محتوي المقال
ثانيا. القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له، بيد أن الكتاب المقدس محرف بشهادة الله - عز وجل - بذلك:
لقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا القرآن الكريم من أي تحريف أو ضياع أو نقص، ولم يترك هذه المهمة لأحد من البشر حتى ولو كان هذا البشر رجلا في مكانة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يترك هذه المهمة لملك ولو كان في مكانة جبريل ـ عليه وسلم -
فقال سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:
(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9))
(الحجر)،
(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82))
(النساء)،
فمن أين يأتي القرآن مثل هذا التشابه المزعوم بالكتب المقدسة المحرفة من قبل أتباع اليهودية والنصرانية؟!
فقبل أن ينظر أصحاب هذا الادعاء في القرآن الكريم، وقبل أن يفتشوا فيه عن تشابه بينه، وبين الكتب السابقة، عليهم أولا أن ينظروا في كتابهم المحرف بنص القرآن الكريم، واعتراف بعض أحبارهم بهذا التحريف، فكلما جاء حبر، أو راهب كتب له كتابا مقدسا ليشتري به ثمنا قليلا،
فقال سبحانه وتعالى:
(يحرفون الكلم من بعد مواضعه)
(المائدة: ٤١)
ومنه قوله سبحانه وتعالى:
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79))
(البقرة)،
فقد توعد الله الذين يفترون على الله كذبا، ويكتبون الكتاب بأيديهم، ويقولون: هذا ما أنزل الله لكي يجمعوا مال الدنيا، ولكنهم في الآخرة يصلون جهنم، ويقعون في وادي الويل المخصص لهم فيها، جزاء وفاقا على ما كسبت أيديهم.
ثالثا. إذا كان القرآن ترجم عن التوراة، فعن أي توراة ترجم، التوراة الحقة أم المحرفة:
لقد ثبت تاريخيا أن التوراة لم تسلم من التبديل والتغيير، ومن حيثيات ذلك[6]:
• أن نسخة التوراة التي بأيدي السامريين تزيد في عمر الدنيا نحوا من ألف عام على ما جاء في نسخة العنانيين، وأن نسخة النصارى تزيد ألفا وثلاثمائة سنة.
• أن نسخ التوراة التي بأيديهم تحكي عن الله وعن أنبيائه وملائكته أمورا ينكرها العقل ويمجها الطبع، ويتأذى بها السمع، مما يستحيل معها أن يكون هذا الكتاب صادرا عن نفس بشرية مؤمنة طاهرة، فضلا عن أن ينسب إلى ولي، فضلا عن أن ينسب إلى نبي، فضلا عن أن ينسب إلى الله رب العالمين.
ومن هذه الأباطيل أن الله ندم على إرسال الطوفان إلى العالم، وأنه بكى حتى رمدت عيناه، وأن يعقوب صارعه - جل الله عن ذلك - فصرعه، ومن ذلك أيضا أن لوطا ـعليه السلام - شرب الخمر حتى ثمل وزنى بابنتيه.
• ما جاء في بعض نسخ التوراة يفيد أن نوحا أدرك جميع آبائه إلى آدم، وأنه أدرك من عهد آدم نحوا من مائتي سنة، وجاء في نسخ أخرى ما يفيد أنه أدرك من عمر إبراهيم ثماني وخمسين سنة، وكل هذا باطل تاريخيا.
• ما ثبت بالتواتر عند المؤرخين، بل عند اليهود أنفسهم من أن بني إسرائيل، وهم حملة التوراة وحفاظها - قد ارتدوا عن الدين مرات كثيرة، وعبدوا الأصنام، وقتلوا أنبياءهم شر تقتيل.
وإذا ثبت وقوع التحريف في التوراة الحقيقية - نعم الحقيقية، فنحن المسلمين نؤمن بأن هناك كتابا مقدسا، هو التوراة نزل على نبي الله موسى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، إذا ثبت ذلك فعن أي التوراتين ترجم القرآن؟
وهب أن القرآن ترجم عن التوراة، فلماذا لم يؤمنوا به؟
إن كلمة ترجم الكلام: أي بينه ووضحه، تعني أيضا نقله من لغة إلى لغة أخرى.
فإذا كان القرآن - كما يزعمون - منقولا عن التوراة، فلماذا لم يؤمنوا به، أوما يشتمل المترجم على ما يشتمل عليه المترجم عنه من أوامر ونواه وحقائق ومعارف، ومعان وكلمات مترجمة عن اللغة الأصل؟!
ليس الأمر كما يرون، فالبون شاسع بين القرآن والتوراة، فأسلوب القرآن فصيح بليغ، أما أسلوب التوراة فضعيف ركيك، وأوامر التوراة تختلف عن أوامر القرآن.
فتوراتهم المحرفة تأمرهم بقتل الأبرياء وتشريد الضعفاء، وبخاصة وإذا كانوا مسلمين:
(ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)
(آل عمران: ٧٥)
وما يحدث في فلسطين والعراق، وشتى بقاع العالم الإسلامي خير شاهد على ذلك.
توراتهم تقول لهم: إنهم شعب الله المختار، وكل الشعوب سواهم عبيد لهم، وهم أسياد عليهم، بئست العنصرية هي.
أما إسلامنا وقرآننا فالأمر فيه مختلف، فما عرفت مساواة كمساواة الإسلام بين الناس، هذا نبيه ـ صلى الله عليه وسلم - يطلقها في الآذان مدوية: «ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»[7].
فهذا القاضي شريح يحكم بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأحد اليهود في درع، فينادي القاضي على أمير المؤمنين بكنيته، وعلى اليهودي باسمه، فيأبى أمير المؤمنين ذلك، وينكر على القاضي ما فعل، ثم لضعف حجة أمير المؤمنين يحكم القاضي لليهودي بالدرع.
وهذا الفاروق عمر يشتكي إليه القبطي من صفع ابن عمرو بن العاص له؛ لأنه سبقه قائلا له: خذها وأنا ابن الأكرمين، فيرسل على الفور إلى عمرو وولده آمرا إياه بالحضور، ويطلب من الرجل القبطي أن يقتص ممن ضربه، ثم قال كلمته المشهورة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
هذا قرآننا، وهذا فعله في أتباعه، وها هي توراتهم وفعلها في أتباعها، ثم يقولون: إن القرآن ترجم عن التوراة، هيهات هيهات!!
إذا كان القرآن ترجمة عن التوراة، فلماذا لم يترجمه أحد من أحبار اليهود، أو رهبان النصارى، أو فطاحل اللغة من العرب، وتقدم لذلك النبي الأمي؟
لقد ثبت تاريخيا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ودليل ذلك كتبة الوحي أمثال حسان بن ثابت وغيره، فلم يكتب النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن بنفسه.
ثم إننا نتساءل: كيف يقرأ النبي التوراة ويترجم عنها، ولم يكن له حظ حتى من قراءة "أشعار العرب"؟ فقد روت كتب التاريخ أن النبي ـصلى الله عليه وسلم - كان يتمثل قول أحد الشعراء "كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا" بزيادة باء على كلمة الشيب، فكان يقول: "كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيا" فيصوبها له أبو بكر الصديق معقبا:
صدق من قال فيك:
(وما علمناه الشعر وما ينبغي له)،
(يس:٦٩)
ثم أين أحبار اليهود؟ وأين رهبان النصارى، وأين أرباب اللسان من العرب؟ ما الذي عدل بهم عن أن يكسبوا هذه الشهرة الواسعة بترجمة التوراة، وجعلها كتابا يدون عليه اسمهم؟ فهل يقبل العقل أن يتحرك النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الصدد ويكسل الفطاحل وكبار القوم؟
الآية ليست دليلا على ترجمة القرآن عن التوراة، فلكي أقول: إن كتاب كذا مترجم عن كتاب كذا، ومجالهما العلمى واحد، فيجب أن يكون مضمونا الكتابين واحد، والمعاني التي أورداها واحدة، فكلمة ترجمة تعني نقل كلام من لغة إلى أخرى.
فبالله عليكم هل معاني القرآن كمعاني التوراة؟ هل أسلوب القرآن البليغ كأسلوب التوراة الركيك؟ هل حقائق القرآن الثابتة علميا كأباطيل التوراة التي تناقض العلم؟ فهذا موريس بوكاي ينظر ويتأمل الكتب السماوية الثلاث - القرآن والتوراة والإنجيل، فيقول شهادته للتاريخ، وللأجيال القادمة على ألا تنخدع.
يقول: لقد نظرت في التوراة والإنجيل والقرآن، فوجدت أن الحقائق العلمية الواردة في الكتابين المتقدمين - يعني التوراة والإنجيل - كما متهافتا فيه، أما في القرآن الكريم فوجدت كما هائلا من الحقائق العملية، وهي متطابقة تماما مع حقائق العلم الحديث.
رابعا. الآية التي استدلوا بها على إمامة التوراة:
الآية التي استدلوا بها حينما نحللها نجد أنها تذكر أن التوراة كانت قبل القرآن إماما ورحمة، ولكن لمن؟ هل للقرآن؟ والله ما سمعنا أبدا أن كتابا يرحم كتابا، قد يكون له إماما، لكن عطف الكلمتين - إماما ورحمة، تعني أن حكمهما واحد، وفقهاء اللغة العربية يقولون: إن في الآية محذوفا معلوما من السياق، هو من تقع عليهم إمامة الكتاب ورحمته وهم الناس، فيكون المعنى بعد رد المحذوف، إن التوراة كانت قبل القرآن إماما ورحمة للناس.
وهنا تتجلى الحقيقة الناصعة، هي أن الإمامة والرحمة قد انتقلتا إلى القرآن، وبقية الآية تدلل على صدق هذا المعنى،
(وهذا كتاب مصدق)
(الأحقاف:12)
يعني أن القرآن يثبت هذه الإمامة والرحمة للتوراة قبل نزوله، ويعني أيضا أن القرآن قد اشتمل على هذه الإمامة والرحمة بعد نزوله، فقد انتقلت إليه الإمامة والرحمة، وذلك لأن الإسلام دين عام شامل لكل الأديان السابقة.
فجميع رسل الله وأنبيائه جاءوا بالإسلام العام، فلا دين عند الله إلا الإسلام:
(إن الدين عند الله الإسلام)
(آل عمران: ١٩)،
والإسلام العام بالمعنى اللغوي الذي فعله أسلم: أي انقاد، وأذعن وخضع، وسلم أمره لله، فهل جاء تشريع سماوي بغير ذلك؟ إئتونا بدليل، أما دليلنا فأقوال أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام - لأقوامهم:
فهذا سيدنا نوح يقول:
(وأمرت أن أكون من المسلمين (72))
(يونس)،
وهذا نبي الله يعقوب يقول:
(ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي)
(البقرة).
ويرد أبناؤه:
( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133))
(البقرة)،
والحواريون يقولون كما قال تعالى:
(قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52)
)(آل عمران)،
وعلى لسان سيدنا موسى:
(وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84))
(يونس).
خامسا. أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن عن بحيرا زعم لا يؤيده عقل ولا منطق:
إن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه ـصلى الله عليه وسلم - سافر إلى الشام في تجارة مرتين: مرة في طفولته، ومرة في شبابه، ولم يسافر غير هاتين المرتين، ولم يجاوز سوق البصرة فيهما، ولم يسمع من بحيرا ولا من غيره شيئا من الدين، ولم يكن أمره سرا هناك، بل كان معه شاهد في المرة الأولى هو عمه أبو طالب، وشاهد في المرة الثانية، هو ميسرة غلام خديجة التي خرج الرسول ـصلى الله عليه وسلم ــ بتجارتها يومئذ، وكل ما هنالك أن بحيرا رأى سحابة تظلله ـصلى الله عليه وسلم ـمن الشمس، فذكر لعمه أن سيكون لهذا الغلام شأن، ثم حذره من اليهود، وقد رجع به عمه خوفا عليه، ولم تتم رحلته، كذلك روي هذا الحديث من طرق في بعض أسانيدها ضعف، ورواية الترمذي ليس فيها اسم بحيرا، وليس في شيء من الروايات أنه ـصلى الله عليه وسلم - سمع من بحيرا الراهب أو تلقى منه درسا واحدا، أو كلمة واحدة لا في العقائد ولا في العبادات ولا في المعاملات ولا في الأخلاق، فأنى يؤفكون؟
إن تلك الروايات التاريخية نفسها تنفي أن يقف هذا الراهب موقف المعلم لمحمد - صلى الله عليه وسلمـ لأنه بشره أو بشر عمه بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التي يزفها، ثم ينصب نفسه أستاذا لصاحبها الذي سيأخذ عن الله ويتلقى من جبريل، ويكون هو أستاذ الأساتذة وهادي الهداة والمرشدين، وإلا كان هذا الراهب متناقضا مع نفسه.
لو كان بحيرا الراهب مصدر هذا الفيض القرآني المعجز لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة:
إنه من المستحيل - في مجرى العادة - أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته، ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف، بحيث يصبح أستاذ العالم كله؛ لمجرد أنه لقى - مصادفة أو اتفاقا - راهبا من الرهبان مرتين، على حين أن هذا التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلا عن التعليم بالتجارة، وكان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكان صغيرا تابعا لعمه في المرة الأولى، وكان حاملا لأمانة ثقيلة في عنقه لا بد أن يؤديها في المرة الثانية، وهي أمانة الإخلاص في مال خديجة وتجارتها.
إن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه الراهب بحيرا، تأبى أن تكون مصدرا للقرآن وهدايته، خصوصا بعدما أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف، وحسبك دليلا على ذلك أن القرآن قد صور علوم أهل الكتاب في زمانه بأنها الجهالات ثم تصدى لتصحيحها، وصور عقائدهم بأنها الضلالات ثم عمل على تقويمها، وصور أعمالهم بأنها المخازي والمنكرات ثم حض على تركها، ثم تذكر أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن الخطأ لا يمكن أن يكون مصدرا للصواب، وأن الظلام لا يمكن أن يكون منبعا للنور.
إن أصحاب هذه الشبهة يقولون: إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل، فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه، وندعوهم ليقرأوه ولو مرة واحدة بتعقل وإنصاف، ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكتبها في عصره؟ وليعلموا أنها ما كانت لتصلح لأستاذية رشيدة، بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة، إنهم إن فعلوا ذلك فسيستريحوا ويريحوا الناس من هذا الضلال والزيغ،ومن ذلك الخبط والخلط:
(ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40))
(النور).
سادسا. استحالة أن يكون الغلام الرومي الحداد هو مصدر القرآن:
فهذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة لفرح بها قومه، وقاموا لها ولم يقعدوا؛ لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم ـوكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه، وإحباط دعوته بأية وسيلة، ولكنهم كانوا أكرم على أنفسهم من هؤلاء المدعين، فحين أرادوا طعنه بأنه تعلم القرآن من غيره، لم يفكروا في أن يقولوا: إنه تعلم من بحيرا الراهب كما قال هؤلاء؛ لأن العقل لا يصدق ذلك، والهزل لا يسعه، بل لجئوا إلى رجل في نسبة الأستاذية إليه شيء من الطرافة والهزل، حتى إذا مجت العقول نسبة الأستاذية إليه لاستحالتها، قبلتها النفوس لهزلها وطرافتها، فقالوا: إنما يعلمه بشر، وأرادوا بالبشر حدادا روميا منهمكا بين مطرقته وسندانه، يظل طول يومه في خبث الحديد وناره ودخانه، غير أنه اجتمع فيه أمران حسبوهما مناط ترويج تهمتهم:
أحدهما: أنه مقيم بمكة إقامة تيسر لمحمد ـصلى الله عليه وسلم - الاتصال الدائم الوثيق به والتلقي عنه.
والآخر: أنه غريب عنهم وليس منهم؛ ليخيلوا إلى قومهم أن عند هذا الرجل علم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم، فيكون ذلك أدنى إلى التصديق بأستاذيته لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وغاب عنهم أن الحق لا يزال نوره ساطعا يدل عليه؛ لأن هذا الحداد الرومي أعجمي لا يحسن العربية، فليس بمعقول أن يكون مصدرا لهذا القرآن الذي هو أبلغ نصوص العربية، بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية
(لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103))
(النحل)[8].
سابعا. لا يمكن أن يكون ورقة بن نوفل هو مصدر القرآن:
إذا كان هؤلاء يدعون أن محمدا ـصلى الله عليه وسلم - كان يلقى ورقة بن نوفل، فيأخذ عنه ويسمع منه، وورقة لا يبخل عليه؛ لأنه قريب لخديجة - زوج محمد - ويريدون بهذا أن يوهموا قارئيهم وسامعيهم بأن هذا القرآن استمد علومه من هذا النصراني الكبير، الذي يجيد اللغة العبرية ويقرأ بها.
فإذا كان هؤلاء يدعون ذلك فإننا نقول لهم: ما الدليل على تلك الدعوى؟ وما الذي تعلمه محمد ـصلى الله عليه وسلم - من ورقة بن نوفل؟ كما أنهم لم يذكروا لنا: كم لقاء التقى فيه محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ بورقة بن نوفل، بل إنهم لم يذكروا كم عاش ورقة بعد لقائه الأول مع رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم - ونحن نقرر هنا: إنه لا دليل عندهم على هذا الذي يتوهمونه، وأن خديجة ذهبت بالنبي ــ صلى الله عليه وسلم - حين بدأه الوحي إلى ورقة، ولما قص الرسول قصصه قال: هذا هو الناموس الذي أنزله الله على موسى.
ثم تمنى أن يكون شابا فيه حياة وقوة ينصر بها الرسول ويؤازره حين يخرجه قومه، ثم لم يلبث أن مات ورقة، وفتر الوحي مدة ستة أشهر - على خلاف بين العلماء - ولم تذكر الروايات الصحيحة أنه ألقى إلى الرسول عظة، أو درس له درسا في العقائد أو التشريع، ولا ذكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتردد عليه حتى يتلقى منه، بل تؤكد الروايات أن ورقة لم يعش بعد هذا اللقاء إلا بضعة أشهر، ثم مات وهذه مدة قصيرة لا تكفي لأخذ كل هذا الفيض الإسلامي العظيم[9].
وإذا كان ما يدعيه هؤلاء حقا، وأن النبي أخذ عن ورقة عقائد النصارى، فهل ما جاء به النبي ــ صلى الله عليه وسلم - هو ما عند النصارى من عقائد وتشريعات، أم أنه يخالف عقائدهم وينكرها عليهم، وينقضهم فيما حرفوه من الكلم وما كتموه من الحق؟!
إن كل الذي كان من أمر ورقة بن نوفل أنه بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتمنى أن يعيش حتى يكون جنديا مخلصا في الدفاع عن الإسلام.
الخلاصة:
• الزعم القائل بأن النبي نقل الكثير من الكلمات والآيات من كتب السابقين زعم باطل؛ لأن هذا يستدعي معرفة النبي ـصلى الله عليه وسلم - باللغات السابقة كتابة وقراءة، وهذا ما تجمع المصادر على نفيه؛ لأن النبي ـصلى الله عليه وسلم - كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
• الآيات التي يعتقد أصحاب هذا الادعاء أن بينها وبين آيات الإنجيل والتوراة تشابها - تختلف في معناها عن معاني تلك التي جاءت في كتبهم، فلا يوجد أدنى تشابه بينهما.
• الكلمات التي قيل: إن أصلها عبري أو آرامي أو سرياني، كلمات عربية أصيلة، فهي موجودة في نصوص شعرية قبل بعثة النبي ـصلى الله عليه وسلم - وكذلك في معاجم اللغة القديمة، وتحمل معاني تخالف المعاني التي جاءت في اللغات العبرية الآرامية والسريانية.
• الله ـ عز وجل - تكفل بحفظ القرآن الكريم من الضياع و التحريف، و غير ذلك من أعمال البشر، ولم يترك هذه المهمة لبشر، ولو كان في مقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم - أو جبريل - عليه السلام - ولهذا جاء القرآن صحيحا متناسقا لا يعارض بعضه بعضا - كما يدعي هؤلاء المتوهمون.
• قبل أن يطعن هؤلاء في القرآن الكريم، عليهم أولا أن ينظروا في كتابهم الذي يظنون أنه مقدس؛ ليلمسوا ما فيه من مخالفات فاضحة وواضحة، وتناقضات بينة، فكلما جاء حبر من أحبارهم أو راهب من رهبانهم كتب لهم كتابا جديدا ليشتري به ثمنا قليلا، أما القرآن الكريم فهو عكس ذلك، فقد جاء من عند الله - عز وجل - ولم يتغير منذ نزوله إلى أن تقوم الساعة.
• النبي ـصلى الله عليه وسلم - لم يسافر إلى الشام إلا مرتين، وكان مشغولا فيهما بالتجارة، وكان لقاؤه بالراهب "بحيرا" عابرا، إذ كان طفلا صغيرا في الأولى، وكان مؤتمنا على تجارة خديجة في الثانية، ويستحيل أن ينتج هذا الفيض القرآني المعجز عن لقاء خاطف بين رجل أمي وراهب نصراني.
• لو كان بحيرا هو مصدر القرآن لنسبه لنفسه، ونال ذلك الأمر العظيم بالأحرى! ولماذا لم يقدح قومه في القرآن بهذا، وهم كانوا أحرص الناس على تكذيبه؟
• أما عن الغلام الرومي، فهل يعقل أن يكون مصدر القرآن البليغ المعجز ذلك الحداد الرومي الأعجمي، الذي لا يعرف شيئا عن لغة العرب، والذي كان يقضي يومه منهكا بين مطرقته وسندانه في خبث الحديد.
• أما عن ورقة فلم يرد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم - كان يتردد عليه، كما أن ورقة لم يعش إلا قليلا بعد البعثة، كما أن ما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم - يخالف عقائد النصارى وأصولهم التي كان ورقة يدين بها كما يزعمون.
• إن غاية ما ورد في هذا الصدد أن ورقة بشر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - وتمنى أن يكون حيا وفيه قوة حتى يدافع عن الإسلام ونبيه.
المراجع
- [6]. نظرية النسخ في الشرائع السماوية، شعبان محمد إسماعيل، دار السلام، القاهرة، ط1، 1408هـ/ 1988م،ص34، 35.
- [7]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، باقي مسند الأنصار، حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (23536)، والطبراني في الأوسط، باب العين، من اسمه عبد الرحمن (4749)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2700).
- [8]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ/ 1996م، ج2، ص340: 338 بتصرف.
- [9]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ/ 1996م، ج2، ص343 بتصرف.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد