محتوي المقال
ثانيا. القرآن مصوب ومتمم، وليس نسخة مقتبسة مما سبقه:
أما عن الشق الثاني من الدعوى والذي يتمثل في اقتباس القرآن - على حد قولهم - من الكتب السابقة، فذلك باطل، ويبين بطلان ذلك أمران [19]:
الأول: التشابه بين التوراة والقرآن في أصل الواقعة فقط لا في التفاصيل.
1. لقطة من قصة يوسف - عليه السلام - مع امرأة العزيز:
• القصة في التوراة:
"وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف وقالت: "اضطجع معي". فأبى وقال لامرأة سيده: "هوذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت، وكل ما له قد دفعه إلى يدي. ليس هو في هذا البيت أعظم مني. ولم يمسك عني شيئا غيرك، لأنك امرأته. فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله"؟ وكان إذ كلمت يوسف يوما فيوما أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها.
ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله، ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك في البيت. فأمسكته بثوبه قائلة: "اضطجع معي"! فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج. وكان لما رأت أنه ترك ثوبه في يدها وهرب إلى خارج، أنها نادت أهل بيتها، وكلمتهم قائلة: "انظروا! قد جاء إلينا برجل عبراني ليداعبنا! دخل إلى ليضطجع معي، فصرخت بصوت عظيم. وكان لما سمع أني رفعت صوتي وصرخت، أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب وخرج إلى خارج". فوضعت ثوبه بجانبها حتى جاء سيده إلى بيته. فكلمته بمثل هذا الكلام قائلة: "دخل إلى العبد العبراني الذي جئت به إلينا ليداعبني. وكان لما رفعت صوتي وصرخت، أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب إلى خارج".
فكان لما سمع سيده كلام امرأته الذي كلمته به قائلة: "بحسب هذا الكلام صنع بي عبدك"، أن غضبه حمي. فأخذ يوسف سيده ووضعه في بيت السجن، المكان الذي كان أسرى الملك محبوسين فيه". (التكوين 39: 7 - 17).
• أما النص القرآني:
قال تعالى:
(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمـره ليسجنـن وليكونـا مـن الصاغريــن (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35))
(يوسف).
وبالنظر في النصين التوراتي والقرآني يتبين أنهما لم يتفقا إلا في أصل الواقعة، ويختلفان بعد ذلك في كل شيء، على أن القرآن قام هنا بعملين جليلي الشأن:
o أورد جديدا لم تعرفه التوراة فمثلا: حديث النسوة وموقف المرأة منهن، شهادة الشاهد الذي هو من أهل امرأة العزيز.
o تصحيح أخطاء وقعت فيها التوراة ومن أبرزها: لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة، بل كان لابسا إياه، ولكن قطع من الدبر، غياب يوسف حين حضر العزيز وإسقاطها - التوراة - دفاعه عن نفسه.
ربما يقول قائل: ولماذا تتحيز للقرآن وتعتبر النص التوراتي هو الخاطئ؟!
والرد على هذا الاعتراض يبينه دواعي حكمنا هذا بدون تعصب للقرآن أو المسلمين، إذ إنه لم يرد في القرآن - قط - ما هو خلاف الحق؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد ثبتت هذه الحقيقة في كل مجالات البحوث التي أجريت على "مفاهيم" القرآن العظيم في كل العصور، وهذا الداعي وحده كاف في تأييد ما ذهبنا إليه، بالإضافة إلى أنه منتزع من الواقعة نفسها: فكل من التوراة، والقرآن متفق على عفة يوسف وإعراضه عن الفحشاء، ثم اختلف في سرد القصة كاملة.
فالتوراة تذكر أن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب، والقرآن يقول: إنه لم يترك قطعة الثوب، بل أمسكته المرأة من الخلف، ولما لم يتوقف يوسف - عليه وسلم - اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة في ثوبه، فأي الروايتين أليق بعفة يوسف المتفق عليها بين المصدرين، أن يترك ثوبه كله؟ أو أن يخرق ثوبه من الخلف؟!
وإذا سلمنا جدلا بصحة رواية التوراة فيوسف ليس عفيفا، والمرأة على حق في دعواها، وهذا ما لا يليق بنبي من أنبياء الله؛ لأن يوسف لا يخلع ثوبه هكذا إلا إذا كان هو الراغب وهي الأبية، ولا يقال إن المرأة هي التي خلعت ثوبه عنه؛ لأن يوسف رجل وهي امرأة، فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بكل سهولة، وعندما يمتنع، تحتفظ هي بالثوب كدليل مادي على جنايته المشينة؟! وهل خرج يوسف "عريانا" وترك ثوبه لدى غريمته؟ يقال أما ما نلمحه في القرآن من فرار يوسف من المرأة، وإمساكها وتشبثها به، فأدى ذلك إلى قطع ثوبه من الخلف، فيتفق مع عفة يوسف التي صرح بها في المصدرين فكيف يقال إن القرآن مقتبس من التوراة؟
والمعروف أن المقتبس لا بد أن ينقل الفكرة كلها أو بعضها، وها نحن رأينا أن القرآن يتجاوز هذه الأسس، فيأتي بجديد لم يذكر فيما سواه، ويصحح خطأ وقع فيه ما سواه، والاختلاف بين النص هنا وهناك يشمل الأصول والفروع بالإضافة إلى إحكام البناء، وعفة الألفاظ، وشرف المعاني.
2. قصة قابيل وهابيل ابني آدم:
• النص في التوراة:
"وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين. وقالت: "اقتنيت رجلا من عند الرب". ثم عادت فولدت أخاه هابيل. وكان هابيل راعيا للغنم، وكان قايين عاملا في الأرض. وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب، وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه. فقال الرب لقايين: "لماذا اغتظت؟ ولماذا سقط وجهك؟ إن أحسنت أفلا رفع؟ وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها". وكلم قايين هابيل أخاه. وحدث إذ كانا في الحقل أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله. فقال الرب لقايين: "أين هابيل أخوك؟" فقال: "لا أعلم! أحارس أنا لأخي؟" فقال: "ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إلى من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائها وهاربا تكون في الأرض". فقال قايين للرب: "ذنبي أعظم من أن يحتمل. إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك أختفي وأكون تائها وهاربا في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني". فقال له الرب: "لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه". وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده. فخرج قايين من لدن الرب، وسكن في أرض نود شرقي عدن". (التكوين 4: 1 - 16).
• نص القرآن:
وقـال تعالـى:
(واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتلـه فأصبــح مــن الخاسريــن (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (31) من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32))
(المائدة).
اتفق المصدران في مسألة القربان، وقتل أحد الأخوين للآخر. وما ورد في القرآن - عدا ذلك - يختلف تماما عن نظيره في التوراة. فنلاحظ أنه لا هدف لذكر القصة في التوراة إلا مجرد التاريخ، فهي معلومات ذهنية خالية من روح التربية والتوجيه، أما القرآن فيجعل من هذه القصة هدفا تربويا، أو يبني شريعة القصاص العادل عليها، ويلوم بني إسرائيل على إفسادهم في الأرض بعد مجيء رسل الله إليهم، إضافة إلى هذا سوء مخاطبة قابيل الرب في قوله: "أحارس أنا لأخي" ففيها فظاظة، لو صدرت من إنسان لأبيه لعد عاقا فظا غليظا، فكيف تصدر من "مربوب" إلى ربه وخالقه؟
ولكن هكذا تنهج التوراة، فهي لا تعرف قدرا للرب، ولا من تنقل عنه حوارا مع الرب، ولا غرابة في ذلك، فالتوراة تذكر أن موسى أمر ربه أن يرجع عن غضبه على بني إسرائيل، بل هدده بالاستقالة من النبوة إذا لم يستجب لأمره.
فكيف يقال إن القرآن اقتبس هذه الأحداث من التوراة، وصاغها في قالب البلاغة العربية؟! والاختلاف بينهما أصيل. فمن أين أتى القرآن بكلام الشقيق الذي قتل بيد أخيه؟ ومن أين أتى بقصة الغراب الذي جاء ليرى القاتل كيف يواري سوءة أخيه؟ ولماذا أهمل القرآن الحوار الذي تورده التوراة بين الرب وقابيل القاتل، وهذا الحوار هو هيكل القصة كلها في التوراة.
إن القرآن له مصدره الخاص به الذي استمد منه الوقائع على وجهها الصحيح، ومجرد التشابه في أصل الواقعة لا يؤثر في استقلال القرآن أبدا.
3. مسألة المحرمات من النساء:
• في التوراة:
"لا يقترب إنسان إلى قريب جسده ليكشف العورة. أنا الرب. عورة أبيك وعورة أمك لا تكشف. إنها أمك لا تكشف عورتها. عورة امرأة أبيك لا تكشف. إنها عورة أبيك. عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجا لا تكشف عورتها. عورة ابنة ابنك، أو ابنة ابنتك لا تكشف عورتها. إنها عورتك. عورة بنت امرأة أبيك المولودة من أبيك لا تكشف عورتها. إنها أختك. عورة أخت أبيك لا تكشف. إنها قريبة أبيك. عورة أخت أمك لا تكشف. إنها قريبة أمك. عورة أخي أبيك لا تكشف. إلى امرأته لا تقترب. إنها عمتك. عورة كنتك لا تكشف. إنها امرأة ابنك. لا تكشف عورتها. عورة امرأة أخيك لا تكشف. إنها عورة أخيك. عورة امرأة وبنتها لا تكشف. ولا تأخذ ابنة ابنها، أو ابنة بنتها لتكشف عورتها. إنهما قريبتاها. إنه رذيلة. ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها في حياتها". (اللاويين 18: 6 - 18).
• في القرآن الكريم:
قال تعالى:
(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)
(النساء).
ونلاحظ ما يلي:
• التوراة لا تقيم شأنا للنسب من جهة الرضاع.
• تحرم نكاح امرأة العم وتدعوها عمة.
• تحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه.
• لا تذكر حرمة النساء المتزوجات من رجال آخرين وزواجهن قائم.
• تجمل التحريم غالبا للقرابة من جهة غير الزوج مثل قرابة الأب، الأم، العم.... إلخ.
أما القرآن:
• فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
• لا يحرم نكاح امرأة العم ولا يدعوها عمة.
• لا يحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه، إذا طلقها أو مات عنها أخوه.
• يحرم نكاح المتزوجات فعلا من آخرين زواجا قائما، ويطلق عليهن وصف المحصنات من النساء.
• يجعل التحريم لقرابة الزوج ممن حرمت عليه، أوقرابة زوجته أحيانا.
هذه الفروق الدقيقة لا تؤهل النص التوراتي لأن يكون أصلا للنص القرآني لا علميا ولا عقليا، فالحجم مئات المرات. ولكن لا مجال للمقارنة بين التوراة والقرآن، فهو فوق ما يأتي به من جديد، يصحح الأخطاء التي وقعت فيما سواه، وهذا هو معنى الهيمنة
(مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)
(المائدة: 48).
فالأمور التي لم يلحقها تحريف في التورة جاء القرآن مصدقا لها أو هو مصدق لكل من التوراة والإنجيل بالصفة التي أنزلها الله عليهما قبل التحريف، أما الأمور التي حرفت وتعهدها القرآن بالتصحيح، فذلك سلطان الهيمنة المشهود للقرآن بها من منزل الكتاب على رسله.
الثاني: الاختلاف بين الإنجيل والقرآن.
بشارة زكريا بـ "يحيى" عليهما السلام:
• نص الإنجيل:
"كان في أيام هيرودس - ملك اليهودية - كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها أليصابات. وكانا كلاهما بارين أمام الله، سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم. ولم يكن لهما ولد، إذ كانت أليصابات عاقرا. وكانا كلاهما متقدمين في أيامهما. فبينما هو يكهن في نوبة فرقته أمام الله - حسب عادة الكهنوت - أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر. وكان كل جمهور الشعب يصلون خارجا وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين مذبح البخور. فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك: "لا تخف يا زكريا، لأن طلبتك قد سمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك ابنا وتسميه "يوحنا". ويكون لك فرح وابتهاج، وكثيرون سيفرحون بولادته، لأنه يكون عظيما أمام الرب، وخمرا ومسكرا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس. ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته، ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعصاة إلى فكر الأبرار، لكي يهيئ للرب شعبا مستعدا". فقال زكريا للملاك: "كيف أعلم هذا، لأني أنا شيخ وامرأتي متقدمة في أيامها؟" فأجاب الملاك وقال له: "أنا جبرائيل الواقف قدام الله، وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم، إلى اليوم الذي يكون فيه هذا، لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته". وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائه في الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم، ففهموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل. فكان يومئ إليهم وبقي صامتا". (لوقا 1: 5 - 22).
• أما النص القرآني:
قال تعالى:
(هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقـر قـال كذلـك الله يفعـل مـا يشـاء (40) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41))
(آل عمران).
وقال تعالى:
(ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغـت مـن الكبـر عتيـا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15))
(مريم).
وبمطالعة ما ورد في النصين تبين أن القرآن ينفرد بدقائق لا وجود لها في النص الإنجيلي أبرزها:
• تقدم على قصة البشارة في "آل عمران" قصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لله محررا، وهذا لم يرد في النص الإنجيلي.
• الإخبار بأنها ولدت أنثى "مريم" وكانت ترجو المولود ذكرا.
• كفالة زكريا لمريم، وسؤاله إياها عن مصدر رزقها، وجوابها إياه "هو من عند الله".
• القرآن يربط بين قصة الدعاء بمولود لزكريا، وبين قصة مولودة امرأة عمران.
• دعاء زكريا منصوص عليه في القرآن، وليس له ذكر في النص الإنجيلي.
هذا في سورة "آل عمران"، أما في سورة "مريم":
• فقد رتب زكريا على هبة الله له وليا، أن يرثه ويرث من آل يعقوب.
• السبب في حمل زكريا على دعاء ربه، هو خوفه الموالي من ورائه.
• كون زكريا أوحى لقومه بأن يسبحوا بكرة وعشيا.
• الثناء على المولود "يحيى" بأنه بار بوالديه - عليه السلام - يوم ولادته ويوم موته، ويوم بعثه حيا ورد في القرآن، ولا مقابل له في النص الإنجيلي.
إذن ما قام به القرآن الكريم هنا هو: تصحيح الأخطاء التي وردت في النص الإنجيلي:
1. النص الإنجيلي يجعل الصمت الذي قام به زكريا عقوبة له من الملاك، فصحح القرآن، وجعل الصمت استجابة لدعاء زكريا ربه، فالصمت كان تكريما لزكريا من الله، وليس عقوبة من الملك. فما هو الذنب الذي ارتكبه زكريا حتى يعاقب من الله أو حتى من الملاك؟! هل إقراره بكبر سنه، وعقر امرأته هو الذنب؟!
لقد وقع هذا من إبراهيم - عليه السلام - حين بشر بإسحاق، ووقع من سارة حين بشرت به، فلم يعاقب الله منهما أحدا، وقد وقع هذا من مريم حين بشرت بحملها بعيسى، ولم يعاقبها الله عليه، فما السر في ترك إبراهيم وسارة ومريم بلا عقوبة، وإنزالها بزكريا وحده، أفي المسألة محاباة؟!
إن أكبر دليل على نفي هذا القول هو خلو النصوص القرآنية منه، وليس هذا تعصبا منا للقرآن، وهو الحق، ولكنه الملك الكريم اللائق بمنزلة الرسل عند ربهم.
إن الصمت الذي حل بزكريا كان بالنسبة لتكليم الناس، ومع هذا فقد ظل لسانه يلهج بذكر الله وتسبيحه في العشي والإبكار.
2. النص الإنجيلي يحدد مدة الصمت بخروج زكريا من الهيكل إلى يوم أن ولد يحيى، وهذا خطأ ثان صححه القرآن المهيمن فجعل مدته ثلاثة أيام بلياليهن بعد الخروج من المحراب.
3. يجعل البشارة على لسان ملاك واحد، بينما النصان القرآنيان يجعلانها على لسان جمع من الملائكة
(فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب)
(آل عمران: 39)
، (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى)
(مريم: 7).
4. النص الإنجيلي يجعل التسمية بـ "يحيى" من اختيار زكريا، بيد أن الملاك تنبأ بها، والقرآن جعل التسمية من وحي الله إلى زكريا:
(اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7))
(مريم).
5. النص الإنجيلي يقول: إن زكريا حين جاءه الملاك وقع عليه خوف واضطراب، وقد خلا منه النص القرآني، فدل خلوه على أنه لم يقع، ذلك أن القرآن الكريم عودنا في قصه للوقائع المناظرة لهذه الواقعة أن يسجلها إذا حدثت ولا يهملها، بدليل أنه قد نص عليها في واقعة السجدة مع موسى، فقال:
(فأوجس في نفسه خيفة موسى (67))
(طه)،
وقال: (فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب)
(القصص: 31)،
وحكاية إبراهيم لضيوفه: (إنا منكم وجلون (52))
(الحجر)
، وعن مريم:
(قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18))
(مريم).
إذن فلم يقتبس القرآن جزءا من الواقعة، ولا الواقعة كلها، بل قام بإضافة الكثير جدا من الجديد الذي لم يعرفه الإنجيل، وصحح كثيرا من الأخطاء التي وردت فيه بفعل التحريف والتزوير، إما بالنص وإما بالسكوت، وهذا لا يتأتى من مقتبس ليس له مصدر سوى ما اقتبس منه، وإنما يتأتى ممن له مصادره، ووسائله، وسلطانه المتفوق، ومن يقل غير هذا فقد ظلم نفسه.
حول إثبات أصالة الوحي القرآني، وأنه وحي سماوي رباني خالص، وليس تأليفا بشريا مجتزا من كتب سابقة، دار نقاش كثير برهن العلماء من خلاله على ربانية مصدر هذا الكتاب الجليل لا بشريته.
وقد فصل الحجج والأدلة على أصالة القرآن، وكونه وحيا سماويا لا اقتباسا أرضيا، د. محمد عبد الله دراز" فكان مما أورده في هذه القضية نافيا - في بحث علمي شائق - أن يكون الرسول الكريم قد ألفه من عند نفسه أساسا، قوله: "لقد علم الناس أجمعون علما لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي ولد بمكة، في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله - هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادة لكتاب غيره، ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض.
أما بعد، فمن أين جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ أمن عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟ نقرأ في هذا الكتاب ذاته أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، ذلكم هو جبريل - عليه السلام - تلقاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصا من النصوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا:
• الوعي والحفظ.
• الحكاية والتبليغ.
• البيان والتفسير.
• التطبيق والتنفيذ.
أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء، إن هو إلا وحي يوحى. هكذا سماه القرآن
حيث يقول:
(وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي)
(الأعراف: 203)
ويقول:
(قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي)
(يونس: 15)
وأمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني، ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي:
(إنا أنزلناه قرآنا عربيا)
(يوسف: 2)،
(سنقرئك فلا تنسى (6))
(الأعلى)
، (لا تحرك به لسانـك لتعجـل بـه (16) إن علينـا جمعـه وقرآنــه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنـه (18) ثـم إن علينـا بيانه (19))
(القيامة)
، (اقــرأ) ،
(العلق: 1)
(واتل)
(الكهف: 27)
، (ورتل)
(المزمل: 4)
، فانظر كيف عبر بالقراءة والإقراء، والتلاوة، والترتيل، وتحريك اللسان، وكون الكلام عربيا، وكل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة.
القرآن إذا صحيح في أنه "لا صنعة فيه لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه"، والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد.
في الحق أن هذه القضية لو وجدت قاضيا يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جني (الدعاوى) فتحتاج إلى بينة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه ولا يتوقف صديق، ولا عدو في قبوله منه، إن أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول: أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة وشأنا، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدا يعارضه، ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيرا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خف حمله، وغلت قيمته، وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى، ويلبس من أكفانهم، ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة. أما أن أحدا ينسب لغيره أنفس آثار عقله، وأغلى ما تجود به قريحته [20]، فهذا ما لم يلده الدهر بعد.
ولو أننا افترضناه افتراضا لما عرفنا له تعليلا معقولا، ولا شبه معقول اللهم إلا شيئا واحدا قد يحوك في صدر الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم، قد رأى أن في "نسبة القرآن إلى الوحي الإلهي" ما يعينه على استصلاح الناس باستحباب طاعته عليهم، ونفاد أمره فيهم؛ لأن تلك النسبة تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه، وهذا قياس فاسد في ذاته، فاسد في أساسه.
أما أنه فاسد في ذاته فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه، والكلام المنسوب إلى الله تعالى، فلم تكن نسبة ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئا، ولا نسبة مانسبه إلى ربه بزائدة فيها شيئا، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء، فكانت حرمتهما في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله. ومعصيته من معصية الله، فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى، لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم.
وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنه مبني على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء، فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته، لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المواربة، وأن سره وعلانيته كانوا سواء في دقة الصدق وصرامة الحق في جليل الشئون، وحقيرها، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها، كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا
(قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16))
(يونس).
فمثلا ما كتبه توماس كاريل الإنجليزي في كتاب "الأبطال"، وما كتبه الكونت هنري دي كاستري الفرنسي في خواطره وسوانحه عن الإسلام، ثم اقرأ شهادة قريش التي سجلها أبو سفيان وهو في الجاهلية بين يدي هرقل قيصر الروم، لما سألهم هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، وسأله: هل يغدر؟ قال: لا.
وكأني بك ها هنا تحب أن أقدم لك من سيرته المطهرة أمثلة واضحة الدلالةعلى مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي الذي نحن بصدده، وأنه لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه، فإليك طرفا من ذلك:
لقد كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالا ومجالا، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام ولا يجد في شأنها قرآنا يقرأه على الناس.
ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة - رضي الله عنها - وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: «إني لا أعلم عنها إلا خيرا»، ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال، واستشارة الأصحاب، وفي شهر بأكمله والكل يقولون: «ما علمنا عليها من سوء»، لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: «يا عائشة، أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله» [21].
هذا كلامه بوحي ضميره، وهو كما ترى كلام البشر، الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصديق المثبت الذي لا يتبع الظن، ولا يقول ما ليس له به علم، على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنا براءتها، ومصدر الحكم المبرم بشرفها وطهارتها.
فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ويذب بها عن عرينه، وينسبها إلى الوحي ال سماوي لتنقطع ألسنة المتخرصين؟
ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله
(ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47))
(الحاقة).
وأخرى كان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه، فيخطئه في الرأي يراه. ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعتاب القاسي، والنقد المر، حتى في أقل الأشياء خطرا:
(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1))
(التحريم)
(وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)
(الأحزاب: 37)
(عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43))
(التوبة).
(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113))
(التوبة).
(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68))
(الأنفال).
(أما من استغنى (5) فأنت لـه تصـدى (6) ومـا عليـك ألا يزكــى (7) وأما من جاءك يسعـى (8) وهـو يخشـى (9) فأنـت عنـه تلهـى (10))
(عبس).
أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وجدانه، معبرة عن ندمه، ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه، أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرية آرائه؟ بلى إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتما شيئا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه:
(وما هو على الغيب بضنين (24))
(التكوير).
وتأمل آية الأنفال المذكورة، تجد فيها ظاهرةعجيبة، فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها، وتطبيب النفوس بها، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها. فهل الحالة النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام - لو كان عن النفس وصدره - يمكن أن يصدر عنها آخره ولما تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة [22] الغضب والندم، وبين ابتسامة الرضى والاستحسان؟
كلا، وإن هذين الخطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضرابا عن الأول ماحيا له، ولرجع آخر الفكر وفقا لما جرى به العمل. فأي داع دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو وتسجيله، على ما فيه من تقريع [23] علني بغير حق، وتنغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالا طيبة؟ إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا ألبتة شخصيتن منفصلتين، وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أسأت، ولكني عفوت عنك وأذنت لك.
وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ترجح بين أمرين، ولم يجد فيها إثما اختار أقربهما إلى رحمة أهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله، فلم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحا، أوجاوزه خطأ ونسيانا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرا فتخير. هبه مجتهدا أخطأ باختيار خلاف الأفضل. أليس معذورا ومأجورا؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية - وما كان اختيار عمر - رضي الله عنه - في مسألة الأسرى ونحوها إلا مظهرا من مظاهر الشدة التي كانت أغلب على طبعه، وإن كانت هذه الشدة لتفتنه عن أمر الله يوم الحديبية، فكانت موافقته الوحي في تلك المسائل مصادفة للحكم من غير مقدماته الحقيقية التي انفرد بها علام الغيوب، وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية.
هل ترى في ذلك ذنبا يستوجب عند العقل هذا التأنيب [24] والتثريب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟
توفي عبد الله بن أبي كبير المنافقين، فكفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر رضي الله عنه:
«أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني ربي فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (التوبة: ٨٠) وسأزيده على السبعين»
[25].
وصلى عليه،
فأنزل الله تعالى:
(ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره)
(التوبة: 84)
، فترك الصلاة عليهم - اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين وانظر ماذا ترى؟ إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع، وقد اتخذ من القرآن دستورا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم، وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرا له بين طريقين، فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة، ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع.
وهكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن في هذه المواطن أو غيرها، تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة، ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة، تجلى لك في مقابل ذلك من القرآن، معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض، بل تصدع بالبيان فرقانا بين الحق والباطل، وميزانا للخبيث والطيب، أحب الناس أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا، إذ لا تزيدها طاعة الطائعين ولا تنقصها معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما وشتان بين سيد ومسود، وعابد ومعبود.
ولقد كان يجيئه الأمر أحيانا بالقول المجمل أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله، حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلاما لا يفهم هو معناه، وتأمره أمرا لا يعقل هو حكمته؟ أليس ذلك من الأدلة الواضحة على أنه ناقل لا قائل، وأنه مأمور لا آمر؟
نزل قوله تعالى:
(وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)
(البقرة: 284)
فأزعجت الصحابة إزعاجا شديدا، ودخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء آخر؛ لأنهم فهموا منها أنهم سيحاسبون على كل شيء حتى حركات القلوب وخطراتها،
فقالوا:
«يا رسول الله، أنزلت علينا هذه الآية ولا نطيقها، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير»
[26].
فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله:
(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286))
(البقرة).
وهنالك علموا أنهم إنما يحاسبون على ما يطيقون من شأن القلوب، وهو ما كان من النيات المكسوبة والعزائم المستقرة، لا من الخواطر والأماني الجارية على النفس بغير اختيار.
وموضع الشاهد منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر، لبين لهم خطأهم ولأزال اشتباههم من فوره؛ لأنه لم يكن ليكتم عنهم هذا العلم وهم في أشد الحاجة إليه.
ولم يكن ليتركهم في هذا الهلع الذي كاد يخلع قلوبهم وهو بهم رءوف رحيم، ولكنه كان مثلهم ينتظر تأويلها، ولأمر ما أخر الله عنهم هذا البيان، ولأمر ما وضع حرف التراخي في قوله:
(ثم إن علينا بيانه (19))
(القيامة).
واقرأ قضية الحديبية ففيها آية بينة: أذن الله للمؤمنين أن يقاتلوا من يعتدي عليهم أينما وجدوه، غير ألا يقاتلوا في الحرم من لم يقاتلهم فيه،
فقال تعالى:
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)
(البقرة: 190)،
فلما أجمعوا على زيارة البيت الحرام في ذلك العام، وهو العام السادس من الهجرة أخذوا أسلحتهم حذرا أن يقاتلهم أحد فيدافعوا عن أنفسهم الدفاع المشروع.
ولما أشرفوا على حدود الحرم، علموا أن قريشا قد جمعت جموعها على مقربة منهم فلم يثن ذلك من عزمهم؛ لأنهم كانوا على تمام الأهبة [27]، بل زادهم ذلك استبسالا وأصروا على المضي إلى البيت، فمن صدهم عنه قاتلوه، وكانت قريش قد أنهكتها الحروب، فكانت البواعث كلها متضافرة والفرصة سانحة للالتحام في موقعة فاصلة يتمكن فيها الحق من الباطل فيدفعه، وإنهم لسائرون عند الحديبية،
إذ بركت راحلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذ أصحابه يثيرونها إلى جهة الحرم فلا تثور،
فقالوا: خلأت [28] القصواء [29]، أي حزنت الناقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»
[30].
تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات بعد