلام المرأة في جميع أحوالها: بنتا وأما وأختا وزوجة ورحما، كرمها أما وجعل حقوقها أضعاف حقوق الأب:
(ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15))
(الأحقاف).
وجاء رجل إلى رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـفقال: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك» [25].
وكرمها زوجة جعل نفقتها وكسوتها وطعامها وشرابها على زوجها، وجعل أساس الزواج المودة والرحمة والسكن وليس مجرد التمتع والشهوة كما في غير الإسلام من أديان، وكرمها بنتا وجعل الجنة جزاء تربيتها ورعايتها.
والكلام في مجال تكريم الإسلام للمرأة لا يتسع له هذا المقام وقد تقدم في مجلد المرأة والأسرة ما فيه الكفاية [26].
6. الأخلاق اليهودية:
هذا عن جانب التشريع الذي لعله ظهر للقارئ من عرض بعض ملامحه، الفارق الواضح بين التشريع الإسلامي الرباني، وبين تشريع التوراة والتلمود، الذي طالته يد التحريف والتزييف؛ فحفل بالمتناقضات والغرائب. فماذا عن الجانب الأخلاقي، لا شك أن الملم ببعض المضامين في الجانبين والروح السائدة فيهما، سوف يتوقع أن الاختلاف بين القرآن وبين التوراة والتلمود سيكون أوضح والفارق أبين في الجانب الأخلاقي والإنساني.
في هذا المجال، وتحت عنوان "نظرة اليهود إلى باقي الأمم على أنهم كلاب وحمير وخنازير" كتب د. محمد عبد الله الشرقاوي يقول: "جاء في التلمود، أن الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، فإذا ضرب أمي إسرائيليا فكأنه ضرب العزة الإلهية، ويعتقد اليهود فيما سطره لهم حاخاماتهم - أن اليهودي جزء من الله، كما أن الابن جزء من أبيه، ولذلك ذكر في التلمود أنه إذا ضرب أمي إسرائيليا فالأمي يستحق الموت، وأنه إذا لم يخلق اليهود، لانعدمت البركة من الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقي المخلوقات أن تعيش، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق الموجود بين اليهود وباقي الشعوب، وجاء في تلمود أورشليم أن النطفة المخلوق منها باقي الشعوب الخارجين عن الديانة اليهودية هي نطفة حصان... ويعتبر التلمود أيضا الأجانب كلابا، وفي سفر الخروج (12، 16) أن الأعياد المقدسة لم تجعل للأجانب ولا للكلاب... وذكر في كتب أخرى: أن الكلب أفضل من الأجانب؛ لأنه مصرح لليهودي في الأعياد أن يطعم الكلب، وليس له أن يطعم الأجانب، وغير مصرح له أن يعطيهم لحما، بل يعطيه للكلب؛ لأنه أفضل منهم.
والأمم الخارجة عن دين اليهود ليست فقط كلابا بل حميرا أيضا. وقال الحاخام "أباربانيل": الشعب المختار فقط يستحق الحياة الأبدية، وأما باقي الشعوب فمثلهم كمثل الحمير.. فالخارج عن دين اليهود حيوان على العموم، فسمه كلبا، أو حمارا، أو خنزيرا. والنطفة التي هو منها هي نطفة حيوان.. فبناء على هذه القواعد لا يعتبر اليهود باقي الأمم أقارب لهم؛ لأنه لا يمكن اعتبار الحيوان قريبا للإنسان.
ويعتبر اليهودي الوثني الذي لا يتهود والمسيحي الذي على دين المسيح كلاهما عدو الله وعدوهم، كما يعتبر اليهود كل خارج عن مذهبهم غير إنسان، ولا يصح أن نستعمل معه الرأفة، ويعتقدون أن غضب الله موجه إليه، وأنه لا يلزم أن تأخذ اليهود شفقة به.
وجائز لبني إسرائيل على حسب تعاليم التلمود أن يغشوا الكفار؛ لأنه يقول: يلزم أن تكون طاهرا مع الطاهرين، ودنسا مع الدنسين، ومحظور على اليهود - حسب التلمود - أن يحيوا الكفار بالسلام، ما لم يخشوا ضررهم أو عداوتهم، فاستنتج الحاخام بشاي من ذلك أن النفاق جائز، وأن الإنسان - أي اليهودي - يمكنه أن يكون مؤدبا مع الكافر، ويدعي محبته كذبا إذا خاف أن يؤذيه. وذكر التلمود أنه جائز استعمال النفاق مع الكفار، والكفار هم كل الخارجين عن الدين اليهودي [27].
وفي مقابل هذه النظرة العنصرية البغيضة في اليهودية نجد أن أعظم ما امتاز به الإسلام وشرائعه - هو تكريم الإنسان عموما دون النظر إلى جنسه أو لونه أو دين
ه قال تعالى:
(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70))
(الإسراء)،
وكذلك فإن الناس سواسية لا فرق بينهم لدين أو جنس أو عنصر
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13)) ،
(الحجرات)
وفي الحديث:
«أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»
[28].
وهذه الأمم والشعوب على تنوع دياناتها ومللها وثقافتها وحاضاراتها - كان العدل هو معيار النظرة القرآنية وروح الحضارة الإسلامية والسماحة أساس التعامل مع كل الفرقاء المختلفين.
قال تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8))
(المائدة)،
وقال تعالى
(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194))
(البقرة)،
وقال تعالى:
(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126))
(النحل).
والنصوص التي تبين سماحة الإسلام وعدالته وإنصافه لكل المخالفين أكثر من أن تحصى ولا يسع المجال لسردها، وقد سبق تفصيلها في أماكن أخرى من هذه الموسوعة وفيها الكفاية [29].
وفي أحد أعياد اليهود - وهو عيد الفصح - يأمر التلمود بذبح الآدميين من غير بني إسرائيل وتقديمهم قربانا لآلهتهم، ومزج دمائهم بعجين الفطائر المقدسة التي يتناولونها في أعيادهم وأفراحهم الدينية، ويستنزف اليهود دم ضحاياهم بطرق كثيرة منها ما يسمى "البرميل الإبرى" وهو برميل يثبتون على جانبه من الداخل إبرا حادة توضع فيها الضحية حية، فتغرز هذه الإبر في جسمها حتى يسيل الدم ببطء من مختلف أعضائها، وتظل كذلك في عذاب أليم حتى تفارقها روحها، بينما يكون اليهود الملتفون حول هذا البرميل في نشوة تامة؛ لما يبعث هذا المنظر في نفوسهم من لذة وسرور، وينحدر الدم إلى قاع البرميل، ثم يصب في إناء معد لجمعه، وأحيانا تقطع شرايين الضحية من عدة مواضع ليتدفق الدم من جروحها، وأحيانا يذبح الضحية كما تذبح الشاة، ويؤخذ دمها وبعد أن يجتمع الدم يقدم للحاخام أو الكاهن، لإعداد الفطائر المقدسة.
واليهود لا يشمئزون من مزاولة هذه الجريمة البشعة حتى في العصر الحاضر، لو تمكنوا من ذلك، وخاصة بعد إقامة دولتهم غير الشرعية على أرض فلسطين الإسلامية.
بل أكثر من هذا لقد جاء في التلمود أنه: "محرم على اليهودي أن ينجي أحدا من الأميين من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، بل إذا رأى أحد الأميين يقع في حفرة لزمه أن يسدها بحجر"؛ لأن السكان الذين كانوا في أرض كنعان وقضت التوراة المزعومة بقتلهم جميعا لم يقتلوا عن آخرهم، بل هرب بعضهم واختلط بباقي أمم الأرض، ولذلك يلزم قتل غير اليهودي لاحتمال أن يكون من هؤلاء الهاربين" [30].
ثالثا. بين أسلوب القرآن وأسلوب التوراة:
تتمة هذه المزاعم أن هناك تشابها بين أسلوبي القرآن والتوراة، مع أن المتصفح للكتابين - ولو متعجلا - يدرك بيسر وبداهة الفرق بين الأسلوب القرآني البليغ البديع الفصيح، عالي المستوى قوة وجزالة، ووضوحا ودقة، وبين أسلوب التوراة الركيك - في معظمه - الهزيل، مفكك البنية غامض المعنى في أحيان كثيرة، لا تستشعر فيه جلال الأسلوب القرآني وبلاغته المهيبة.
يقول د. الجديع: " يعسر أن تحد وجوه الإعجاز في القرآن العظيم، فكل شيء منه لا نظير له، فهو باهر في ألفاظه وأسلوبه، في تأليفه ونظمه، في بيانه وبلاغته، في تشريعه وحكمه التي حيرت الألباب، في أنبائه وأخباره، في تاريخه وحفظه في علومه التي لا تنقطع ولا تقف عند غاية.
ومن أنواع الإعجاز القرآني: الإعجاز اللغوي: هذا النوع هو أبرز ما تحدى به القرآن العرب في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو التحدي في أبرز خصائصهم، فمع أنه بلسانهم، وأتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم، وأساليب بيانهم، وهم يومئذ في الذروة في ذلك نثرا ونظما. لكنهم عجزوا عن معارضته ولو بسورة من مثله، فصاروا يتخبطون، فتارة يقولون "هو شعر" وتارة "قول كاهن" وتارة "أساطير الأولين" لا يثبتون على شيء؛ لأنهم يعلمون أنه ليس كما يقولون، وما كانوا ليغفلوا عن صفة الشعر ولا صيغة النثر، وهم أهل ذلك وعباقرته، وإنما شأنهم شأن من
قال الله فيهم:
(فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14))
(النمل).
ثم إن هذا القرآن قد اشتمل من القاموس العربي على أحسن الكلمات وأفصحها
،(الله نزل أحسن الحديث)
(الزمر: 23)،
أما في تركيب جمله وتناسق عباراته، ومقاطع آياته، فهو الفرد الذي لا نظير له،
(كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3))
(فصلت)،
(ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28))
(الزمر).
فكم ترى يكون في الكلام من المعاني، أو البيان، أو البديع، فإن القرآن في ذروة ذلك، بل به عرف كل ذلك، فما وضعت علوم البلاغة إلا بسببه طريقا إلى فهمه، وإبرازا لعظيم قدره، وتأصيلا ليبنى سائر الكلام على قاعدته ونهجه.
وأهل التفسير في القديم والحديث، يراعون هذه الخصوصية للقرآن، فلم يتكلم أحد في تفسير هذا الكتاب، وبيان دلائله ومعانيه من لدن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى اليوم، إلا وهو يراعي الجوانب البلاغية فيه، وأسرار ذلك لا تنتهي، ولن تنتهي:
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82))
(النساء) [31].
فأين هذه البلاغة وتلك الفصاحة في أسلوب التوارة، ولغتها أشبه ما يكون بلغة الأطفال، حيث الجمل التي لا رابط بينها، والتكرار المعيب، والحشر والإقحام؟!
إن التوارة - بوضعها الحالي - يعود تاريخها إلى سنة 90 قبل الميلاد بعد وفاة موسى - عليه السلام - بمئات السنين فكيف يمكن الوثوق بها؟!
هذا بالإضافة إلى السطحية والخرافات والأباطيل التي تطفح بها هذه الأسفار وكل ذلك يؤكد عدم ارتباطها بالوحي الإلهي.
وقد اعترف كثير من الدارسين والباحثين بهذه الحقيقة؛ لأن التناقضات وعدم التجانس المعهود في نصوص التوراة تؤكد حقيقة أن الأناجيل تحتوي على فصول ومقاطع ما هي إلا النتاج الوحيد للخيال البشري، فقد جاءت من خلال فكر الكنيسة وآراء المؤلفين يقول جراهام سكروجي: نعم إن الكتاب المقدس بشري، هذه الكتب المقدسة قد مرت عبر عقول الناس، وهي مكتوبة بلغة الناس، وخطت بأقلام الناس وأيديهم تحمل في أساليبها خصائص البشر".
بعد هذا العرض المسهب، لا شك أنه قد اتضح للعيان الفارق الظاهر بين القرآن من ناحية، وبين التوراة والتلمود من ناحية، مضمونا - عقيدة وتقنينا وأخلاقا - وأسلوبا، فارق ما بين الإلهي الرباني وبين البشري الإنساني.
الخلاصة:
• بما أن اليهودية والإسلام ديانتان سماويتان؛ فمن الطبيعي أن تكونا ديانتين توحيديتين، إلا أن القرآن - المحفوظ بأمر الله - قد ظل كتابا توحيديا خالصا، بينما شوهت يد التحريف والتزييف هذه العقيدة في التوراة فجعلتها أقرب إلى التجسيدية الوثنية.
• التوحيد في الإسلام ينزه الله تعالى عن الشرك وعما لا يليق به - سبحانه وتعالى - من صفات وينعته بنعوت الكمال وصفات الجلال فهو الذي لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وهو المعبود بحق ولا معبود سواه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أما في اليهودية فقد تأثر اليهود بالمجتمعات الوثنية كالمجتمع البابلي أثناء الأسر البابلي وتأثروا بالديانة الزرادشتية وما بها من عقائد وأفكار، بل أخذوا معظم عقائدهم في الإلهيات وغيرها كالجن والشياطين من هذه المجتمعات الوثنية، فهم يصفون الله بصفات النقص والعجز مثله مثل البشر يعتريه التعب والإرهاق والخوف والجهل وغيرها مما لا يليق بالذات العلية؛ فأدى ذلك إلى تشويه صورة الله عند اليهوديين وقضى على مكانة الألوهية والشعور بعظمة الله وقدرته وتعاليه واستحقاقه للعبادة.
• الجانب التشريعي في الإسلام متعاظم دقيق منطقي متلائم مع الطبيعة البشرية، بينما هو في اليهودية، في كثير من الأحيان، غريب الأحكام متناقض قاس غير واقعي، غير ملائم للطبيعة الإنسانية؛ إذ إنها من صنع الكهنة والرهبان من اللاويين أبناء ليفى الذين كان لهم الحق في وضع الأحكام للأمة العبرية، وذلك بشهادة المنصفين من الدارسين الذين شهدوا بأن هذه التشريعات جاءت من وضع الكهنة والرهبان يقررون بها حقا لأنفسهم وتقاليد لقومهم حسب أهوائهم وأغراضهم الشخصية.
• الجانب الأخلاقي في القرآن إنساني خالد راق، بينما هو في الناحية الأخرى عنصري حاقد، وحشي فاسد.
• كذا الأسلوب القرآني في فصاحته وبلاغته، يشعرك بجلال الألوهية، وتسري فيه الهيبة الربانية، بينما الأسلوب في التوراة والتلمود بشري متهافت مفكك لا يرقى إلى حد البلاغة والفصاحة البشرية، فضلا عن أن يكون منزلا من عند الله ت
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد