محتوي المقال
يعني أن الله الذي اعتقل الفيل، ومنع أصحابه من دخول مكة محاربين هو الذي اعتقل هذه الناقة، ومنع جيش المسلمين من دخولها الآن عنوة. وهكذا أيقن أن الله تعالى لم يأذن لهم في هذا العام بدخول مكة مقاتلين، لا بادئين ولا مكافئين، وزجرالناقة فثارت إلى ناحية أخرى، فنزل بأصحابه في أقصى الحديبية، وعدل بهم عن متابعة السير امتثالا لهذه الإشارة الإلهية التي لا يعلم حكمتها، وأخذ يسعى لدخول مكة عن طريق الصلح مع قريش قائلا: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» [31]. ولكن قريشا أبت أن يدخلها في هذا العام لا محاربا ولا مسالما، وأملت عليه شروطا قاسية، بأن يرجع من عامه، وأن يرد كل رجل يجيئه من مكة مسلما، وألا ترد هي أحدا يجيئها من المدينة، تاركا لدينه، فقبل تلك الشروط التي لم يكن ليمليها مثل قريش في ضعفها على مثل المؤمنين في قوتهم.
وأمر أصحابه بالتحلل من عمرتهم وبالعودة من حيث جاءوا، فلا تسل عما كان لهذا الصلح من الوقع السيئ في نفوس المسلمين، حتى إنهم لما جعلوا يحلقون بعضهم لبعض كاد يقتل بعضهم بعضا ذهولا وغما، وكادت تزيغ قلوب فريق من كبار الصحابة، فأخذوا يتساءلون فيما بينهم ويراجعونه هو نفسه قائلين: لم تعط الدنية في ديننا؟ وهكذا كاد الجيش يتمرد على أمر قائده، ويفلت حبله من يده، ولكن انظر كيف كان جوابه حين راجعه عمر: "إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري"، يقول: إنما أنا عبد مأمور ليس لي من الأمر شيء إلا أن أنفذ أمر مولاي، واثقا بنصره قريبا أو بعيدا.
وهكذا ساروا راجعين، وهم لا يدرون تأويل هذا الإشكال حتى نزلت سورة الفتح فبينت لهم الحكم الباهرة، والبشارات الصادقة، فإذا الذين ظنوه ضيما [32] وإجحافا [33] في بادئ الرأي، كان هو النصر المبين والفتح الأكبر، وأين تدبير البشر من تدبير القدر:
(وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27))
(الفتح).
ولقد كان حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلا، فيحرك به لسانه وشفتيه؛ طلبا لحفظه، وخشية ضياعه من صدره، ولم يكن ذلك معروفا من عادته في تحضير كلامه، لا قبل دعواه النبوة ولا بعدها، ولا كان ذلك من عادة العرب، إنما كانوا يزورون كلامهم في أنفسهم، فلو كان القرآن منبجسا [34] من معين [35] نفسه لجرى على سنة كلامه وكلامهم، ولكان له من الروية [36] والأناة [37] الصامتة ما يكفل له حاجته من إنضاج الرأي وتمحيص الفكرة، ولكنه كان يرى نفسه أمام تعليم يفاجئه وقتيا ويلم به سريعا، بحيث لا تجدي الروية شيئا في اجتلابه لو طلب، ولا في تداركه واستذكاره لو ضاع منه شيء، وكان عليه أن يعيد كل ما يلقى إليه حرفا، فكان لا بد له في أول عهده بتلك الحال الجديدة التي لم يألفها من نفسه أن يكون شديد الحرص على المتابعة الحرفية، حتى ضمن الله له حفظه وبيانه بقوله:
(لا تحرك به لسانك لتعجل به (16))
(القيامة)
، وقوله:
(ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114))
(طه).
هذا طرف من سيرته بإزاء القرآن، وكلها شواهد ناطقة بصدقه في أن القرآن لم يصدر عنه بل ورد إليه، وأنه لم يفض عن قلبه بل أفيض عليه، فإذا أنت صعدت بنظرك إلى سيرته العامة، لقيت من جوانبها مجموعة رائعة من الأخلاق العظيمة. وحسبك الآن منها أمثلة يسيرة إذا ما تأملتها صورت لك إنسانا الطهر ملء ثيابه، والجد حشو إهابه [38]، يأبى لسانه أن يخوض فيما لا يعلمه، وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يعلنه، ويأبى سمعه أن يصغي إلى غلو المادحين له، تواضع هو حلية العظماء، وصراحة نادرة في الزعماء، وتثبت قلما نجده عند العلماء، فأنى من مثله الختل [39] أو التزوير أو الغرور أو التغرير؟ حاشا لله!
«جلست جويريات يضربن بالدف في صبيحة عرس الربيع بنت معوذ الأنصارى، وجعلن يذكرن آباءهن من شهداء بدر حتى قالت جارية منهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين»
[40].
ومصداقه في كتاب الله تعالى:
(قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب)
(الأنعام: 50)،
(ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير)
(الأعراف: 188).
والآن، وقد وفينا بكل الوعد بعرض هذه النماذج من السيرة النبوية نعود إلى تقدير ما قصدنا من هذا العرض فنقول: إن صاحب هذا الخلق العظيم، وصاحب تلك المواقف المتواضعة بإزاء القرآن، ما كان ينبغي لأحد أن يمتري في صدقه حينما أعلن عن نفسه أنه ليس هو واضع ذلك الكتاب، وأن منزلته منه منزلة المتعلم المستفيد، بل كان يجب أن نسجل من هذا الاعتراف البرئ دليلا آخر على صراحته وتواضعه" [41].
ومما يزيد الأمر وضوحا ما قاله د. دراز، فقد قال تحت عنوان "الاتصال بالكتب المقدسة": "إن أول إجابة تتبادر إلى الذهن في هذا المجال، هو أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد استخلص دروسه من مطالعاته المباشرة للكتب المقدسة القديمة، سواء كانت مسيحية، أو يهودية، أو غيرها.. ولكن هل كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يعرف القراءة والكتابة؟
يجيب القرآن بالنفي، ويبرهن بأمية الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - على ربانية تعليمه، إنه لا يقرر فحسب أنه أمي من شعب أمي
(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)
(الأعراف: 157)،
أي غير متعلم، وليس فقط كما يريد سبرنجر أنه ينتمي إلى شعب وثني لم يتلق أي كتاب سماوي من قبل، وإنما يؤكد بصريح العبارة أنه لم يسبق له أن قرأ كتابا قبل القرآن، أو كتب بيده:
(وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)
(العنكبوت: 48).
ولا شك أن معارضيه كانوا يعرفون فيه هذه الأمية جيدا؛ لأنهم عندما أرادوا تعليل المصدر الذي تلقى عنه أساطير العصور القديمة، لم يجرءوا أن يقولوا "كتبها" وإنما قالوا "اكتتبها" أي كتبها له غيره
(وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5))
(الفرقان)،
وهما عبارتان مختلفتان تمام الاختلاف، إلا أنه التبس معناهما على بعض المستشرقين.
وحتى على فرض أنه كان يعرف القراءة، فقد كانت هناك عقبة يستحيل تذليلها؛ لأن في هذا الوقت لم تكن قد وجدت بعد توراة ولا إنجيل باللغة العربية، ووجود هذه الوثائق بلغة أجنبية جعلها حكرا لبعض العلماء المتحدثين بأكثر من لغة الذين حفظوها بعناية، بل لقد وصفهم القرآن بالبخل بما عندهم من العلم، بحيث إنهم لم يكونوا ليتنازلوا عن بضع أوراق من التوراة إلا مع حرصهم على إخفاء الجزء الأكبر منها:
(تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا)
(الأنعام: 91)،
وسوف يكشف القرآن فيما بعد في المدينة وسائلهم الأخرى لإخفاء العلم شفويا وتحريريا:
(وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله)
(آل عمران: 78)،
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)
(البقرة: 79).
وعلى كل حال لم ينبئنا التاريخ عن أي اتصال كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين وسط العلماء قبل الهجرة، فطالما أن الكلام يدور في العموميات التي يصعب التحكم فيها، فلا شك أنه يمكن افتراض وجود مثل هذه العلاقة، وذلك بإتاحة الفرصة لكل حدس [42] وخيال، أما عندما نطالب بالتحديد فإنه يحدث التناقض والتخبط في الحال [43].
وعن القصص الديني اليهودي والمسيحي في القرآن يقول: "فيما يختص بالقصص المسيحي واليهودي بوجه عام، يؤسفنا ألا نجد ما يؤيد هذه الملاحظة، من قريب أو بعيد، والرجوع إلى النص القرآني يثبت لنا العكس تماما، فالسور المكية هي التي تعرض أطوار قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة، ولم يترك للسور المدنية - حيث احتك الرسول - صلى الله عليه وسلم - احتكاكا فعليا مباشرا باليهود - سوى فرصة استخلاص الدروس منها، وغالبا في تلميحات موجزة [44].
هل بقي بعد كل هذا مجال للقول بأن القرآن تكرار لمضمون الكتب السابقة، أو بعضها؟!! ولم يأت بجديد؟!
الخلاصة:
• تضمن القرآن الكريم أحكاما وتشريعات مغايرة لما ورد في الكتب السابقة، وأخرى غير معهودة من قبل. فالذات الإلهية في العقيدة اليهودية - من خلال ما يسمى بالعهد القديم - تتصف بصفات بشرية، فالرب - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - يستشير الحاخامات ويندم على ما أنزله باليهود والهيكل، وهو ضعيف فقد صارع يعقوب - إسرائيل - فصرعه الأخير، وهو مصدر الخير والشر على حد زعمهم.
• أما المسيحية - من خلال ما يسمى بالعهد الجديد - فالله والد ومولود، وهو على ثلاثة أقانيم وصور.
• أما الإسلام فقد جاء فيما يخص مقام الألوهية بأنصع وأصفى، وأنقى عقيدة توحيدية عرفها تاريخ الأديان، فالله - في العقيدة الإسلامية - واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولا شريك له في ملكه، وليس كمثله شيء، فإذا كان القرآن مقتبسا من هذه الكتب السابقة عليه، فلم لم يكرر فكرها الملوث المحرف الوثني هذا عن الذات الإلهية، وغايرها في هذا الشأن على طول الخط؟!
• وفي جانب التشريع، فإنه يتركز في التوراة والتلمود - العهد القديم - في الوصايا العشر المنسوبة لموسى - عليه السلام - أما التشريع المسيحي - في العهد الجديد - فمجموعة مواعظ.
• أما الجانب التشريعي في القرآن فهو أحد أبرز مواطن الإعجاز فيه، إذ تضمن شريعة متكاملة وافية بحياة البشر ومتطلبات وجودهم، لا في زمان نزوله فحسب، بل على مر الزمان وتغاير الحدثان [45]، وحدد موقف الإنسان وعلاقته بالدنيا والآخرة، وجاء بالجديد الذي غير مسار البشرية في شئون الأسرة والمجتمع، والمال، والحرب، والسلم، والعلاقات الدولية... إلخ.
• ومن أبرز ملامح الجدة والأصالة - عدم الاقتباس والتكرار والتقليد - في القرآن باب الإعجاز العلمي المتضمن فيه، والذي لا يباريه فيه أي من الكتب السابقة، كما أثبت وما يزال يثبت كثيرون من العلماء المنصفين المستبصرين، كالمستشرق الفرنسي موريس بوكاي في كتابه: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم الحديث.
• ومن جهة أخرى فقد جاء القرآن مصوبا ومتمما للكتب السماوية السابقة، التي أصابها التحريف والتبديل - ولم يقتبس منها أو يكرر مضامينها. ولم يؤلفه محمد - صلى الله عليه وسلم - منها ولامن غيرها فعند استعراضنا لبعض القصص في التوراة والإنجيل ومقارنتها بما جاء في القرآن، نجد القرآن قد بين ووضح، وأزال اللبس والغموض، وجاء بأمور لم يرد ذكرها في العهدين القديم أو الجديد، مثل قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - وقصة سيدنا زكريا وتبشيره بيحيى - عليهما السلام - وغيرهما كثير.
فلو لم يكن وحيا - حقا - وكان من تأليفه - صلى الله عليه وسلم - فكم نزلت به في سيرته العطرة نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول والتأليف، وكانت الحاجة القصوى وقتها ماسة لأن يتكلم لو كان الأمر إليه، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي ولا يجد في شأنها قرآنا يقرأ على الناس.
من ذلك مثلا إرجاف المنافقين بحادثة الإفك عن زوجه عائشة - رضي الله عنها - وإبطاء الوحي عليه، والناس يخوضون في الأمر حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو - صلى الله عليه وسلم - يردد: إني لا أعلم عنها إلا خيرا"، فلو كان الأمر إليه لألف وادعى وبرأها وبرأ ساحة عرضه على الفور، ثم إنه كان أميا - لا يقرأ ولا يكتب - فكيف له بقراءة هذه الكتب والاقتباس منها، والنسج على منوالها، وعلى فرض عدم أميته - وهو فرض خاطئ - فلم تكن هذه الكتب السابقة قد ترجمت في عصره للعربية بعد، إذ تأخر ذلك لقرون لاحقة.
المراجع
- [31]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل العرب (2581).
- [32]. الضيم: الظلم.
- [33]. الإجحاف: الإضرار.
- [34]. انبجس: نبع.
- [35]. من معين نفسه: أي من ذاتها.
- [36]. الروية: التفكر في الأمر.
- [37]. الأناة: البطء في الحركة وفي مقاربة الخطو في المشي وقبل الحلم والتؤدة.
- [38]. الإهاب: الجلد.
- [39]. الختل: الخداع.
- [40]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتـاب المغـازي، بـاب شهـود الملائكــة بــدرا (3779)، وفي موضع آخر.
- [41]. النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، د. محمد عبد الله دراز، دار القلم، الكويت، ط4، 1977م، ص49: 64 بتصرف.
- [42]. الحدس: الظن والتخمين.
- [43]. مدخل إلى القرآن الكريم، د. محمد عبد الله دراز، ترجمة: محمد عبد العظيم، دار القلم، الكويت، ط5، 2003م، ص148 وما بعدها.
- [44]. مدخل إلى القرآن الكريم، د. محمد عبد الله دراز، ترجمة: محمد عبد العظيم، دار القلم، الكويت، ط5، 2003م، ص168 بتصرف يسير.
- [45]. الحدثان: الليل والنهار.
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد